في جبهة الأعداء:  على هامش احتجاجات “الفلاشا” (يهود الحبشة) في فلسطين المحتلّة، الطاهر المعز

الصهيونية عقيدة استعمارية، عُنْصُرِية بطبيعتها:

بدأ يهود الحبشة (الفلاشا) يشعرون بالعنصرية، منذ حُلُول المجموعات الأولى منهم في “أرض الميعاد”، بدْءًا من سنة 1973، وتكثفت الرحلات الجوية بين “أديس أباب” و”تل أبيب” بداية من سنة 1979، حيث تم تهجير يهود الفلاشا بالآلاف، بإشراف المخابرات الصهيونية، وبتآمرٍ من حكام الحبشة (العسكر المدعوم من الإتحاد السوفييتي) وحاكم السودان آنذاك “جعفر النّميري”، وسَارَ خَلَفُهُ عُمر البشير (منذ 1989) على خُطاه، واستخدم الكيان الصهيوني هؤلاء المهاجرين الجدد لاستيطان مناطق في الضفة الغربية، ويوجد عدد لا بأس به منهم في مُستعمرة “كريات أربع”، قرب الخليل، واحتجّ “الفلاشا” عدّة مرات منذ ثلاثة عُقُود، على ظروف عيشهم، وضد سياسة الإقصاء التي تستهدفهم، وأدّى مقتل شاب، من أصل حبَشِي، يوم الأحد 30 حزيران/يونيو 2019، برصاص شرطي صهيوني، إلى انطلاق موجة احتجاجات، متواصلة للأسبوع الثاني (عند تحرير هذه الورقة)، وأُصِيب في هذه المُظاهرات نحو 150 شخص، بحسب الإعلام الصهيوني، بعد بضعة أشهر من احتجاجات سابقة في تل أبيب (كانون الثاني/يناير 2019)، على إثر أحداث مماثلة تمامًا، أي إطلاق شُرطي الرصاص، وقَتْل شاب من “الفلاشا”، مع استخدام نفس الكذبة، والإدعاء إن الشاب كان يستعد لمهاجمته (وهو ما فندته شهادات الحاضرين في كل مرة)، وقبل سنتَيْن قتلت الشرطة ثلاثة شُبّان من “الفلاشا”، بالرصاص، ويمكن تعليل هذه الإنفجارات المتتالية بصعوبة اندماجهم في مجتمع المُستوطنين، ومُعاناتهم من العنصرية والميز الإجتماعي، ولا تعترف المؤسسة الدينية بيهوديتهم، ولكنهم رفعوا شعار “نحن يهود فَخورون بيهوديتنا، ولسْنا أقل يهودية من غيرنا، ونُؤدّي الخدمة العسكرية بإخْلاص لدولة إسرائيل…”، أو “لسْنا عَربًا”، أي إنهم يعتبرون أنفسهم “إسرائيليون أقْحاح”، يُساهمون في قتل الفلسطينيين وفي الإستيلاء على وطنهم، ويحاولون الإنصهار في البوْتَقَة الصّهيونية، عبر إعلان المواقف العنصرية تجاه الفلسطينيين في الداخل، وضد الشعب الفلسطيني، مثلما فعل المُسْتوطنون الذين سبقوهم، والقادمون من البلدان العربية، الذين وجدوا صعوبات جَمّة، وانتفض أبناؤهم، قبل نحو ستة عُقُود…

على مستوى الطقوس الدّينية، خضع يهود “الفلاشا”، عند تهجيرهم من وطنهم، نحو فلسطين المحتلة، إلى عملية “تَهْوِيد” جديدة، قبل قُبُولهم، لأن المؤسسة الدينية لمجتمع المُستوطنين الصهاينة لا تعتبرهم يَهُودًا، وذكرت الصحف عددًا من حالات مُتَكرِّرَة لمنعهم من دخول دور العبادة اليهودية (الكَنِيس). أما على الصعيد الإجتماعي، فلا يتمتعون بنفس حقوق التعليم والوظائف، ويقل متوسّط دخل اليهودي الحَبَشي، بنسبة 40%، مقارنة بمتوسط دخل بقية المستوطنين، ويزاول أغلبية عناصر “الفلاشا” أعمالا تقع في أدنى درجات السُّلّم الإجتماعي، لا تحتاج على مؤهلات علمية، ومنخفضة الرواتب، مثل أعمال النظافة، تتسم تجمعات “الفلاشا”، خصوصًا في جنوب فلسطين المحتلة، ببيئتها الفقيرة وارتفاع معدلات البطالة، مع غياب الخدمات التى يتمتع بها سكان المدن، التى يعيش فيها المستوطنون الآخرون، وخصوصًا القادمون من أوروبا وأمريكا الشمالية…

الصهيونية جزء من الإستعمار والإمبريالية:

ظهرت الإيديولوجيا الصهيونية خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر، بالتزامن مع استفحال النشاط الإستعماري، ليس الإحتلال أو الإستعمار بمفهومه التجاري الذي ساد بين القرنَيْن الخامس عشر والتاسع عشر، وإنما بمفهومه الإمبريالي، كمرحلة من مراحل تطور رأس المال، وزيادة الإنتاج، وضرورة غزو أسواق جديدة لتصريف فائض الإنتاج، ونهب الموارد الطبيعية، ويقول “ثيودور هرتزل”، في رسالة إلى زُعماء بريطانيا وفرنسا وروسيا، ليُعْلن أن الحركة الصهيونية هي حركة استعمارية، ويهدف تأسيس “دولة اليهود” إلى حماية أوروبا من العرب، وليس صدفةً أن تولد الصهيونية في أوروبا، وأن يدعم رأس المال المالي المشروع الصهيوني، ودعمت أسرة ومصارف “روتشيلد”، بداية من سنة 1907، مشروع “شركة تطوير أراضي فلسطين” الذي أشرف عليه “حاييم وايزمان”، وإنشاء صندوق تمويل شراء الأراضي في “يافا” وتأسيس “الصندوق القومي اليهودي”، وتتطلب هذه المشاريع (تنظيم حركة الهجرة وتنظيم حركة الإستيطان، والدّعاية وتنظيم المؤتمرات، وزيارات الوفود…) أموالاً كثيرة، لا يقدر عليها الأفراد، بل تتكفل بها مؤسسات وصناديق ومصارف ودُول…

وُلِدت الإمبريالية في أوروبا (كما معظم الأفكار السياسية الفاشية والعنصرية الحديثة) وتُشكّل العنصرية واحتقار الشعوب أساسًا عقائديًّا (إيديولوجيًّا) للإستعمار والإمبريالية، إذ يعتبر الإستعماريون الأوروبيون أن الشعوب الأخرى لا تستحق الحياة، أو فلتكن حياتها كالعبيد، في خدمة الأسياد الأوروبيين، وهذا ما طبّقَتْهُ الصهيونية في فلسطين، بالإضافة إلى طرد الشعب الفلسطيني من أرضه ومن وطنه، ومارس مُؤسّسُو دولة العدو، أو اليهود “الأشكنازيم” (الأشكنازيون هم يهود اوروبا) العنصرية ضد الشعب الفلسطيني، والعرب والسود وغيرهم، لكن ضد اليهود الآخرين (السّفارديم)، ولذلك فإن الممارسات التي يشتكي منها المُسْتَوْطِنُون الحبشيون (الفلاشا) حاليًّا، ليست بالجديدة، بل عانى اليهود العرب، الذين تركوا بُلدانهم العربية (أو أُخْرِجُوا منها بالتآمر أو بالحيلة) وهاجروا ليستعمروا وَطَنَ وأراضي الغير (أراضي الفلسطينيين) من ممارسات، وَرَدَ ذِكْرُهَا في شهادات اليهود اليمنِيِّين والمغاربة، قبل الإفراج عن الوثائق الصهيونية التي اطلع عليها مُؤرّخو دولة العدو الصهيوني…        

بعد الحرب العالمية الثانية، تَحَسّنَ الوضع الإقتصادي، وهُزِمت النازية (ألمانيا) والفاشية (إيطاليا)، ولم يعد اليهود الأوروبيون يرغبون بالهجرة ومغادرة أوطانهم، فنظّمت الحركة الصهيونية، بعد تأسيس دولتهم على أنقاض فلسطين، حملات لتهجير اليهود الذين لم يرغبوا بهجرتهم سابقا، والمتواجدين في البلدان العربية، بالتآمر مع السلطات المحلية في العراق وفي المغرب، أو عبر افتعال أعمال إرهابية ضد أحياء وممتلكات اليهود في مصر وسوريا، وبلدان أخرى، ليغادروا بلادهم، ولما استنفذ الصهاينة “مخزون” اليهود العرب، استوردُوا مُستوطنين من “درجة ثالثة”، من الحَبَشَة، يُشكك بعض رجال الدين اليهود المتطرفين (الحاخامات) في يهوديتهم، ويُعاملهم المستوطن الصهيوني “العادي” كأغْراب (أغْيار في الديانة اليهودية، أي غير اليهود، أو “غُويِيم”)، أو كعبيد جلبتهم الحركة الصهيونية لخدمة الأشكنازيين، تفاديًا لتشغيل “العرب”، أي الفلسطينيين…

الصهيونية = مَيْز وإقْصاء:

بعد النّكبة، وتأسيس دولة الإحتلال، استوردت الحركة الصهيونية يهودًا من الدول العربية، ولاقوا مُعاناة مُشابهة لما يُلاقيه “الفلاشا” اليوم، مما أدّى إلى انتفاضة “اليهود الشّرْقِيِّين”، سنة 1959، انطلقت من حي “وادي الصّليب” (حيفا)، حيث سكن المُستوطنون القادمون من المغرب ومن بلدان عربية أخرى، مكان الفلسطينيين الذين وقع تهجيرهم جماعيا وبالقوة، خلال النّكبة، ووصفتهم وسائل الإعلام ب”الهمج” و”غير المتحضرين”، ولا يحترمون القوانين والمُؤسّسات، وغيرها من النّعوت التي لا تختلف عما يُقال اليوم عن “الفلاشا”، مع فارق هام، وهو إن “الفلاشا” يُشكّلون مجموعة صغيرة، تَعُدّ ما بين 120 ألف و 140 ألف مُسْتَوْطِن، مما يجعلهم غير مُؤثرين في موازين القوى الإقتصادية والسياسية (الإنتخابية)، والمُحْتجّون هم من فئة الشباب، أي من الجيل الثاني للأحباش، الذي وُلِد في فلسطين المُحتلّة (حوالي عشرين ألف)، وتَربّوا على العقلية الصهيونية، المُعادية للسّكّان الأصليين، والتي تعتبر الخدمة في الجيش وإطلاق النار على الفلسطينيين شرفٌ عظيم، واعتقدوا إن المبالغة في التَّصَهْيُن وإظهار الحقد على أصحاب الأرض والوطن، كفيل بقبولهم في مجتمع ودولة المُستوطنين الأشكنازيم، لكن مضايقات الشرطة، وتعامل المستوطنين الأوروبيين معهم في الحياة اليومية، لأنهم من ذوي البشرة السوداء، تُذكِّرُهم بأنهم مُستوطنون من درجة ثالثة، يُعانون مشاكل في مجالات العمل والتعليم والسكن وفي ممارسة الطّقُوس الدّينية، بالإضافة إلى العُنصرية الظاهرة (المُعْلَنَة)، في المؤسسات الرسمية وفي الفضاء العام، وترفض المُستشفيات تبرع “الفلاشا” (أو ذوي البشرة السّوداء) بالدّم، فيما طالبت أُسَر عديدة بعدم اختلاط أبنائها في فُصُول التعليم مع أبناء “الفلاشا”، كما رفضتهم المؤسسة الدينية الإشكنازية، إذ اعتَبَرَ الحاخام الأكبر للأشكنازيم (شلومو غورين)، “إنهم ليسوا يهوداً لأسباب دينية وجينية، فلا يوجد يهود ذوو بشرة سوداء”، بحسب تعليله، ورفضت حكومات الكيان الصهيوني، لسنوات عديدة، الإستجابة لطلب “الوكالة اليهودية” بتسهيل هجرتهم، وزعمت حتى سنة 1973 أن اليهود المهاجرين من الحبشة “يحملون أمراضًا وراثية معدية”، قبل أن  توافق على هجرتهم الجماعية، بين سنَتَيْ 1979و1990…

الإقصاء والعنصرية، ممارسة مستمرة وقارّة:

بعد تأسيس دولة العدو، وبعد طرد قرابة 850 ألف فلسطيني من وطنهم، استورد الكيان الصهيوني اليهود العرب (أو “الشرقيين” – السّفارديم) لتعمير المناطق التي وقَع إخلاؤها، وتَعرّضَ هؤلاء للمعاملة السيئة، وللمُمارسات والشتائم  العنصرية التي يُعاني منها “الفلاشا” اليوم، وأنشأ الشباب، أبناء المغاربة خصوصًا، حركة “بياحد”، التي يدعمها باحثون وأساتذة ومثقفون، لكن هدفها كان محدودًا في “دفع المجتمع الإسرائيلي ليعترف باليهود الشرقيين، وبمساهمتنا الحضارية والثقافية في الشعر، والأدب، والفكر اليهودي، والشريعة اليهودية…”، لكن المظاهرات تجاوزت هذا الهدف بكثير، حيث كانت تُطالب بالسكن اللائق وبالوظائف، وغيرها من الحُقُوق، وبالمُساواة…

كانت سلطات الإحتلال تَرُشُّ المُسْتوطنين القادمين من اليمين (بإشراف المخابرات الصهيونية) بمادة “دي دي تي”، ويُجَرّدون من كل شيء حملوه معهم من اليمن، ذهب أو كُتب دينية أو تُحف، ولسنوات طويلة، كانت السلطات تُنظم اختطاف أبناء اليهود العرب لتُسلمهم على أُسَر أوروبية، “لكي يصبحوا صهاينة جيدين”، كا ادّعى الأطباء في المستشفيات موت نسبة كبيرة من الأطفال المولودين الجدد من أمهات يهوديات عرب ويمنيات، بحسب شهادات عديدة، ولم يمت هؤلاء الأطفال بل سلمتهم السلطات إلى عائلات “أشكنازيم”، أوروبية، وقَدّر “المُؤرخون الجُدُد” عدد الأطفال المفقودين بهذه الطريقة بنحو خمسمائة طفل، تقول الإشاعات إنه تم تبنيهم من قِبل عائلات أوروبية (وهذا واقع مُوَثَّقٌ، وليس إشاعة) أو بيعهم، وتهريب بعضهم خارج فلسطين…

نجحت الحركة الصهيونية ودولة الإحتلال في الإلتفاف على غضب اليهود العرب، فبعد حوالي عقدين من انتفاضة “وادي الصليب” (حيفا)، أسس اليهود الشرقيون (السفارديم) حزبًا يمينيا (بالمقاييس الصهيونية، أي يمين الإستعمار الإستيطاني)، ودعموا اليمين الذي فاز على “حزب العمل”، سنة 1977، بعد ثلاثة عقود من تأسيس كيانهم الإستعماري، وأدّى الخبث بزعيم “حزب العمل” (إيهود باراك)، عندما أدرك الوزن الإنتخابي للمغاربة والشرقيين الصهاينة، إلى الإعتذار لليهود الشرقيين، عن “التمييز والإضطهاد الذي تعرضوا له، في ظل الحكومات المتلاحقة لحزب العمل منذ التأسيس”…

خاتمة:

لم يتضامن بقية “الإسرائيليين” مع اليهود الشرقيين، بين 1959 و 1970، ولم يتضامن أحد مع يهود الحبشة “الفلاشا”، منذ بدأت احتجاجاتهم، قبل حوالي ثلاثة عُقُود،  بل أوردت وسائل الإعلام الصهيونية، تصريحات سكان تل أبيب (تدعي السلطات الصهيونية والإعلام الغربي انفتاح هذه المدينة على العالم وعلى الثقافات…) الذين وصفوا المتظاهرين “بالحيوانات القادمة من غابات إفريقيا، والتي اكتسبت صفة المواطنين بفض إسرائيل”، أما المحتجون “الفلاشا”، على عنصرية “دولتهم” و”مجتمعهم”، فقد كتبوا على الجدران، أثناء المظاهرات “الموت للعرب”، تنفيسًا عن غضبهم، وللمزايدة بتبَنِّيهِم الإيديولوجيا الإستعمارية الصهيونية، رغم فقرهم وبٌؤسِهِم، وهذا لا يحتاج تعليقًا…

إن مجتمع المستوطنين الصهاينة يحمل في داخله تناقضات، كما كل المجموعات البشرية، لكن لا يجب التعويل على هذه التناقضات لوضْعِ حدٍّ للإحتلال وفَرْض حق العودة، بل هذه التناقُضات قد تُصبح عوامل مُساعدة، إذا كانت هناك مُقاومة ترْدَع المُستثمرين والسائحين والمستوطنين الجدد، وإذا كانت المقاومة قوية بشكل يجعل المُستوطنين يعودون إلى بلدانهم، لأن كافة الفئات اليهودية الصهيونية استوطنت البلاد على أنقاض الشعب الفلسطيني، وتستفيد جميع هذه الفئات من الإحتلال، وتشترك في اضطهاد أهل البلاد الشرعيين، فلا وجود لقوى سياسية مناهضة للإحتلال، ولا يجب بث الوهم حول وجود “قوى ديمقراطية” في مجتمع المُسْتوطنين…  

معظم البيانات، في شكلها الخام، من وكالة الصحافة الفرنسية أ.ف.ب + وكالة “وفا” + “الأخبار” اللبنانية + موقع “روسيا اليوم” 07/07/2019

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.