جنوب افريقيا- ميز اقتصادي واجتماعي، الطاهر المعز

تقديم

هل تَصُحّ مقارنة الوضع في فلسطين، بوضع جنوب إفريقيا، قبل 1994؟

تُشكل متابعة مصير جنوب افريقيا، والإهتمام بالتطورات الإقتصادية والسياسية والإجتماعية للبلاد، أمورًا ضرورية للتقدميين والمناهضين للإستعمار، وبالأخص للمناضلين الفلسطينيين، ولمناصري قضية الشعب الفلسطيني…

طرحت حركة “فتح”، ومن ثم المنظمات الفلسطينية الأخرى شعار “الدولة الديمقراطية” (دون تفصيل محتواه)، كحل لمسألة الإستعمار الإستيطاني في فلسطين، ثم وَصَفَ البعض أحداث النكبة (1948) بأنها عملية “تطْهير عِرقي”، وتقترح بعض منظمات المُساندة (وهي مُساندة مَسْمُومة، أحيانًا) حلاًّ مُشابهًا لما حصل في جنوب إفريقيا، أي صوت انتخابي، لكل ساكني فلسطين التّاريخية، كما طرح البعض مسألة المقاطعة، كأرقى أشكال النّضال الذي سوف يضع حدًّا للإحتلال، وانجرت بعض المنظمات أو المجموعات العربية والفلسطينية وراء هذه الشعارات، أو “الحُلُول” المَغْشُوشَة، التي لا تُراعي خُصُوصية الإستعمار الإستيطاني، الذي ينْفِي “الآخر”، والآخر هو صاحب الأرض والوطن، وخصوصية هذا الإستعمار الذي خطط ونفّذ تهجير الشعب الفلسطيني، وهدم القُرى، وغير ذلك من الخُصُوصيات التي تجعل من المرحلة “مرحلة تحرر وطني”، تقوم على استعادة الأرض – الوطن- وعودة اللاجئين، وليست مرحلة البحث عن “المُساواة”، أو تطبيق الديمقراطية، بين المُسْتعْمِر والمُسْتعمَرَة أرضه ووطنه…

رغم الإختلاف الكبير بين وضع جنوب إفريقيا، في ظل نظام الميز العنصري وبعده، والوضع في فلسطين، تُشكّل دراسة وضع جنوب إفريقيا، بعد رُبُع قَرْن من إجراء أول انتخابات ديمقراطية، أهمّية خاصة لنا، بهدف استخلاص الدّروس، وطرح البرامج والخُطط والحلول التي تُناسِبُ المرحلة، وتُناسب خصوصية القضية الفلسطينية…

من نظام الميز العنصري، إلى المُساواة القانونية:

المناسبة: مرور 43 سنة على “أحداث سويتو”، و”سويتو” هي مدينة صفيح (وليس حَيّ صفيح) يسكنه أهل البلاد الشّرْعِيُّون، على بعد قرابة 25 كيلومترا، جنوب غرب العاصمة جوهانسبورغ.

انطلقت من “سويتو”، يوم 30 نيسان/ابريل 1976، حركة معارضة شديد لقرار نظام الميز العنصري فَرْضَ لغة “أفريكانير” (لغة الأقلية الأوروبية، البيضاء المُسْتعمِرَة والحاكمة) لتعليم المواد العلمية، والمواد ذات الصبغة الإجتماعية في المدارس، وفي صباح السادس عشر من حزيران/يونيو 1976، انطلقت مظاهرات بمشاركة نحو عشرين ألف تلميذ، احتجاجًا على هذا القَرار، وأطلقت الشرطة الرصاص الحي على المتظاهرين، وقُدِّرَ عدد الضحايا بنحو سبعمائة قتيل، ولم تعترف الحكومة سوى بثلاثة وعشرين قتيل…

أصبح يوم 16 حزيران (منذ نهاية نظام الميز العنصري سنة 1994) يوم عطلة رسمية، ويسمى اليوم “عيد الشباب”

*****

انتهى نظام الميز العُنْصُري رسميا، بانتخابات 1994، وفوز “المُؤتمر الوطني الإفريقي”، بأغلبية المقاعد النيابية، بفضل مُشاركة المواطنين الأصليين (السود) لأول مرة، وبفضل هذا الإنتقال السياسي، تحسنت حال بضعة آلاف من السود، ومن قيادات الحزب الحاكم، فارتَقَوْا طَبَقِيًّا إلى صفوف البرجوازية والفئات المَيْسُورة، وارتقى القليل من أبناء الفُقراء إلى صفوف الفئات الوُسْطى (أي البرجوازية الصغيرة)، ومن بين المُستفيدين من قيادات الحزب الحاكم، “سيريل رامافوسا”، نائب الرئيس (من 2014 إلى 2018) والرئيس، منذ 2018، وهو رجل أعمال ثري، معني بالدّفاع عن مصالحه ومصالح طبقته، التي تتناقض مع مصالح الأغلبية، من الفُقراء والأُجَراء، وسُكّان الأحياء العشوائية والقصْدِيرية في أطراف المُدُن، وكان “نيلسون مانديلا” قد فَرَضَهُ في قيادة “المؤتمر الوطني الإفريقي”، ضد إرادة العديد من رفاقه، في عملية تحالف بين حزب الأغلبية النيابية، وفئات البرجوازية، وكبار الفلاحين البيض، تطبيقًا لتفاهمات حصلت إثر مفاوضات بدأت قبل خروج “مانديلا” وقيادات “المؤتمر الوطني الإفريقي” من السّجون، وعودتهم من المَنافِي، سنة 1990…

تمتّع السّكّان الأصليون (السود )، وهم الأغلبية، بحق التصويت، بداية من سنة 1994، بنهاية نظام الفصل العنصري، وإجراء أول انتخابات ديمقراطية، ولكن الديمقراطية الشكلية المتمثلة بالإنتخابات، لا تُطعم الفُقراء، ولا تُوفّر المسكن أو الشغل للعاطلين، ولم تضع هذه “المُساواة” السياسية، الشكلية، حدًّا لانعدام المساواة الإقتصادية، المُستمرة، والتي جعلت نسبة الأصوات التي يحصل عيها الحزب الحاكم (المؤتمر الوطني الإفريقي) تقل عن 60%، وبلغت 57%، خلال انتخابات يوم الإربعاء الثامن من شهر أيار/مايو 2019، بسبب اتّساع الفجوة بين الأثرياء والفُقراء، وبذلك انتقلت المسألة الأساسية، خلال ربع قرن، من قضية ميز عنصري، إلى ميز اقتصادي…

مساواة قانونية، وفوارق طبقية صارخة:

اتسعت رقعة الفئات الوسطى، لتشمل آلاف، وربما عشرات الآلاف من المواطنين السّود، منذ 1994،  لكن أحفاد المُستعمرين الأروبيين (البيض)، الذين يمثلون حوالي 10% من السّكان (البالغ عددهم الإجمالي 50 مليون نسمة)، بَقوا مُسيْطرين على الإقتصاد وعلى الأرض، وعلى معظم ثروات البلاد، الغنية بالمعادن، واتسعت الهُوّة الطّبقية، بين الأثرياء والفُقراء، وبين البيض والسّود، لينتقل الميز من “ميز عنصري”، إلى ميز اجتماعي، أو طبقي، مع بقاء رواسب الميز العنصري، الذي تغيّر شكلُهُ، ولم يتغيّر جَوْهَرُهُ وبلغت نسبة البطالة الرسمية 27% قُبيْل انتخابات أيار 2019، وهي من أعلى نِسَب البطالة في العالم، كما اتسعت رقعة الفَساد، وأصبحت جنوب إفريقيا، التي كانت تُقَدّم كنموذج للحلول السياسية السّلمية، تحتل مكانة متقدّمة في مجال العُنف، وخصوصًا العُنف ضد النساء، وانعدام الأمن، والإقصاء الإجتماعي، واستخدمت الشرطة الرصاص الحي ضد العُمال المُضربين، وقتلت 34 من عُمال المناجم، خلال يوم واحد، بالإضافة إلى سلْبيات أخرى عديدة…

وعد الزعيم “نيلسون مانديلا” سنة 1994 بإصلاح زراعي، وبإعادة توزيع الأراضي، ووعد المواطنين السود، أصحاب البلاد، بأنهم سيصبحون “الطبقة المسيطرة”، ولكن، وبعد ربع قرن، يتظاهر المواطنون ضد فساد الزعماء السود، ولا يزال البيض يسيطرون على الاقتصاد (وفقًا للإتفاق السابق لإطلاق سراح نيلسون مانديلا، والسابق أيضًا للإنتخابات)، وحافظ السكان البيض، أبناء وأحفاد المُستعمِرِين الأوروبيين على مكتسباتهم، التي تحققت بفعل الإحتلال، وخصوصًا ملكية الأرض التي نهبها المُستوطنون، وأطردوا أصحابها، وانطلقت “الديمقراطية” الشّكلية من مستوى عدم التكافؤ بين الطبقات والفِئات، ولم يتنازل المُستعمرون البيض سوى على بعض المناصب السياسية، مع المحافظة على المكاسب الإقتصادية، ولا تزال الأقلية البيضاء، التي لا تُشكل سوى نسبة 10% من السّكّان، تمتلك أكثر من 80% من الأراضي الصالحة للزراعة، ولا يزال الأثرياء البيض (الأوروبيون، المُسْتعمِرُون) يشترون أراضي أخرى من الموطنين الفقراء السّود، فيما نَمت البرجوازية الصغيرة (الفئات الوسطى) السودات، بِبُطْءٍ، وجمعت “النُّخَب” وقيادات الحزب الحاكم (ومن بينهم الرئيس “رامافوسا) ثروات كبيرة، فيما لم يتغير مستوى عيش الأغلبية السّاحقة من المواطنين، ويتواصل إقصاء المواطنين السود الفُقراء من أحياء وَسَطِ المُدُن، ومن المواصلات والخدمات، بل وقع إبعاد المواطنين السود الفُقراء من بعض أطراف المُدُن، إلى مناطق أخرى على بعد عشرين أو ثلاثين كيلومتر، وتحوّلت الأحياء العشوائية التي كانوا يسكنونها، إلى مواقف للسيارات، وإلى مراكز تجارية ضخمة (في كيب تاون، على سبيل المثال)…

إدّت سياسة “الإبعاد” و”التّهجير”، والتّرحيل القَسْرِي، إلى زيادة انتشار الفقر والبطالة، وهي “أمراض اجتماعية”، تُرافِقُها عادةً عصابات الجريمة والمخدّرات والعُنف، وترتفع قيمة إنفاق هؤلاء الفقراء على وسائل النّقل، ولن يستطيع هؤلاء الفقراء، وحتى متوسطي الدّخل، الإنتقال إلى سكن لائق في ضواحي المُدُن، بسبب ارتفاع أسعار العقارات، وَوَصَلَ سعرُ الوحدات السكنية المكونة من غرفة نوم واحدة، في ضواحي مدينة “كيب تاون” إلى مائة ألف دولار، وبذلك، تُواصل حكومة “المؤتمر الوطني الإفريقي” تطبيق سياسة إبعاد المواطنين السود عن المناطق الحضرية، والتي تدعّمت سنة 1948، أي قبل أكثر من سبعة عقود، عندما انتزع نظام الفصل العنصري، أراضي أغلبية سكان البلاد، وقام بنقلهم إلى مناطق مُحَدّدة، لتفادي اختلاط الألوان و”الأعْراق”، وانطلق تأسيس “‘المؤتمر الوطني الإفريقي” من رفض الفَصْل العنصري، وأطلق مطلب “المساواة في الحقوق” (والمساواة في الحقوق لا تعني أبدًا المساواة في الواقع )، وبعد انتهاء نظام الفصل العنصري، وَعَد حزب المُؤتمر بمعالجة انعدام المساواة، وبتقديم منازل مدعومة للفقراء، وبتسوية ملكيات الأراضي المُصادَرَة في حقبة الميز العنصري، ولكن لما تولى حزب المؤتمر الوطني الإفريقي السّلْطَة، نَسَخَ تجربة نظام المَيْز العنصري، في بناء الأحْياء السّكَنِيّة، على أطراف المناطق الحضرية، وبقِيَ المواطنون السود من الطبقة العاملة ومن الفقراء معزولين عن فضاء المدينة…

أشرنا في فقرة سابقة إلى الظروف التي تُنْتِجُ العُنف، وأدّى إقصاء الفُقراء إلى تضاعف نسبة العنف بين سَنَتَيْ 1993 (السنة التي سبقت إلغاء نظام الميز العنصري)، وسنة 2017، حيث بلغ عددها 35,8 جريمة قتل لكل 100 ألف نسمة، وهي من بين أعلى النسب عالمياً، وارتفعت نسبة الجرائم التي تستهدف العمال الفُقَراء، القادمين من البلدان المجاورة، حيث يعيش في جنوب افريقيا، نحو 3,6 ملايين “أجنبي” من زيمبابوي وموزامبيق وليسوتو…  

نظام فَصْل عنصري جديد:

تستحوذ 10% من الأسر الثّرية على  55% من ثروات البلاد، ومن الدخل الوطني، فيما تحصل 50% من الأسر على حصة 8% من الثرة الوطنية، وورِثَ المواطنون البيض مزايا نظام المَيْز العنصري، إذ يُقدّر متوسط الراتب الشهري لموظف أبيض عشرة آلاف راوند (حوالي 700 دولارا)، مقابل 2800 راوند للأجراء السّود، أو قرابة 200 دولارا، سنة 2017، وتراجَعَ دخل الفرد من الفقراء بشكل مطرد منذ سنة 2010 وارتفع الفارق بين دخل الفقراء ودخل الاغنياء إلى أكثر من عشرة أضعاف، وانتشر الفساد بشكل لا يُصدّق، ونُسِبَتْ إلى كبار مسؤولي الحزب الحاكم والدولة (بمن فيهم الرئيس السابق “جاكوب زوما”) قضايا فساد ضخمة، وقبول الرشاوى، مقابل خدمة بعض المصالح الخاصة…

لا يُمثل البيض سوى حوالي 10% من السكان، ومن قُوة العمل، لكنهم الأكثر تأهيلاً، والأعلى راتِبًا، بحكم انتمائهم الطبقي إلى البرجوازية، وإلى الفئات المَيْسُورة، فيما يُمثل السّود (80% من السكان) أقلية في الوظائف ذات المهارات العالية، وبذلك انتقل الميز العنصري من الحيز السياسي إلى الحيز الإقتصادي، أو الطبقي، من جهة أخرى، تعاني النساء من التّمييز، بشكل يفوق المجتمعات التي تُماثل في تَطَوُّرِها مجتمع جنوب افريقيا…

ربط الديمقراطية السياسية بالجانب الإقتصادي والإجتماعي:

تُشير البيانات الرسمية الحكومية، وبيانات المؤسسات الخارجية (المراجع أسفل المقال) إلى ارتفاع نسبة الفقر، بعد ربع قرن على انتهاء نظام الفصل العنصري، ولنا أن نتساءل عن مفهوم الحُرِّيّة في جنوب إفريقيا، أو في غيرها، إذا كان المواطن “الحُرّ” لا يجد غذاءً أو سَكَنًا أو دواءًا، وغير ذلك من ضروريات الحياة، ولذلك لم تتحرّر اغلبية شعب جنوب افريقيا، بعد 25 سنة من حُكْم “المؤتمر الوطني الإفريقي”، في أغنى بلد افريقي…

يُعد أكثر من نصف سكان البلاد فُقَراء، يعيشون تحت خط الفقر، بحسب دراسة نشرها المعهد الوطني للإحصاء (آب/أغسطس 2017)، إذ إن 47% من المواطنين السود يعيشون تحت خط الفقر، بعد ارتفاع عددهم بنحو 2,8 مليون بين سَنَتَيْ 2011 و2015، ليبلغَ 14 مليون فقير مُدقع سنة 2017، فيما يعيش مليونا شخص تقريبًا، في الأكواخ وأحياء القصدير، كما ارتفع معدل البطالة في جنوب إفريقيا من نسبة 20% سنة 1994 إلى 27,1% من القوى العاملة، سنة 2018، وبلغت نسبة العاطلين من الشباب الذين تقلّ أعمارهم عن 34 سنة نحو 53%، ويشتكي خريجو الجامعات “المَحْظُوظون”، الذين وجدوا وظيفة، من ضُعْف مستوى الرّواتب، أما من ليس لديهم مؤهلات، وخبرة طويلة، فإن رواتبهم هزيلة جدًّا، مقارنةً بتكاليف المعيشة، ويعاني نحو 60,4% من طول فترة البطالة (أكثر من سنة) سنة 2017، وفق بيانات البنك العالمي، بالإضافة إلى حوالي 37,5% من العاملين في القطاع غير الرسمي، فيما لا تُسجّل البيانات الرسمية، العُمال الذين تخلّوا عن البحث عن وظيفة، عبر القنوات الرّسمية، ويقدّر عدد العاطلين بأكثر من عشرة ملايين نسمة، وأصبح موضوع البطالة (بالإضافة إلى مشاكل أخرى عديدة) يُشكّل ضغطًا سياسيًّا على الحكومة، مما اضطر الرئيس (الملياردير) إلى إعلان خطة، في تشرين الثاني/اكتوبر 2018، تتضمن تخصيص استثمارات بقيمة سبعة مليارات دولار، لشركات مملوكة للسود، وضَخِّ ستة مليارات دولارا، لتشجيع تصدير بعض الإنتاج الزراعي، خلال العقد القادم، وادّعى إن ضخ المال العام في الشركات الخاصة سوف يخلق 275 ألف فرصة عمل سنويًا…

بعد ربع قرن من الوعود ومن انهيار نظام الميز العنصري (بشكله القديم)، تفاقمت مشاكل عدم المساواة، التي تعززت بفعل ارتفاع نسبة البطالة، وضُعْفِ برامج التعليم، وانهيار المنظومة الصحية، وعدم بناء مساكن للفقراء، بأسعار معقولة، مما رفَعَ عدد الأحياء الفقيرة في المناطق الحَضَرِيّة من 300 حي سنة 1994، إلى نحو 2700، سنة 2017، وهي أحياء تفتقر إلى الماء والكهرباء والصّرف الصّحِّي، والرعاية الصحية، والطرقات ووسائل النقل العمومي، وتشكّل مدينة “كيب تاون” نموذجًا لعدم المساواة، في جنوب إفريقيا، إذ يعيش 60% من السكان، معظمهم من السود، في مناطق سكن “عشوائية”، بعيدة عن مركز المدينة، وتفتقد إلى الوظائف وإلى الخدمات الأساسية، كالتعليم والصحة والنقل، والمياه وغيرها، بالإضافة إلى تفاقم مشاكل الأمن، ولا توجد مخططات لتحسين وضع هؤلاء السكان…

لم تُسْفِرْ نهاية نظام الميز العنصري عن تحسن وضع أغلبية السّكّان، ولا يرى الباحثون الذين أعدّوا الدّراسة بوادر تَحَسُّن، لكن المواطنين يقاومون، فبالإضافة إلى إضرابات عمال المناجم، والعقارات والإنشاء، من أجل تحسين الرواتب وظُرُوف العمل، يقاوم المواطنون في الأحياء مخططات استيلاء السلطات المحلية على الأراضي، أو تحويل مرافق عامة إلى مشاريع تجارية، وعندما قررت سلطات “مدينة كيب تاون”، سنة 2016، بيع أراضي مدرسة حكومية إلى المُضاربين العقاريين، (وكانت هذه الأراضي مُخصّصة لمشروع سكن شعبي)، قاوم المواطنون عملية تحويل الملك العام إلى القطاع الخاص، وأوقفوا عملية البَيْع، في انتظار إصدار حُكم قضائي، وتوسّعت حركة مقاومة تحويل الأراضي إلى القطاع الخاص، وأصبحت تُقاوم عمليات طرد المواطنين من المسكن، وفَرضت الحركة إسكان المواطنين المحرومين من السكن، في المساكن الشاغرة في المدينة، واحتل 1200 شخص من المواطنين، بدعم من “مجموعة استعادة المواطنين لمدينتهم”، مستشفى تم الاستغناء عنه، وبناية مهجورة كانت مخصصة لإقامة الممرضات، لإصلاحها وصيانتها، ومن ثم تحويلها إلى مساكن، وحاولت السلطات المحلية إجلاءهم، فلم تُفْلِحْ، ثم عَمَدَت إلى قطع الكهرباء، والماء، ليستخدم السكان حنفية (صنبور) واحدة في الطابق الأرضي…

تحوّل الصراع إذًا من مقاومة المُستوطنين البيض الذي قدم آباؤهم وأجدادهم من أوروبا، إلى مقاومة الإستغلال الطبقي، وإقصاء الفُقراء من الحيز العام…

هل يهدف نضال الشعب الفلسطيني إلى إبقاء الأرض بأيدي المُستعمرين المستوطنين الصهاينة، الذين افتكُوها بالقوة وهَجّرُوا أصحابها؟

لندرس، كعرب، تجربة جنوب افريقيا، قبل وبعد نظام الميز العنصري.

ماذا يعني الحديث عن “دولة” أو “دَوْلَتَيْن” أو عشرة دول، وعن اختيار العاصمة المنشودة، في “القدس” (يُضيف بعضهم صفة “الشريف”) أو حيفا أو الناصرة، قبل الحديث عن وسائل تحرير الأرض من البحر إلى النهر، والتخطيط لعودة اللاجئين، بعد استرجاع الاراضي والممتلكات المَنْهُوبَة؟

 

عن مجلة “تايم” الأمريكية، الأسبوع الأخير من أيار 2019

المعهد الوطني للإحصاء في جنوب إفريقيا، آب/ أغسطس 2017 و شباط/فبراير 2019

البنك العالمي، تشرين الأول/اكتوبر 2018 ونيسان/ابريل 2019  

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.