فكّ التّبعيّة وإنهاء الاستعمار (الجزء الأول) بقلم: جونز مانويل، نقلته عن البرتغالية وقدّمت له: لينا الحسيني، البرازيل

توطئة: سردٌ خالٍ من التّضليل

قلّة من الناس يجرؤون على التّضحية من أجل الحقيقة، ذلك لأنّ كلفة ذلك عالية طالما أنّ هذا الصّراع هو لمواجهة وصدّ ماكينة التزوير البرجوازي الغربية الهائلة، واحتراف معظم إعلام العالم الثالث النّقل الحرفي التام لتضليل الإعلام الرّأسمالي الغربي بهدف التلاعب بالوعي الجمعي الأممي.

المقال المرفق هو عملٌ جاد، يكشف الحجم الهائل للكذب والتّشويه اللامعقول الذي تضخّه ماكينة الإعلام الرّأسمالي الغربي ضد كوريا الشعبية. وينطبق ذلك التشوية على حالات أخرى مثل كوبا، وسوريا وإيران وليبيا قبل اغتيال القذافي…الخ، أي على كل دولة ترفض ان تُطوى تحت العباءة الأمريكية والغربية عامّة.

تتناول المقالة جوانب من الحياة الثورية لكوريا الشمالية، وتفّوقها على العديد من دول العالم في مجالات الصّحة والتّعليم وتعبئة وقت الفراغ بشكل إنساني، بعكس ما يُدسُّ ضدّها.

على الرّغم من الّتلاعب الكبير في الرّوايات، وتبني وكالات الأنباء الدولية للأساطير التي حيكت والتّلفيقات الواضحة حول ما يحدث في كوريا الشّمالية، إلا أنّ هناك مؤرّخ  يقدم  رؤية مختلفة للمشهد.

وكي لا أُطيل على القارىء/ة أشير إلى أحد الجوانب التي لم يتمكن الكاتب من الإشارة إليها، وهي المساعدة الهائلة في تقنية حرب الغوار التي قدّمتها كوريا الشعبية وفيتنام الشمالية إلى حزب الله في تصديه للكيان الصهيوني وخاصة في انتصار العام 2006.(يمكن الرجوع إلى هذا الأمر في


https://kanaanonline.org/ar/2017/09/03/%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%ad%d8%b1%d8%a8-2006-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%ad%d8%b2%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d9%88%d8%a5%d8%b3%d8%b1%d8%a7%d8%a6/

ولو قدّر لي أن اضع عنواناً آخر لهذا المقال الثري لأسميته: “دفاعا عن الاشتراكية”

لينا الحسيني

■ ■ ■

فكّ التّبعيّة وإنهاء الاستعمار

بقلم: جونز مانويل،

تاريخ النّشر 04/06/2019

عثرتُ في العام 2013، على مقالٍ ل للفيلسوف الماركسي الإيطالي دومينيكو لوسوردو بعنوان: “نشأة وزوال الماركسية الغربيةّ”.

يقول لوسوردو في الوقت الذي يزعم فيه “مايكل هارت” و”أنطونيو نيغري” أنه يمكن للفلسطينيين الاعتماد على التعاطف العالمي حاليا، ولكن بمجرد إنجاز التحرير الوطني الفلسطيني، وبناء الدولة الوطنية، لن يلقوا أي دعم ولن يقف أحد بجانبهم . عندما قرأت هذا المقطع، أدركت على الفور عدم صوابية هذا الطّرح فلا ينبغي لأي عاقل أن يقبل بذلك.

إنّه لتفكير صبياني يقودنا للإعتقاد بأنّنا لا نستطيع إلا أن ندعم شعبًا مضطهدًا في لحظة اضطهاده القصوى، وعندما يبدأ هذا الشعب بإنجاز تحّرره – وهو هدف النضال – تنتهي فترة المساندة!

في وقت متأخر من العام التالي (كنت أدرس التّاريخ في جامعة UFPE (جامعة بيرنامبوكو الفيدرالية)،  أخبرني أستاذي أنّه شارك في مظاهرة احتجاجية ضد حرب فيتنام.

 السؤال الفوري الذي طرحته كان حول المصير المأساوي للدولة الآسيوية الشجاعة الذي تشهده اليوم. الجواب كان صادمًا: “لا أعرف. بعد أن تمكنت من هزيمة الولايات المتحدة، تمّ بناء الدولة الوطنية على أسس بيروقراطية، ولم نعد ننظر لما يحدث فيها بأنّه عمل ثوري”.

إجابة أستاذي السابق، تعبّر عن تفكيرنا المعاصر: فيتنام مهمة فقط عندما يمارس فيها أقصى أنواع القمع والممارسات الوحشية ؛ ولكن بعد التحرير، عندما تصبح أولوية الصراع فيها تتمثّل بمناهضة الاستعمار والإمبريالية وتتمثل في البناء الاقتصادي وإضفاء الطابع المؤسسي بعد إنهاء الاستعمار، فإنها تفقد سحرها.

في العام 2018، أطلقت دار النشر البرازيلية Boitempo كتابًا بعنوان: “الماركسية الغربية في البرازيل: كيف نشأت، وكيف تداعت، وما السبيل لإحيائها.” تأليف دومينيكو لوسوردو.

يتطرّق الماركسي الإيطالي في هذا الكتاب إلى العديد من المشكلات، ولكن هناك مشكلتان تهماننا كثيرًا في هذا الكتاب: أولاً، يشير لوسوردو إلى أنّ الطريق باتجاه ما يسميه “الماركسية الغربيّة” طويل الأمد وشاق – بدون نبرة الإشادة التي عادة ما ترتبط بهذا المصطلح – واستبعاد التفكير في المسألة الوطنية والاستعمارية من خلال تحليل سريع وعميق، يستعرض فيه عمل عدد من المفكرين  مثل أدورنو وهوركهايمر وألتوسير وجيجك وغيرهم الكثيرين لإظهار صوابية طرحه.

كما ينتقد أفكار العديد من المفكرين، منهم جان بول سارتر وهربرت ماركيوز، المفكرين الأوروبيين الذين كرّسا اهتمامًا سياسيًا ونظريًا كبيرًا بنضال معذبي الأرض. يصف لوسوردو معارضة سارتر للاستعمار  بالشعبويّة والمثاليّة: “سارتر كان معاديًا للإستعمار بكل حماسة وجدارة، لكنّه في الوقت نفسه كان شعبويًا ومثاليًا، فهو يعادي الاستعمار ولا يعير اهتمامًا بمرحلة الثورة المنخرطة في بناء النظام الجديد.”

فلسطين مثال على الاستعمار الكلاسيكي. الإحتلال العسكري المباشر، ونظام الفصل العنصري، والدور المحوري للقوات المحتلة كوسيط للسيطرة على الشعوب المضطهدة وإضفاء الصّبغة الإنسانية على المحتلّ عبر خلق إيديولوجيا سياسيّة تصوّر المستعمر ككائن متفّوق لا يريد إلا أن يعيش حياته بسلام، ولكن العنف الذي يمارسه البرابرة (أصحاب الأرض) ضد هذا المستعمر، لا يسمح بالعيش بسلام، وبالتالي فإنّ ردة الفعل الاستعمارية  القمعية ضد الشعوب المضطهدة ليست سوى وسيلة للدفاع عن “نمط حياتهم”.

هناك أشكالٌ مختلفة من الهيمنة الاستعمارية. يمكن لشعب أن يحرّر نفسه من الاحتلال العسكري المباشر للمستعمر وأن يظلّ خاضعًا لسيطرة نظام يُطلق عليه تقليديًا اسم الإستعمار الجديد.

فالاستقلال السياسي، إذا لم يكن مصحوبًا بتطوير جهازٍ إنتاجيٍ وعلميٍ وتقنيٍ، بالإضافة إلى آلية دفاعيّة فعّالة للحماية من الإستعمار الجديد، يصبح شكليًا فقط.

وكمثال توضيحي للغاية هو وضع العديد من الدول الأفريقية التي تخضع للاستعمار الجديد من خلال اعتمادها الكلي على فرنسا. على سبيل المثال، ليس لدى هذه البلدان الأفريقية مصرفًا مركزيًا، وما زالت فرنسا تسيطر على إصدار عملاتها.

لقد فهم العديد من المفكرين الثوريين، مثل فرانتز فانون وهوشي مينه وماو تسي تونغ و أميلكار كابرال، أنّ الاستقلال السّياسي أو التّحررالوطني الرّسمي يمكن أن يقع في فخّ الإمبريالية.

عندما انتصرت الثّورة الصينية في العام 1949، كانت لدى الإمبريالية الأمريكية فكرة مهاجمة البلاد بالقنابل الذرية وتدميرها، لكنّ الإمبراطورية الماكرة سرعان ما تبنت استراتيجية أكثر واقعية. وإدراكاً منها لنقص خبرة الشيوعيين في الإدارة الاقتصادية الحضرية وصعوبات إعادة بناء البلاد التي دّمرتها عقود من الإحتلال الاستعماري والحرب، لذا لجأت الولايات المتحدة لفرض سلسلة من العقوبات الاقتصادية، والتخريب والضغط الدبلوماسي ومارست كل أنواع الحصار، بهدف منع التنمية الاقتصادية بكل قّوتها لجعل الإشتراكية والثّورة المناهضة للاستعمار مجرد قشرة فارغة.

عندما تصعب إعاقة التنمية الاقتصادية للأمة الثورية بشكلٍ تام ، فإن الإمبريالية عمومًا تتبع استراتيجية الحصار والعزلة العالمية التي تجعل البلاد شبه منبوذة عالميًا.

فعالية العزلة الدولية تصبح نسبية في حال وجود معسكر اشتراكي مثلا لو أنّ الإتحاد السّوفياتي ما زال قائمًا، لكن، كما نعلم، منذ بداية التسعينيات، هُزمت الأممية الثالثة  والشيوعية. لذا، فإنّ الذين يجرؤون على التّحرر وفكّ التبعيّة هم الأكثر عزلةً أكثر من أي وقت مضى.

لكن ماذا عن كوريا؟

يمكننا الآن البدء بالحديث عن جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية، والمعروفة باسم كوريا الشمالية. ولكن الحديث عن كوريا الشعبية، من منظار برازيلي، يعني قبل كل شيء لفت الانتباه إلى جانبين:

  • الأول هو جهلنا بالبلاد بل  بالقارة الآسيوية عمومًا.

 ملاحظة: في الجامعات البرازيلية، تُعد مراكز الدراسات الآسيوية نادرة جدًا، ومن الصعب جدًا إيجاد مراجع حول هذا الموضوع. كان الاهتمام المتزايد بالصين استثناءً، متمثلا بالعمل المذهل لشركة LabChina في جامعة UFRJ (الجامعة الفيدرالية في ريو دي جانيرو).

إذا نظرنا إلى أبعد من ذلك، في المدارس، فالمعلمون ليسوا على استعداد للإطلاع على التّاريخ الآسيوي وإدراجه في الكتب المدرسية. وبشكلٍ عام، لا يزال المنظور التاريخي الأوروبي/المركزاني سائدًا، بحيث تظهر آسيا في المحتوى التعليمي فقط  كعنصر، كمجالٍ للتّوسّع الإمبريالي في القرن التّاسع عشر.

أما في ميدان النشر فالوضع ليس أفضل من ذلك. إن  عدد المؤلفين الآسيويين المساهمين في الثقافة البرازيلية ضئيل جدًا. يتولى الكتابة عمّا يتعلق بالدولة الآسيوية، مؤلفان من كوريا الجنوبية يكتبان من وجهة نظر غربية.

 كما أنّ الأكاديميين الآسيويين، لا يترجمون مؤلفاتهم  إلى اللغة البرتغالية كما يفعل الأميركيون.

باختصار، يهيمن علينا الاستعمار الثقافي القائم على “المركزانية الأوروبية ” الذي يشترط على معرفتنا، الجهل، ليس فقط بأفريقيا وآسيا، ولكن أيضًا بأرضنا أمريكا اللاتينية.

على الرغم من ذلك، فإنّ جميع الناشطين اليساريين تقريباً في البرازيل لديهم رأي سلبي عن كوريا الشعبية.

لكن من يشكل هذا الرأي؟

إنّها وسائل الإعلام التي تحتكر الأخبار. من الضروري التفكير بعمق  في كيفية صناعة الخبر. بشكل عام، نحن نعرف عن احتكارات وسائل الإعلام المركزيّة التي لديها عملاء في مختلف المؤسسات الرأسمالية وأحزابها وسياسييها. ولكن ماذا عن الأخبار الدّولية؟ كيف يتم إنتاجها؟ يستشهد دومينيكو لوسوردو، في كتابه “الديمقراطية أو البونابارتية”، ببيانات من أواخر التسعينيات مثيرة جدًا للإهتمام:

” تحتكر سوق المعلومات فعليًا أربع وكالات هي: أسوشيتيد برس و يونايتد برس (الولايات المتحدة)، رويترز (بريطانيا العظمى) وفرانس برس (فرنسا). كل الإذاعات والتلفزيونات وجميع الصحف العالمية  تشتريِ خدمات هذه الوكالات. مصدر 65٪ من “المعلومات” العالمية هي الولايات المتحدة.”.

في الآونة الأخير، كنت أبحث عن بيانات حديثة عن وكالات الأنباء المعروفة  وهو موضوع نادراً ما يتم ذكره، ولكنه ذو أهمية جوهرية لفهم النزاع حول الهيمنة في العالم.

اليوم، هناك ثلاثة وكالات أنباء فقط تسيطر على سوق “المعلومات” العالمي: أسوشيتيد برس (الولايات المتحدة) ، وكالة فرانس برس (فرنسا)، رويترز (إنجلترا ، ولكن مكتبها الرّئيسي في نيويورك).

تتمتع هذه الوكالات الثلاث بالسيطرة التّامة  على المعلومات.

توضح دراسة حول التغطية التي قامت بها هذه الوكالات حول الحرب في سوريا من قبل تسعة من الصّحف الأوروبية الكبرى بوضوح هذه السيطرة: 78 ٪ من جميع المنشورات تستند، كليًا أو جزئيًا، إلى المعلومات الواردة من إحدى هذه الوكالات و0 ٪ من المنشورات ناتج عن البحث والتقصّي”. باختصار، في باريس ولندن ونيويورك يتمّ تصنيع المعلومات الدولية وتوزيعها على العالم.

توضح الدّراسة، قوّة حضور وكالات الأنباء في كل مكان في الصّحف والتلفزيونات والإذاعات وبوابات الإنترنت، وما إلى ذلك. بشكل عام، لا تستشهد هذه الوسائط بمصادرها، لكن المصدر الوحيد لأخبارها هي الوكالات العالمية المحتكرة التي إن لم تشر إلى حدثٍ ما، فلن يعمّم.

ولكن ماذا عن المراسلين الدوليين؟

بشكل عام، هم قلّة أو غير موجودين  وعندما يعملون، فإنّهم غير قادرين على توفير معلومات  بحجم ما توفّره  هذه الوكالات. كما أنّه من الصّعب العثور على مراسلين دوليين يتقنون اللغة المحلية لبلاد ما أو ليس لديهم خلفية فكرية تتحكّم بهم لذلك تختصر،  مهمتهم بشكل عام في كونهم  يربطون بين وكالة الصحافة والشركة التي يعملون بها، أمّا الظهور مباشرة من موقع الحدث فهو لإعطاء مصداقية للمعلومات التي يبثونها ليس إلا. المناخ السياسي لا يسمح بالكثير من الأسئلة حول الرّواية الرسمية للحقائق. قد يعتقد بعض الناس أن هذا يتعلق فقط بالمصالح الخاصة والتجارية والمالية لكن في الواقع، هذا ليس كل شيء.

من بين اللاعبين الأكثر نشاطًا في “مزرعة” الأخبار الجيوسياسية المشكوك فيها وزارات الجيش والدفاع. في العام 2009، على سبيل المثال، قال رئيس وكالة الأنباء الأمريكية، توم كورلي، إنّ البنتاغون يستخدم أكثر من 27000 متخصّص في العلاقات العامة يعملون في وسائل الإعلام بهدف التلاعب، بميزانية سنوية تبلغ حوالي 5 مليارات دولار ، لكن جنرالات أميركيين كبار هددوا “بتدمير” وكالة الانباء وبتصفية توم كورلي إذا عمدت الوكالة الى انتقاد الجيش الأمريكي. بسبب تهديدات مماثلة لتلك التهديدات العسكرية، فإنّ وسائل إعلامنا تنشر بشكل روتيني معلومات مشبوهة تستند إلى “مخبرين” مجهولي الهوية لـ دوائر الدفاع الأمريكية.

من الواضح أن أجهزة الاستخبارات تحافظ أيضًا على عدد كبير من عملائها في وسائل الإعلام لدينا، والتي من خلالهم قد تلجأ إلى  “إفشاء” المعلومات إذا لزم الأمر. ولكن من دون الدور المركزي لوكالات الأنباء العالمية، فإن دعاية الهيمنة والتضليل لن تكون فعالة .

تصل القصص والمعلومات المشبوهة من متخصصي العلاقات العامة – الذين يعملون في الحكومات والقوات المسلحة والمخابرات – إلى عامة الجمهور تقريبًا دون التّحقق أو التدقيق. وبعبارة أخرى، يستشهد الصحفيون بوكالات الأخبار ووكالات الأنباء لتعزبز مصادرهم ؛ على الرغم من أنّ الصحفيين يحاولون في كثير من الأحيان تسليط الضوء على عدم اليقين من خلال استعمال مصطلحات مثل “يبدو”، “فرضًا” ولحماية مصداقيتهم، فقد انتشرت الشائعات الآن في جميع أنحاء العالم وفعلت فعلها من حيث التأثير على تشكيل الرأي العام.”

المعلومات تشكل قوة سياسية وجيوسياسية، تعتبرها الإمبريالية العالمية مؤشر على قوة الدولة.

مع نجاح التفسيرات الإصلاحية لأعمال أنطونيو غرامشي، تم التعامل مع الصراع من أجل الهيمنة (أي النضال من أجل القيادة الأخلاقية والفكرية للمجتمع) كأمر من شأنه  ضمان الديمقراطية: نوع من التنافس على قدم المساواة بين الطبقات المستغلة والبرجوازية للمنافسة على الهيمنة.

إذا جمعنا ميزانية جميع الوسائل الاعلامية البرازيلية المؤثرة في الطبقات الشعبية البرازيلية التي تستمد معلوماتها من الصحافة لن نحصل على مبلغ يصل إلى خمسة مليارات دولار التي أنفقها البنتاغون لنشر الأخبار “المناسبة”. على الرغم من ذلك، هناك منطق غريب في التشدد اليساري البرازيلي: إنهم يكررون أن “وسائل الإعلام تكذب”، لكنهم يؤمنون إيمانًا راسخًا بـ” الأخبار الدولية ” التي تنشر أخبارًا ملفقة على غرار: الأسد  يستخدم الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين، وفنزويلا تعتقل الأطفال، وكوريا تعذب المعارضين، والقذافي يقصف المدنيين بالمقاتلات الجوية، إلخ.

في حالة كوريا الشعبية، يظهر قبح التلفيق الإعلامي بمظهره الأكثر وحشية. ربما تكون كوريا الشمالية من أكثر البلدان التي يجري تداول  أخبارها بشكل كاريكاتوري في العالم. على مدار الساعة، تبدي المنصات الإعلامية اهتمامًا كبيرًا ببعض الأخبار الخيالية عن كوريا الشعبية: “الديكتاتور” كيم جونغ أون أجبر  جميع سكان البلاد على اعتماد تسريحة شعره، اكتشف علماء الآثار الكوريون الشماليون وجود حيدات (أحصنة وحيدة القرن)، يعتقد المواطنون أن كوريا فازت بكأس العالم 2014؛ كيم جونغ أون  قتل عمه بقاذفة صواريخ لأنه كان نائمًا في الاجتماع ؛ قتل كيم صديقته لأنها تحدثت كثيرًا وما إلى ذلك.. بعد أيام قليلة، يبدو أن القتلى المزعومين ما زالوا على قيد الحياة ، ولا تشر إلى ذلك وسائل الإعلام أو تعتذر عن أخبارها الكاذبة، التي كثيراً ما يتم نشرها من قبل جهاز المخابرات الكوري الجنوبي.

تشكل معاداة الشيوعية مسارًا واحدًا مع الاستشراق والعنصرية (فقط العنصرية الاستعمارية تجعل المرء يصدق أنّ قائد دولة يقتل عمه بواسطة قاذفة صواريخ لأنه نام في اجتماع أو أنّ في كوريا يوجد أكلو لحوم البشر) لجعل كوريا الشمالية واحدة من أكثر البلدان تعرضًا للهجوم في العالم ومنبوذة، ولا يجرؤ أحد تقريبًا في المجال الفكري البرازيلي للدفاع عنها. قال مالكولم إكس ذات مرة: “إذا لم تكن حذراً، فإن الصحف ستجعلك تكره المضطَهَدين وتحب الظالم”.

في هذه الحالة، تمكنت وسائل الإعلام عمومًا، بما في ذلك الصحف، من تحقيق ذلك بالفعل، باستثناء التّأثير على بعض المشكّكين.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.