البيئة، أحد الوجوه الخَفِية للإمبريالية، الطاهر المعز​​

ينتج العالم نفايات بحجم أربعة مليارات طن، سنويا (منها 2,1 مليار طن من النفايات المنزلية)، في المتوسّط، بحسب بيانات سنة 2016، أو ما يملأ حوالي 1,5 مليون حوض سباحة أولمبي، ويُعاد تدْوير نحو 16% منها، وتُنتِج الولايات المتحدة أكبر كمية من النفايات المنزلية، نسبة إلى الفرد الواحد، في العالم، بمعدل 800 كيلوغراما في السنة، أي أكثر بثلاث مرات من المتوسط العالمي وسبع مرات من الحَبَشِيِّين (الإثيوبيين) مثلا، والحبشة هي البلد الذي ينتج أصغر كمية من النفايات، ومع ذلك، تسببت أكوام القمامة في انهيارات خطيرة، عدة مرات، أدّت إلى وفاة عدد من الفقراء الذين يبحثون عمّا يمكن إعادة تدويره وبَيْعِهِ، كما تُنْتِجُ الولايات المتحدة نحو 18% من غاز أُكْسِيد الكرْبُون المُنتَج في العالم، وتتقدم ألمانيا الدول الرأسمالية المتطورة في إعادة تدوير النفايات، بنسبة 68%، فيما لا تتجاوز نسبة التدوير في أمريكا 35%، وهي الأسوأ في هذا المجال…

من جهة أخرى، يُلَوِّثُ السائحون، القادمون من الدول الثّرِيّة، أجمل مناطق العالم، بنفاياتهم، في البلدان الفقيرة، إضافة إلى حرمان السكان المحليين من ثرواتهم، كالمياه التي تُستخدم في مَسابح الفنادق، والإنتاج الزراعي المحلي والأسماك و”ثمار البحر”، ويُساهم السائحون بإلقاء النفايات في الشواطئ والمناطق السياحية، بنسبة 20% من إجمالي حجم النفايات المنزلية في العالم، بالإضافة إلى نفاياتهم في الفنادق، في حين لا تتجاوز نسبتهم 12% من إجمالي سكان العالم، ولا ينتشرون في كافة مناطق العالم، بل إن وجودهم محدود في بعض المناطق السياحية، التي تتضرر بيئتها وسُكّانها كثيرًا، من السياحة…

تستخدم بعض الدّول المتطورة، والتي تستثمر في البحث العلمي والصناعي والطاقات المتجددة، بعض أنواع النفايات لإنتاج الطاقة المُسمّاة “نظيفة” (أي غير متأتية من الوقود الأحفوري، كالفحم والنفط والغاز)، ومن بينها السّويد التي تستورد حوالي مليونَيْ طن من بعض أنواع النفايات، سنويا، من النرويج والدنمارك ومن بريطانيا وإيرلندا وهولندا وفنلندا، لتدويرها، واستخراج الطاقة التي تزود حوالى 250 ألف أسرة بالكهرباء و950 ألف مسكن بطاقة للتدفئة، في بلد بارد جدًّا، نظرًا لِقُرْبِهِ من القُطْب الشّمالي… لكن ماذا تفعل هذه الدّول الغنية بالنفايات التي لا يقع تدويرها (مثل الأصناف الرديئة من البلاستيك)، خصوصًا بعد إقرار تشريعات للمحافظة على البيئة في الدول الغنية؟

تُرْسِلُ هذه الدّولُ نفاياتها إلى البُلْدان الواقعة تحت الهيمنة، بشكل عام، بالإضافة إلى الصين (وهي ليست واقعة تحت الهيمنة) التي قررت سنة 2018، وقْفَ استقبال نفايات البلدان الأخرى، من البلاستيك. تَتَخَلّصُ أمريكا الشمالية (كندا والولايات المتحدة) وأوروبا واليابان وكوريا الجنوبية، وغيرها من بعض أصْناف النفايات الخطيرة (كالحواسيب والهواتف المحمولة )، عبر إرسالها في حاويات ضخمة إلى بلدان فقيرة، بعنوان “مساعدات من أجل تحقيق التطور والتّنْمِيَة”، لِيُعاد تدويرها، ثم تبقى جُثَثُها في بُرْكينا فاسو أو في بنغلادش، لتَضُرّ بالبيئة وبالإنسان والحيوان…

بعد حَظْر الصّين واردات النفايات البلاستيكية، أصبحت الدول الرأسمالية المتطورة تُرْسِلُها إلى فيتنام وماليزيا وإندونيسيا، والفلبين، وغيرها، وتعمد الشركات إلى تزييف الوثائق، والغش، في أحيان كثيرة، وأعلنت حكومة ماليزيا، منذ عودة “مهاتير محمد” إلى الحُكم، إعادة إرسال النفايات البلاستيكية، غير القابلة للتدوير، إلى بلدها الأصلى (خصوصًا الولايات المتحدة واليابان وأستراليا وبريطانيا)، لأن البلاد أصبحت ساحة مفتوحة للنفايات البلاستيكية العالمية، تعمل بها عشرات مصانع إعادة تدوير البلاستيك، بدون ترخيص، بالإضافة إلى آلاف الفُقراء الذين يُخاطرون بصحتهم، من أجل جمع بعض ما يُمكن بيعه أو تدْويره، بحسب تصريح وزيرة الطاقة والعُلُوم (22/05/2019)، وتجدر الإشارة إن عدد سكان ماليزيا يتجاوز 270 مليون نسمة، ويعيش نحو 40% منهم بأقل من دولارين يوميا، وأعادت ماليزيا خمس حاويات ضخمة من نفايات البلاستيك الملوث، إلى مصدرها، في إسبانيا، بعد أن اشتكى السكان من الأضرار البيئية، إذ تتسبب النفايات في أضرار بالغة، من بينها، الحرائق وتلوث التربة والأنهار وخزانات المياه الجوفية، كما تسببت فضلات البلاستيك وغازات السّفن والنفط والزيوت المتسربة منها، في أضرار كبيرة بالمحيطات (خصوصًا البحر الأبيض المتوسط، والمحيط الهادئ) وبالشعاب المرجانية (في البحر الأحمر والبحر المتوسط، والمحيط الهادئ)، وبالكائنات البحرية، وأصدرت منظمة الصحة العالمية عددًا من التّقارير التي تُثْبِتُ مخاطر التلوث على صحة الانسان وعلى التربة والمياه الجوفية، وتتسبب الغازات المنبعثة بكثير من الأمراض الخطيرة، ومن بينها أمراض الجهاز التّنفّسي، والسرطان وبعض حالات العقم…

دعمت المنظمات “غير الحُكُومية” (المُمَوّلة حُكُومِيًّا) للدول الإمبريالية، برامج إعادة التّدوير، في البلدان الفقيرة، ورَوّجت ل”فوائدها” المزعومة، بدعم وتمويل من شركات متعددة الجنسية (مثل آبل ومايكروسوفت وعلي بابا وغيرها)، ترغب في التّخلّص من نفاياتها، والمعدنية منها بشكل خاص، وأنشأت هذه المنظمات “غير الحكومية” شركات صغيرة في السّينغال والهند ومصر وغواتيمالا وغيرها من البلدان الفقيرة، وأشرفت على تدريب شبّان فُقراء من الدّول الفقيرة لإعادة تدوير النفايات الإلكترونية كالحواسيب والهواتف والأقراص، “واستخلاص المعادن الثمينة، مثل الذهب والفضة والنحاس والبلاتينيوم”…

ادّعت المنظمات الدّاعمة لفرز النفايات وإعادة تدويرها في البلدان الفقيرة “إن عمليات إعادة تدوير النفايات، تُساهم في مقاومة تلوث البيئة في العالم”، والواقع إنها تُساهم فعلاً في إبعاد مخاطر التلوث عن الدول المُنْتِجة للتلوث، لكنها تنقُلُهُ إلى البلدان الفقيرة، ناهيك عن المخاطر الصحية التي يتعرض لها العاملون في فرز النفايات وإعادة تدويرها…

قدرت منظمة الصحة العالمية إن نفايات الورق تتحلل بعد حوالي شهر، في المتوسط، وتتحلل أعقاب السجائر بعد مرور 12 سنة، في المتوسّط، وتتحلّلُ قوارير البلاستيك بعد 450 سنة من دَفْنِها، في المتوسّط، ويستغرق تَحَلُّلُ حبال صيد السّمك، بعد مرور 600 سنة، أو ستة قُرُون، ولا تتحلل بعض المواد البلاستيكية الأخرى قبل مرور ألف عام، أي عشرة قُرُون، فيما لا تتحلل مخلّفات الزجاج أبدًا، واتجهت بعض الدّول إلى فَرْضِ رُسُوم إضافية على النفايات المنزلية، فيما بقيت رُسُوم النّفايات الصناعية رَمْزِيّة، ويُهدّد الإتحاد الأوروبي منذ سنوات بفرض رسوم إضافية على صناعة البلاستيك، وأتاح كثيرًا من الوقت للشركات الصناعية، لاستبدال البلاستيك بمواد أخرى تتحلل بسرعة نسبية، وتبقى الدّول الفقيرة تُعاني من تَبَعِيّتها للدول الغنية، فيما يُسمى “الإستعمار الجديد”، أو الإمبريالية…           

وردت معظم المعلومات في برقيات وكالة الصحافة الفرنسيةأ.ف.ب” وبيانات نشرها البرلمان الأوروبي، ودراسة لجامعة جورجيا الأمريكية، ودراسة لمنظمة الصحة العالمية بشأن مخاطر التّلَوّث، وبيانات أخرى نُشرت خلال السنوات من 2017 إلى 2019

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.