من يوميات كارلوس ابن آوى في سجون فرنسا “الحرّة” (الحلقة الأولى)، لينا الحسيني

في 24 ديسمبر 2010 ، تمّ إخباري بأنّني سأمثل أمام القاضي للإدلاء بشهادتي.
الجوّ كان باردًا جدًا (درجة الحرارة صفر) في باريس.
أثناء خروجي من السّجن لاقتيادي إلى قصر العدل في باريس، كان يرافقني بعض الشبان وهم يرتدون زياً مختلفاً لم أشاهدهم من قبل. لقد بدوا مثل قوات الكوماندوس.
لم أكن أعرف بالضبط من هم،  كانوا غريبين جدًا. يمكنني حتى أن أقول إنّهم كانوا يرتدون زياً مشابهاً لزيّ الطّيارين المقاتلين. ثمّ اكتشفت فيما بعد أنّهم من الحرس الجمهوري، الذين يتولّون حماية القصر الرّئاسي.
وضعني هؤلاء الحراس الخاصون في غرفة صغيرة. شعرت بأجواء معادية تستهدفني.
لأسباب أمنية، تُركت عاريًا، ولم يكن معي سوى الأصفاد.  أحد الحراس بدأ يتصرف بعنفٍ ضدي. قال لي وهو يصرخ: “يمكنك ارتداء ملابسك، لكننا لن نمنحك إياها” كلّمني بطريقة غير محترمة وهو بعمر ابني أو حفيدي!
قلت: “ما هذه المهزلة؟ ​​أنا عارٍ تمامًا”.
لم يسمحوا لي بارتداء سوى قميصٍ وسروالٍ داخليٍ في هذا الجو البارد!
قيّدوا يديّ خلف ظهري. كانت الأصفاد ضيّقة لدرجة كافية لتضغط على معصميّ وتسبب لي الألم.
الحارس الذي أخرجني من الغرفة، أمسك بي ودفعني وضرب رأسي بالجدار.
قلت له: “أنت ابن الجيش الفرنسي، يجب أن تحترم الزيّ الذي ترتديه، ويجب ألّا تتصرّف بجبنٍ حيال سجينٍ يديه خلف ظهره!”
هاجمني مرّةً أخرى وثبّتني على الحائط، وقام بلكمي مرارًا وتكرارًا، وهمس ثلاث مرّات باسم الرئيس الأمريكي.
بالطبع أنا أعرف أنّ ما يحدث، يدخل في سياق الحرب النّفسية، بهدف جعل الشخص في حالةٍ من الارتباك الذّهني والصّدمة.
أنا متأكد من أنّ ما حصل معي هو عملٌ مخططٌ له مسبقًا.
ماذا يفعل الحرس الجمهوري هنا؟ لماذا يأتون ليأخذوني إلى باريس  في حين أن سجني لديه موظفيه وحراسه؟
كان واضحًا أنّ حراس السّجن غير راضين عمّا حدث. علاقتي جيدة مع كلّ منهم؛ أنا شخص لطيف، على الرّغم من أنني أحيانًا أضطرّ إلى التّحدث بشدّة عندما يرتكبون خطأ ما، ولكن علاقتي بالحراس هادئة في أغلب الأحيان، ويمكنني التجوّل دون التّسبب في أي أذى أو ضجّة. لذلك، لا أجد ما يبرّر الخوف من أن يهاجم الحراس سكان السّجن أو يهاجم سجناء السّجن الحرّاس.
ينبغي ألّا ننسى أنّ عدوّنا ليس الحرّاس الفقراء، بل رؤساءهم.
عندما ظهر الحراس العاديون، توقف الحرس الجمهوريون عن مهاجمتي.
في  هذا الطقس المثلج، وأنا شبه عار، أدخلوني في شاحنة صغيرة ووضعوني في صندوق معدني، وكانت يديّ وراء ظهري، وجسدي في وضعية ملتوية.
كما لو أن البرد الخارجي لم يكن كافيًا، فقد أداروا مكيّف الهواء في الشاحنة إلى أقصى درجات التبريد.
أخذوني إلى باريس على بعد 60 كيلومتراً، لكن ليس بالطريق المباشر بل على الطرق الجانبية.  في هذه الأثناء، في وضع أشبه بالجحيم، كان رأسي يرتطم بجدران ذلك الصندوق المعدني الصغير للغاية، وظهري يؤلمني.
بقيت نصف ساعة في هذا الوضع الرهيب. لم أستطع أن أشعر بهول ما حدث لي على الفور، خاصة وأني تعرّضت  في نهاية الرحلة للضرب المبرّح، ما تسبب في هبوط حاد في الأدرينالين.
بدأت أشعر  بعد يومٍ أو يومين بالعواقب الفعلية لما حدث، حين بدأت تظهر عليّ آثار الضّرب والتّعذيب.
أخيرًا، وصلنا إلى قصر العدل، وهو المكان الذي لا يرى  الشمس حتّى في فصل الصّيف. صُدم الحراس لدى رؤيتي، وهبّوا لمساعدتي:
“كارلوس، ماذا حدث بحق الجحيم، من فضلك تعال، ارتد ملابسك الآن!”
– لكن كيف يمكن أن أرتدي ملابسي وأنا مكبّل اليدين؟
مشيت مسافة طويلة جدًا وصولاً الى الطابق الثّالث أو الرّابع من قصر العدل البارد، أي الطابق الأخير ووصلت إلى المكان الذي سأدلي بشهادتي فيه.
القاضي بالطبع لا علاقة له بهم، فوجئ وصُدم. كان اثنان من المحامين بانتظاري، زوجتي إيزابيل كوتان-بير، ومحامٍ آخر.
معصمي الأيمن لم يتضرّر نسبيًا، لكنّ جرحًا عميقًا أصاب معصمي الأيسر بسبب الأصفاد.
قبل الإدلاء بشهادتي، ارتديت ملابسي أخيرًا، وسجّلت كل هذه الممارسة غير القانونية التي تعرضت لها أمام القاضي، وقد وقّعت أنا والقاضي عليها. تحدثنا عن الكيفية التي أحضرت بها إلى قصر العدل وعن حالة معصميّ وجسدي المعرّضين للأذى، وأرفقناها  في السّجل.
نتيجةً لذلك، يجب على العالم أن يعرف ما الذي يحدث معي في فرنسا.

(يتبع)

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.