فكّ التّبعيّة وإنهاء الاستعمار (الجزء الثاني والأخير)، بقلم: جونز مانويل، نقلته عن البرتغالية لينا الحسيني

ما تجهله عن كوريا الشعبية، ويجب أن تعرفه

كتب المفكر الكندي ميشيل تشودودوفسكي مقالاً حول الإنجازات الاجتماعية في كوريا الشعبية، مستخدمًا البيانات الرّسمية فقط من المصادر الغربية، يبدأ الباحث بإظهار تقرير منظمة العفو الدولية الذي يشير إلى وجود أزمة صحية في كوريا الشعبية ونقص منتظم في الأطباء والممرضات، وهو أمر عارٍ عن الصحة جملة وتفصيلا:

“أكدت منظمة الصحة العالمية(WHO) إنّ تقرير منظمة العفو الدولية حول النظام الصحي في كوريا الشمالية ليس علميًا وقديم. وقالت منظمة العفو إن كوريا الشمالية تفشل في تلبية الاحتياجات الصحية الأساسية لشعبها. يستند تقرير منظمة العفو الدولية إلى مقابلات مع 40  شخصٍ من الهاربين من كوريا الشمالية والمهنيين الصحيين الأجانب. في أبريل، زارت مديرة منظمة الصحة العالمية كوريا الشمالية وقالت إن نظام الرعاية الصّحية فيها هو موضع حسد العالم النّامي.”

يستشهد تشودودوفسكي ببيانات من قسم الأبحاث الفيدرالي بمكتبة الكونغرس الأمريكية والتي تؤكد  أنّ “لدى كوريا الشمالية خدمة طبية وطنية ونظام تأمين صحي. بحلول العام 2000، كان حوالي 99٪ من السكان يحصلون على خدمات الصرف الصّحي و 100٪ لديهم مياه ، لكن المياه لم تكن صالحة للشرب دائمًا. العلاج الطبي  كان مجانيًا ( طبيب واحد لكل 700 شخص وسرير واحد في المستشفى لكل 350 نسمة)”.

حاليًا يُعدّ الوضع في جمهورية كوريا الشعبية أفضل ممّا هوعليه في البرازيل وفي معظم البلدان الآسيوية . نسبة الأطباء والأسرة حسب عدد السكان هي أيضا أفضل من بلدان كثيرة. “في العام 2006 ، قدّر متوسط ​​العمر المتوقع بحوالي 74.5 سنة للنساء و 68.9 للرجال، أو ما يقرب من 71.6 سنة في المجموع” (هذه الأرقام لا تعطي انطباعًا عن بلد خالٍ من الطعام لدرجة أنه من المفترض أن يكون فيه آكلو لحوم بشرية، ويجب أن نتذكر أنّ الأشخاص الذين ليس لديهم طعام لا يبلغ متوسط أعمارهم  ​​ 71 عامًا.).

 وفي الختام، يتحدث ميشيل تشودودوفسكي عن التعليم في كوريا الشعبية:
وفقًا للأونيسكو، فإنّ التعليم العام في جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية عالمي ويمّول بالكامل من قبل الدولة. وفقًا لمصادر رسمية من الحكومة الأمريكية (قسم الأبحاث الفيدرالية، مكتبة الكونجرس)، “التعليم في كوريا الشمالية كان مجانيًا وإلزاميًا وعالميًا من سن الرابعة حتى 15 عامًا في المدارس الحكومية. معدل إتقان القراءة والكتابة للفئة العمرية من 15 وما فوق تبلغ 99%.” (مكتبة الكونغرس، مكتب التحقيقات الفيدرالي، ص 7).

في العام 2013 ، أُجريت مقابلة مع بيار لويجي سيسيوني، المنسق المسؤول عن موقع Mansudae Art Studio  في بيونغ يانغ، عاصمة كوريا الشمالية على الأرجح واحد من أكبر استوديوهات الإنتاج في العالم. تناولت المقابلة مسألة الواقعية الاشتراكية في كوريا الشعبية ودور هذا الموقع الفني الذي يضم أربعة آلاف موظف وأكثر من ألف فنان في ذلك.

 بدأ سيسيوني بالإجابة على أسئلة الصّحفية نادية صايغ، بشرح النّمو الثقافي في كوريا:

“أفضل الفنانين في البلاد هم في Mansudae. عمليًا كل منهم حاصل على شهادة جامعية في مجال الفنون الجميلة. عندما يبدع الطالب في الجامعة، تتم دعوته للانضمام إلينا. وإذا تفوّق فنان في مكان آخر، فقد تتم دعوته إلى الاستوديو. إنّه لشرف عظيم أن أكون جزءًا من Mansudae “.

وحول سؤالٍ عن الوضع التعليمي في البلاد إجمالاً يوضح المنسّق الإيطالي، أنّه ليس خبيرًا في هذا الموضوع، ويصف ما يعرفه عن النظام التعليمي في البلاد، بالقول: إنّ الأطفال والمراهقين يذهبون إلى المدرسة في الصباح وفي فترة ما بعد الظهر يمكنهم ممارسة الموسيقى والرقص والمسرح طوعًا والرياضة الخ.

إنه يجيب على أسئلة حول تجربة زيارة الكوريين إلى أوروبا ويختتم برؤية شاملة حول الواقعية الاشتراكية في كوريا الشعبية:

“لا أقول إنّ الفن الكوري الشمالي كلّه يمثّل رسالة سياسية.”

الواقعية الإشتراكية تمثل كوريا الشمالية  بشكل إيجابي، وبمعنى أوسع، نريد بث المشاعر الإيجابية الوطنية في المشاهدين. وترتبط المنحوتات واللوحات الكبيرة المعروضة في الأماكن العامة مواضيع تتعلق بالعمل وظروفه، وهو موضوع غير منتشر في الغرب. الملصقات يتمّ رسمها يدويًا وليست مطبوعة، وهي شكل من أشكال الواقعية الاشتراكية تحمل رسائل سياسية واجتماعية. غالبيتها تستهدف الولايات المتحدة، باعتبارها دولة معادية في الماضي والحاضر ومعتدية محتملة. بالإضافة إلى الواقعية الاشتراكية، تحظى لوحات المناظر الطبيعية بشعبية كبيرة، مثل صور الورود والطبيعة بشكل عام، هناك أيضًا الكثير من الصور التي تصوّر وجوه العمال. هناك فنون متنوعة: النحت والخزف والتطريز وأنواع  أخرى من التّصوير اللوني، والنقش على الخشب والخط العربي وبعض الأنواع الأخرى والتي لا يمكن إحصاؤها.”

سافر الأستاذ المتخصص في سياسة التجارة الخارجية باولو فيراسيولي، الخبير في مجال البحوث في كوريا الجنوبية، سافر إلى كوريا الشمالية. في رحلته، يقول وهو ليس من المعجبين بعقيدة الجوتشيه (وهي العقيدة التي بني على أساسها النظام السياسي الكوري الشمالي)، إنّ المدن نظيفة ومنظمة بشكلٍ جيّد. في حديثه عن بيونغ يانغ، يقول “فيراسيولي”: يمكنك رؤية الأشخاص في الحدائق والساحات العامة وهم يتحدثون ويضحكون ويلعبون مع أطفالهم في فترة ما بعد الظهر.

قد يظن القارئ أنني أتحدث عن الإنجازات الاجتماعية لكي أخفي البعد السياسي للبلد. توصف كوريا عمومًا بأنها ملكية، وهي دولة تهيمن عليها العائلة المالكة، وهو شكل من أشكال الستالينية في معناها الأشمل، وهو نوع من الأنظمة التي تلجأ إليها الدول كعلاج تجريبي للانتقال إلى الاشتراكيّة. يوصف هذا النظام بأنه ملكي خال من الديمقراطية والحرية، وهو وصف يدلّ على سطحية بالغة.

البروفيسور باولو فيسينتيني، أحد مؤلفي كتاب حديث عن كوريا الشعبية (الثورة الكورية: اشتراكية جوتشيه المجهولة) وهو كتاب  تجاهله  اليساريون (على سبيل المثال، لا أعرف أي مفكر يساري كتب عنه أو فحصه أو حاول دحض تحليل فيسنتيني)، يوضح الكتاب فكرة أن كوريا ملكية:

“من المهم التأكيد على أنّ النظام السياسي لكوريا الشمالية جمهوري ومعقد للغاية، مع حدود لسلطة الزعيم ودرجة معينة من القيادة الجماعية والمشاركة الشعبية.” من ناحية أخرى، فإنّ حالة التوتر العسكري الخارجي تعزّز العناصر التيتؤدي إلى اختصار الأمة بشخص، تعتبر قيادته للبلاد ضرورية لاستمراريتها وأيضًا لتجنب أزمات الخلاف التي من المؤكد أنها ستكون قاتلة في حالة جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية. هناك تقديس للوحدة الوطنية كقوة في حد ذاتها.

يفخر الشعب الكوري الشمالي وقادته بإنجازاتهم ولا يستسلمون للصين. تمثل أيديولوجية زوتشيه ذات الاكتفاء الذاتي، سياسة الحفاظ على الموارد الذاتية مع إمكانية التعاون الوثيق مع العشرات من الدّول النّامية”

“فهم فلسفة كوريا الشمالية يعتمد على معرفة أصول الثورة (المرتبطة بالمقاتلين المناهضين لليابان)، وقبل كل شيء، التأثير الرهيب للحرب على البلاد.”

كان الصراع من أجل التحرير الوطني مشروطًا بالتعبئة المكثفة لمختلف الفئات الاجتماعية ومن خلال تبني الحكام فكرة أن الوحدة يجب أن تبنى من خلال الوعي الوطني. وفي هذا السياق، كشف كيم إيل سونغ العناصر المكونة لخطه الثوري الذي يرتكز على عقيدة (Zuche  Juche) التي سيتم تطويرها وتعميقها لتكون بمثابة أساس لإعادة تنظيم البلاد بعد الحرب ورؤية قومية، كانت بمثابة نظرية وطريقة للنظام الموّحد.

 الحرب الكورية كانت حرب إبادة، مع استخدام النابالم والقصف الهائل لتدمير جميع المدن والبنية التحتية للبلاد. كما رأينا سابقًا ، كان هناك تهديد نووي صريح ما دعا إلى إنشاء ممر مشع على بعد 60 كلم من الحدود الصينية. ونتيجة لذلك، طوّرت البلاد عقلية القبو ومئات الكيلومترات من الأنفاق ، بالإضافة إلى 15000 من الملاجئ العميقة التي شيدت، وتضم متاجر البقالة والأسلحة والمستشفيات والمصانع وحظائر الطائرات والملاجئ. بالنسبة للسكان. كان الخوف من هجوم نووي طاغيًا في ذلك الوقت، لأسباب ليس أقلها أنّ الولايات المتحدة قامت بنصب أسلحة ذرية في كوريا الجنوبية واليابان.

يطوّر فيسنتيني أيضًا حجّة ممتازة حول التأثيرات السابقة للثورة في هيكل السلطة الحالي لكوريا الشمالية والمزيج الفريد لعناصر الثقافة الآسيوية والكونفوشيوسية الجديدة والماركسية. لا يمكننا مناقشة تعقيد الموضوع في هذه المقالة، لكننا سنؤكد أن أي شخص لا يعرف شيئًا عن التاريخ الكوري وتقاليد الدولة، والكونفوشيوسية من المرجّح أن يقع في الإغراء السهل فيساوي بين دينامية كوريا الشعبية ودينامية كوريا الجنوبية.

في قلعة محاصرة، كلّ خلاف هو خيانة

هذه الجملة لفيديل كاسترو، الثوري ورجل الدولة الكوبي الذي استطاع  فهم المشكلة الكبرى المتمثلة في الانتقال نحو الاشتراكية في القرن العشرين، حتى في وقت متأخر، حتى نهاية حياته. على عكس مفهوم معين للهيمنة، تحكمه بشكل مباشر احتكارات وسائل الإعلام والأيديولوجية المهيمنة ، فإن مشكلة الاشتراكية الكبرى في القرن الماضي لم تكن الافتقار إلى الديمقراطية أو الحرية ، بل تحدي بناء الديمقراطية العمالية، متفوقة على شكل ومضمون الديمقراطية البرجوازية، التي تجعلها في حالة حرب دائمة للتغلب على التخلف والتبعيّة.

في كثير من الأحيان، عندما ندرس تاريخنا، فإنّنا نفشل في استثمار العبر التي تظهرها البيانات التاريخية:

 جميع التجارب الاشتراكية حتى الآن عانت من غزو عسكري إمبريالي أو واجهت حربًا أهلية قاسية قبل الاستيلاء على السلطة والثورة.

في غالبية الحالات، تمتّ هزيمة هذا الغزو العسكري ، ولكن ليس من دون تكلفة بشرية ومالية كبيرة. كل تجربة للانتقال الاشتراكي، في الماضي والحاضر، كانت أو يجب أن تنفق مبالغ هائلة من الثروة المادية للدفاع عن سيادتها الوطنية. وكما قال فيدل عن حق ، “في قلعة محاصرة، كل معارضة هي خيانة”. لا تشترط حالة الحرب تعزيز الديمقراطية  بأي شكل من أشكال الديمقراطية، بما في ذلك الديمقراطية البرجوازية. وعندما نتحدث عن حالة الحرب، فإن القضية ليست مجرد مواجهة عسكرية مباشرة. مرة أخرى ، هناك مسوّدة عالمية ولكن لم تُدرس كفاية: لقد عانت وتعاني التجربة الاشتراكية السابقة والحاضرة بأكملها من الحصار الاقتصادي الامبريالي الخانق (أدعو القارئ إلى التفكير: كم من المقالات أو الكتب كتبت عن الحصار الاقتصادي وآثاره؟).

في الآونة الأخيرة ، أطلق المركز الاقتصادي والسياسي دراسة بقيادة الصحافي التقدمي والخبير الاقتصادي الليبرالي مارك ويزبروت  وجيفري ساكس، اللذان قاما بتحليل آثار العقوبات الاقتصادية الأمريكية المفروضة على فنزويلا منذ العام 2017 وحتى الوقت الحالي وخرجوا باستنتاج مقلق: “تسببت العقوبات في مقتل عشرات الآلاف من الفنزويليين في عامي2017- 2018، ما يقدّر بحوالي 40،000  شخص”. لم يكن لهذه الدراسة أي تأثير أو صدىً في وسائل الإعلام أو بين المثقفين اليساريين  بمن فيهم معارضي سلطة  مادورو.
كوريا الشعبية بالفعل هي الأكثر أمانًا في العالم. كان وضع البلد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي كارثيًا، حيث انخفض مستوى المعيشة بمعدل مخيف. لكنها استطاعت في العام 2000،  التّغلب على الأزمة الاقتصادية وآثارها الحادة،ولم تتمكن من تحقيق التنمية الاقتصادية والرفاهية لسكانها. الإمبريالية لم تسمح بذلك؛ في 9 مايو، تمّ توقيف سفينة الشحن “Wise Honest” التي تحمل الفحم والآلات إلى جمهورية كوريا الشعبية بأمر من وزارة الخارجية الأمريكية، متهمة إياها بانتهاك العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة.

أطلقت مدونة  Pyongyang  في هافانا دراسة معمقة لجميع العقوبات الاقتصادية والغرامات التي عانت منها جمهورية كوريا الشعبية. يوضح هذا النص تأثير الحصار المفروض على الجمهورية الشعبية – وهي دراسة لا يزال يتجاهلها معظم الناشطين البرازيليين. نشرتها صحيفة نيويورك تايمز في العام 2017  تحت عنوان: “الجوع في كوريا الشمالية مدمر، وهذا خطأنا”.

 ذكرت الصحيفة الأمريكية أنّ  الصّعوبات الغذائية التي تعاني منها البلاد سببها الأساسي التخريب الاقتصادي للإمبريالية الغربية. مقتطف من المقال الذي كتبه الصحفي كي بي بارك، Kee B. Park  :

“بقيادة الولايات المتحدة، يقوم المجتمع الدولي بخنق اقتصاد كوريا الشمالية. في أغسطس وسبتمبر 2017، أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قرارات تحظّر تصدير الفحم والحديد والرّصاص والمأكولات البحرية والمنسوجات والحد من واردات النفط الخام والمنتجات البترولية المكّررة. وفرضت كل من الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية عقوبات على بيونغ يانغ لعزل البلاد أكثر”.

المبرر الرّسمي لهذا الحصار الاقتصادي، هو منع كوريا الشعبية من تطوير برنامجها النووي بحجة أنّها تشكل تهديداً للأمن العالمي.

إنّ دولة صغيرة ليس لها تاريخ في الانقلابات العسكرية أو الغزوات أو التخريب ضد جيرانها، تتعرّض للهجوم من قبل “المجتمع الدولي” بقيادة الولايات المتحدة الدولة التي لها أكثر من 800 قاعدة عسكرية منتشرة في جميع أنحاء العالم، وأكثر من 50 انقلاب تم التخطيط له وتنفيذه بمشاركتها المباشرة وغير المباشرة إضافة إلى سلسلة من الغزوات الاستعمارية الجديدة (العراق، أفغانستان، بنما، فيتنام، غواتيمالا، إلخ، إلخ، إلخ) فضلاً عن إجراءات وكالة المخابرات المركزية حول العالم التي تسعى إلى تغيير أنظمة الدول التي تسعى إلى فك التّبعيّة والمحافظة على السيادة الوطنية.

الحقيقة هي أنّ الحرب تشكل خطرًا حقيقيًا على الشعب الكوري.

في الحرب الممتدة بين الأعوام 1950- 1953، قُتل حوالي 30% من سكان كوريا ودُمّرت البلاد بالكامل بفعل حرب التحرير ضد الاستعمار الياباني. كان مستوى الوحشية من جانب الولايات المتحدة كبيراً لدرجة أنه وحتى بعد وقف إطلاق النّار المؤقت في العام 1953، من الناحية القانونية، لم تنته الحرب الكورية مطلقًا: فبالإضافة إلى تقسيم الأمة الكورية إلى قسمين، فإنّ ضغط الولايات المتحدة العسكري ضدها لم يتوقف مطلقًا.

حتى يومنا هذا، تحاط كوريا الشعبية بأكثر من 20.000  جندي أمريكي وترسانة ذرية. كوريا الشعبية ليست على الحدود الأمريكية لكي تسعى إلى “تغيير النظام” على العكس. لقد تعلم القادة الكوريون في وقت مبكر أن الإمبريالية لا تفهم سوى لغة القوة. انظر فقط إلى ليبيا، التي انتقلت من بلد يملك أفضل معدّل في مؤشر التنمية البشرية، وبنية تحتية في إفريقيا إلى بحر من الوحل والدّم  تهيمن عليه الجماعات المسلحة الأصولية ، وصولاً الى الاعتماد على الاتجار بالبشر المضطهدين.

 خلاصة:

في مواجهة كل ما ذكرته، فإنّني أخلص إلى استنتاجٍ لا لبس فيه: أنا أؤيد كوريا الشعبية وأدافع عنها.

لا ينبغي الخلط بين هذا الدّعم والدفاع وبين العبادة العمياء غير المنتقدة للبلاد.  لو كان المؤرخ الذي يدرس، ضمن إمكانيات ضيقة ومحدودة، التاريخ الآسيوي، يعرف القليل عن تقاليد البلاد والكونفوشيوسية، فإنّ الشكل السّياسي للدولة الكورية غير مقبول. ليس لدي أي تعاطف مع المسيرات المسلحة وعبادة الأسلحة في كوريا الشّمالية. لكنني لست مثاليًا؛ العالم ليس كما نريد.

في العالم، هناك تجارب ثورية، لم تكن قادرة على التّطور بحرية. لقد هوجمت، وتعرضت للافتراء، والاضطهاد، والحصار الاقتصادي. كل هذه المعوّقات الإمبريالية ولّدت تشوهات ومستوى معين من البيروقراطية لا يرضي أي شخص يدافع عن الديمقراطية العماليّة. لكن أولوية الشعب في كوريا تكمن في الدفاع عن البلاد من الامبريالية، وحماية البلاد وحق تقرير المصير، بعيدًا عن استخدام الأسلحة النووية وإعادة التّوحيد السّلمي في شبه الجزيرة.

لدينا خبرة مماثلة في البرازيل: الأفكار الاشتراكية وشعب معاد للإمبريالية. إنّها تجربتنا، في مجالنا، بكل أخطائها ودقتها، وأمجادها ورسومها الكاريكاتورية.  وأنا أتبناها دون إحراج أو تحفظات خجولة  ليبرالية أو معادية للشيوعية أو استشراقية.

لا يخيفني نعتي بالمذهبي أوالعقائدي أو الستاليني المتعصّب.. أو أي نعتٍ من هذا القبيل إذا عبّرت عن دعمي لمن  يريدون أن يكونوا أحرارًا .

خوفي الأكبر، هو أن يصبح مصير الكوريين الشماليين شبيهًا بمصير الليبيين أو الفلسطينيين. لكن هذا، بالتأكيد، لن يحدث. الثّورة الكورية ثابتة ومستمرّة، على الرّغم من تهديدات الإمبريالية المستمرّة التي تبدو كنمر ذي أسنان ورقية!

 تاريخ النّشر 04/06/2019

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.