الإستغلال السياسي للرياضة – نموذج أمريكا الوسطى: خمسون سنة على “حرب كرة القدم” 27/06/1969 – 2019 ، الطاهر المعز

تقديم:

سبق لي أن كتبْتُ عددًا من المقالات عن الرياضة، كقطاع اقتصادي يستغله الرأسماليون، وكأفيون للشعوب، بالإضافة إلى دراسة مُطولة، قبل سنوات، بعنوان “الرياضة بين الإستثمار المالي والإستغلال السياسي”، وما أثار اهتمامي (إضافة إلى ممارستي الرياضة لعدة سنوات) هو عدد الجماهير التي تتابع الرياضة بشكل يومي، ولا يُمارس معظم هؤلاء الرياضة، وكيف استطاع رأس المال استغلال هذا النشاط “السّلْمي” وهذه الجماهيرية، وخصوصًا كرة القدم، لجَنْيِ أرباحٍ ضخْمة، ويتجاوز عدد مُشجّعُي وعُشّاق “النادي الأهلي” في مصر، أو “وداد الدار البيضاء” في المغرب، أو “الترجي الرياضي التونسي”، عشرات الآلاف، مما يجعل من هذه النوادي الرياضية، أكْثر جماهيرية من أي حزب من الأحزاب الحاكمة أو المعارضة، في هذه البلدان…

في المُقابل، يستخدم الإعلام الرياضي مصطلحات حَرْبِيّة عديدة، من قَبِيل: الهجوم والدفاع والتصدّي والمُواجهة والقذْف والرّمْي، وغيرها من المصطلحات والمفاهيم العسكرية، وهي نقيض لما قيل عن “الروح الرياضة”، و”المنافسة الشريفة”، وتهنئة المُنْتَصِر لأنه “منافس” وليس “خصم” أو “عدو”، واستطاع هذا الإعلام الرياضي تحويل وجهة “الرأي العام” عن المشاكل الحقيقية، وخلق “عَدُوّ” وهمي، مثلما الحملة الشوفينية، بين مصر والجزائر، أو تحويل نتيجة مباراة رياضية إلى عمليات تخريب ونهب، قام بها جمهور “الترجي الرياضي التونسي” (المحسوب على نظام بورقيبة) الذي خسر المباراة أمام “النادي الصفاقسي”، المدعوم من قِبَل بورجوازية وجماهير ثاني أكبر مدينة في تونس…

يندرج هذا المقال في إطار استغلال الطبقات الحاكمة والأنظمة، شعبيةَ رياضة كرة القدم، لارتكاب مجازر وشن حُرُوب لا علاقة لها بكرة القدم، يذهب ضحيتها الفُقراء من بلد أو عدة بلدان، خِدْمَةً (بغير وعْي) لمصالح الأعداء الطّبَقِيِّين والقَوْمِيِّين، أما المناسبة فهي الذكرى الخمسون لما سُمّيت “حرب كرة القدم”، بين الجارَيْن “هندوراس” و “سلفادور”، سنة 1969، ونحاول كشف خلفياتها وأسبابها الحقيقية…      

الوقائع:

جرت وقائع نهائيات بطولة العالم لكرة القدم (أو كأس العالم) في المكسيك بين 31 أيار/مايو و30 حزيران/يونيو 1970، وقبل حوالي السنة، خلال تصفيات المجموعات، بحسب القَارّات، جرت مباريات الذّهاب والإياب، بين مُنْتَخَبَيْ الدوّلتَيْن الجارَتَيْن “هندوراس” و “سلفادور”، بين 08 و 26 حزيران/يونيو 1969، وقبل المُباراة الأولى، في عاصمة “هندوراس” (تيغوشيغالبا)، تعرّض الفندق الذي كان يقيم به أعضاء الفريق الضّيْف (سلفادور) إلى مضايقات عديدة، من الجمهور الذي تجمّع في بهو الفندق، مع الهتاف بشعارات معادية للضيوف، ورشق النوافذ بالحجارة (لأسباب سوف نذُرُها لاحقًا)، مما منع اللاعبين من الراحة ومن النوم، وانتهت المباراة بفوز المَحلِّيِّين (هندوراس) على الضيوف بهدف واحد، لتتحول مباراة كرة القدم إلى مسألة تتجاوز الرياضة، وأثارت ردود فعل “وطنية” غاضبة في “سلفادور”، ورد الجمهور الفعل، ضد منتخب “هندوراس”، قبل مباراة الإياب، بالهتاف ورَمي الحجارة والبيْض الفاسد على نوافذ غُرَف الفريق الضّيْف، ومن الغد، وفي الملعب، لم يحترم الجُمهور المحلي (جمهور سلفادور) النشيد الرسمي للدولة المنافسة، وفاز الفريق المحلي بثلاثة أهداف “نظيفة”، ولتعيين الفائز في المجموعة، وجب إجراء مباراة فاصلة، على أرض مُحايدة، في المكسيك يوم 26 حزيران/يونيو 1969، لكن، وقبل تاريخ المباراة، أعلنت حكومة “سلفادور” قطع علاقاتها الدبلوماسية مع “هندوراس”، بسبب عدم حماية اللاعبين، وعدم مَنْع أعمال العُنف والقتل، ضد العُمال المهاجرين السلفادوريين الفُقراء، في هندوراس، وهنا يكمن جوهر القضية، التي سنحاول إبرازَ نقاطها الرّئيسية في فقرة لاحقة…

انتهت المباراة الفاصلة بين البلدين بفوز منتخب “سفلدور” على منافسِه “هندوراس”، بثلاثة أهداف مقابل هدفين، لِيُمثّل مجموعته في المكسيك، وانتهى الجانب الرياضي بفشل فريق “سلفادور”، ومغادرة بطولة العالم، من الدّور الأول…

من الملاعب وميدان الرياضة، إلى الثّكنات، وميدان الحرب:

تَلاَ إعلان “سلفادور” قطعها العلاقات الدبلوماسية مع “هندوراس”، بعض المناوشات الحدود بين البلَدَيْن الجَارَيْن، على ان قصفت الطائرات الحربية لجيش “سلفادور” المطارات العسكرية لجيش “هندوراس”، تلاها غزو لبعض أراضي البلد المُجاور، ثم تطورت الحرب إلى قصف متبادل، تضرّرت على إثره منشآت النفط الرئيسة في “سلفادور”، مما عَسّرَ عملية نقل الإمدادات إلى الجبهة، وتدخّلت “منظمة الدّول الامريكية” لوضع حد للحرب، بعد الدّمار والخراب، وقتْل ستة آلاف ضحية، وجرح حوالي 15 ألف، وتشريد الآلاف ممن دَمّرت الحرب منازلهم، من الجانبَيْن، خلال أربعة أيام…

الخلفيات، أو الأسباب الحقيقية:

كانت هندوراس في مطلع القرن العشرين، مُزدهرة اقتصاديّا، فهاجر نحوها عدد هام من مواطني سلفادور الحدودية، الأقل ازدهارًا، واستقروا في الأراضي الشاسعة التي زرعوها لعقود طويلة، ولكن حكومة “هندوراس”، شنّت عليهم حملة، خلال عقد ستينيات القرن العشرين، وحرّضت مواطنيها على الإعتداء عليهم، بذريعة “إنهم سرقوا أراضي السكّان المَحلِّيِّين (الهندوراسيين)، وكان البلدان يخضعان لحكم عسكري، مدعوم من الإمبريالية الأمريكية، وكلاهما عضو في “مجلس دفاع أمريكا الوسطى” الذي أنْشَأتْهُ الولايات المتحدة، “لمقاومة الشيوعية”، في هذه المنطقة، غير البعيدة من “كوبا”، وحيث انطلقت حركات “يسارية”، تحارب الدكتاتوريات، وتطالب بالعدالة الإجتماعية، كما كان البلدان عُضْوَان في السوق المُشتركة لأمريكا الوسطى، وهي منطقة تبادل تجاري، تحت إشراف الولايات المتحدة التي أشرفت مخابراتها (سي آي إيه ) على الإنقلاب في “غواتيمالا، المجاورة، لتعطيل قانون الإصلاح الزراعي، الذي يَضُرُّ بمصالح الشركة الإحتكارية الأمريكية “شركة الفواكه المتحدة “…

لم يكن كن ميزان القوى بين الدولَتَيْن (هندوراس وسلفادور) متوازنًا، فمساحة “سلفادور” صغيرة، لا تتجاوز 16,5%، من مساحة البلد المُجاور، ولكنها مكتظّة بالسكان، ويزيد عددهم (3,7 ملايين نسمة، سنة 1969) بنسبة حوالي 40% عن عدد سكان “هندوراس” (2,5 ملايين نسمة)، وهذا أحد أسباب هجرة مزارعي “سلفادور”، منذ بداية القرن العشرين، نحو “هندوراس” وأحيَوْا هناك مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية المُهْملَة، وبلغ عددهم نحو ثلاثمائة ألف مُزارع، أي رجال بالغين، في معظمهم، سنة “الواقِعَة” (1969)، في بلد لا يتجاوز العدد الإجمالي لسكانه 2,5 ملايين نسمة (صغارًا وكبارًا)، ولكنهم لم يمتلكوا هذه الأراضي، رغم إحيائهم لها، على مر العقود والأجيال، بل بقيت معظم الأراضي مملوكة لكبار المالكين العقاريين المحليين، ولشركات أجنبية متعددة الجنسية، مثل “شركة الفواكه المتحدة” الأمريكية، التي تُهيمن على الإنتاج الزراعي في أمريكا الوسطى والجنوبية، بدعم من مخابرات وحكومة الولايات المتحدة، التي تدعم كذلك الحاكم “أوسفالدو لوبيز أريلانو”، دكتاتور “هندوراس”، وهو بدوره يحرُسُ المصالح الأمريكية، ومصالح الشركات الكبرى، والمالكين الكبار للأراضي، وعمد إلى إصدار “قانون إصلاح زراعي”، كان يطالب به صغار الفلاحين، وافتكاك أراضي من المزارعين السلفادوريين الذين أحيوا هذه الأراضي (وليس من الشركات الكبرى أو كبار المالكين العقاريين)، وطردهم منها، رغم امتلاك بعضهم لعقود قانونية، ليوزعها على الفلاحين الهندوراسيِّين، وكانت مناسبة لشن حملة على السلفادورِيِّين، رغم العلاقات المتداخلة، منذ أجيال ( الإختلاط، وعلاقات النسب)، وانطلقت بذلك حملة معادية للسلفادوريين، وطرد الآلاف من العاملين، بمن فيهم المستقرين من أجيال، خارج الحدود، قبل بضعة سنوات من مباراة كرة القدم ومن الحرب، وردّت حكومة سلفادور (برئاسة “فيديل سانشيز هيرنانديز” ) بترويج صور الإعتداءات الوحشية وسوء معاملة السلفادوريين في “هندوراس”، وتصاعدت حملة حكومة “هندوراس” بعد هزيمة فريقهم لكرة القدم، فرَحّلت، خلال عشرة أيام (من 15 إلى 24 حزيران يونيو 1969) 12 ألف سلفادوري، خارج الحدود، وشجّعت الإعتداءات على الأشخاص وسرقة الممتلكات والمتاجر والأغراض الخاصة للسلفادوريين من بُيُوتهم، وفي الشّوارع، …

قضايا الأرض والإصلاح الزراعي:

أَسَّسَ كبار ملاك الأراضي في هندوراس “الإتحاد الوطني للمزارعين والثروة الحيوانية”، بإيعاز ودعم من الحكومة، بهدف “مَنْعِ السلفادوريين من تملك الأراضي”، وفق ما وَرَدَ في الأهداف المنشودة، وأعدّ مشروع “قانون الأراضي”، الذي تبنّته الحكومة، ويَقْضِي ب”سحب الأراضي من السلفادوريين وإعادة توزيعها على السكان المحلِّيِّين”، ورافقت حملة الترويج لهذا القانون، هجومات شديدة على قِيَم “التّعايش” و”التّسامح”، و”الإنفتاح”، لأن هذه القِيَم، أدّت، بحسب الحكومة وهذا “الإتحاد” المزعوم للمزارعين، إلى “استيلاء الأَغْراب (السّلْفادوريين) على الأراضي، والمس بالأمن القومي لهندوراس”، وكان ذلك إيذانًا بإطلاق موجة من العُنصرية والتحرش والإعتداء والتعذيب، ضد نحو ثلاثمائة ألف، من إجمالي حوةالي 2,5 مليون نسمة (في هندوراس)، كانوا جزءًا من مكونات المجتمع (بحكم استقرار السلفادوريين منذ أجيال ومساهمتهم في ازدهار الإقتصاد، والعلاقات العائلية المتداخلة )، وترحيل العديد منهم قَسْرًا، بعد تجريدهم من كل ما يملكون…

دعم كبار ملاك الأرض، في سلفادور، الهجرة المُكثّفة للمُزارعين، بهدف الإستحواذ على أراضيهم (وهي ملكيات صغيرة، لا تكفي لإعالة أصحابها)، وإضافتها إلى مزارعهم الشاسعة، فيما كان كبار ملاك الأرض في هندوراس، يُجابهون  مطالب صغار المزارعين بإعادة توزيع الأراضي، ومُصادرة الأراضي التي استحوذت عليها شركة الفواكه المتحدة الأمريكية، وصَدَرَ قانون “الإصلاح الزراعي”، لكنه لم يستهدف الشركة الإحتكارية الأمريكية، ولا كبار ملاك الأرض، بل استهدف الأراضي التي استصْلَحَها المزارعون المُهاجرون من “سلفادور”، ومن بينها بعض الجُزر التي كانت خالية، قبل استقرارهم بها، في خليج “فونسيكا”، على الحدود بين البَلَدَيْن…

خلاصةالإصلاح الزراعي، والأمن الغذائي، لُبّ مسألة الديمقراطية في بلدانالأطْراف“:

شكّلت مسألة الأرض والإصلاح الزراعي أساسًا لهذه الحرب، بين نظامَيْن دكتاتوريّيْن، مدعُومَيْن من الإمبريالية الأمريكية، وكانت الأجواء المَشْحُونة تُنْذِرُ باشتعال الحرب، وشكلت مباراة كرة القدم، عاملاً مُساعِدًا، أو عاملاً مُحفِّزًا ( catalyst – catalyseur )، بلغة الكيمياء، ولكن النتائج السّلْبِية لتلك الحرب التي عُرِفَتْ باسم “حرب كرة القدم”، لا تزال ماثلة، حيث أُغْلِقَت الحُدُود، وتوقفت التجارة بين البلَدَيْن لعدة عُقُود، ولا تزال الذاكرة الجماعية، في البلدَيْن الجارَيْن، وبعد خمسة عُقُود، تذكر وَيْلات هذه الحرب، في حين كانت المنظمات اليسارية تقاوم النّظام في البَلَدَيْن، وكان تنسيق النّضال بين منظمات البَلَدَيْن يُزعج كلاًّ من الولايات المتحدة (وشركاتها ومخابراتها)، والحكومتيْن، والمنظمات المحلية والإقليمية، المدعومة أمريكيًّا… لكن تلك الحرب، كانت عاملا مُساعدًا لانطلاق نضال جبهة “فارابوندو مارتي للتحرير الوطني”، في سلفادور، من 1979 إلى 1992، إثر المجازر التي ارتكبها الجيش (يوم 15 تشرين الأول/اكتوبر 1979) ضد المتظاهرين المُنَدِّدِين بالإنقلاب العسكري، وقدّرت الأمم المتحدة عدد ضحايا هذه “الحرب الأهلية” في سلفادور، بنحو 75 ألف ضحية، خلال 12 سنة، ودعمت حكومات الولايات المتحدة الديمقراطية (جيمي كارتر) والجمهورية (رونالد ريغن) الدكتاتورية العسكرية في البلاد، ووفرت لها كميات كبيرة من الأسلحة والعتاد والخُبراء والمُستشارين العسكريين، لقَمع الشّعب الذي وقع استخدام عواطفه الوطنية ضد مصلحته وضد مصلحة الشعوب المجاورة، ولا تزال العلاقات متوترة ولا يزال النزاع الحُدُودي قائمًا بين البلدين…

ما يُمْكن استخلاصه من بعض تجارب أمريكا الجنوبية وبلدان أخرى، في آسيا وإفريقيا، إن مسألة التّحكّم في الأراضي الزراعية، ومصادر المياه، مُرْتَبِطَة بالأمن الغذائي، وهي بدورها مرتبطة بضرورة تحقيق الإكتفاء الذاتي الغذائي، إذ لا يُمكن تغيير الوضع، دون العمل على تحقيق “الإستغلال الغذائي”، ومن ثم تحويل الفائض إلى التصنيع الغذائي، لتحقيق قيمة زائدة، بهدف تطوير الصناعة، انطلاقًا من تصنيع الغذاء، وتحويل المواد الخام إلى مواد مُصنّعة، وتشغيل عدد هام من العاطلين، وتطوير البحث العلمي في مجالات الزراعة والقطاعات الحيوية، عبر توجيه الإستثمار نحو القطاعات التي تدعم “الإستقلال الإقتصادي”، أي التّخلّص من الإستعمار الجديد…    

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.