هل وصلت العولمة إلى طريق مسدود؟ الطاهر المعز  

قراءة نقدية لبحث باللغة الإنغليزية، نشرته مجلة “مونثلي ريفيو” وأعاد نشره موقع “كنعان”

(المراجع أسفل المقال)

 لم تُؤَدِّ موجة الإستقلالات السياسية للبُلْدان الواقعة تحت الإستعمار المثباشِر، إلى استقلال اقتصادي، بل تعمّقت التّبَعية الإقتصادية (وبالتالي السّياسية) لبلدان “المُحيط” (أو “الأطْراف”) تجاه “المركز”، أو الدّول الرأسمالية العريقة، أو الدّول الإمبريالية، و”تخصّصت” بُلْدان المُحيط في تصدير المواد الخام، والمُنْتَجات الزراعية، التي انخفضت قيمتها، وأصبحت بعض مناطق العالم، خصوصًا في آسيا، مَصْنَعًا ضَخْمًا، مُلَوِّثًا للمحيط، ويعمل ملايين العمال برواتب منخفضة جدًّا، ساهمت في زيادة حصة رأس المال، وانخفاض حصة العمل، واستغلَّ رأس المال انخفاض ثمن المواد الأولية ورواتب العُمّال، لزيادة الإنتاج، وخلق فائض، فيما تراجعت القيمة الحقيقية للرواتب، في كافة بلدان العالم، إلى ما يُعادل قيمتها الحقيقية، قبل خمسة عُقُود، رغم ارتفاع إنتاجية العامل، في كافة البلدان، وأشار “جوزيف ستيغليتز” (البنك العالمي، ومستشار سابق في البيت الأبيض)، أن معدل الأجر الحقيقي للعامل الأمريكي العادي، سنة 2011، كان أقل قيمة مما كان عليه سنة 1968، وقد يؤدّي انخفاض القيمة الحقيقية للرواتب إلى خفض الطلب على الاستهلاك، وإلى أزمة عالمية…

انتشرت خلال العقود الأخيرة ظاهرة سلب أراضي صغار المُزارعين، لصالح الشركات الرأسمالية الكُبرى، مما يقضي على تنوّع الإنتاج الغذائي، وإلى تهجير الفلاحين نحو المدن الصناعية، ليدعموا جيش العاطلين الباحثين عن عمل، وليقع استغلالهم بأبشع الأشْكال…

من جهة أخرى، تغيّر دَوْر الدّولة في معظم الدول الرأسمالية (التي كانت دائمًا، ولا تزال تُمثل مصالح الرأسماليين)، وتَخَلّت عن دورها “المُعدِّل”، وتخلّت عن التّوظيف (في القطاع الحكومي، والقطاع العام) والإنفاق الإجتماعي، لزيادة دخل الفُقراء، وذوي الدّخل المُنخفض، وخفضت الدّولة الإنفاق على التعليم والصحة والنقل العمومي والمسكن “الإجتماعي”، والخدمات والمرافق العمومية، وزادت من الإنفاق العسْكري والأمْنِي، وفَرَضت معظم الحكومات (وعلى رأسها الولايات المتحدة) سياسات تقشف وخفض الإنفاق، لكنها ضخّت بسخاء، وبالمجان (بدون فائدة) أموال ضرائب الشعوب في خزائن المصارف والشركات الكٌبرى، وخفض الضرائب على أرباح الشركات، خلال أزمة 2007 – 2009، بذريعة حث الشركات على الإستثمار وإعادة تنشيط الدّورة الإقتصادية، لكن وبعد عشر سنوات، ارتفعت حدة الفَقْر والبطالة، وزادت الفوارق الطبقية، بين أثرى الأثرياء الذين ارتفعت ثرواتهم، والعُمال والأُجَراء والفُقراء، الذين انخفضت قيمةُ دَخْلِهِم الحقيقي…

من الحمائية إلى الفاشية:

يَعْتَبِرُ الباحثان “أوتسا باتنايك” و “براهمات باتنايك” (الهند) “إن لجوء دونالد ترامب إلى الحمائية في الولايات المتحدة، للتخفيف من مُسْتضوى البطالة، هو اعتراف واضح بوصول النّظام الرأسمالي النيوليبرالي العالمي إلى طريق مسدود، لأن القوعد القديمة لم تعد قابلة للحياة”، وأدّى ذلك إلى ارتفاع مستويات البطالة، ورغم الإنخفاض الظاهر لمستوى البطالة في الولايات المتحدة، فإن معدل مشاركة القوى العاملة انخفض إلى أقل مما كان عليه سنة 2008، مما يرفع المُسْتوى الحقيقي للبطالة في الولايات المتحدة إلى حوالي 8%، بدلاً من نسبة 4% الرسمية، لكنها مُضلِّلَة… ومن مظاهر الأزمة أيضًا، إغلاق الحدود، مما جعل الصين تُغِّرُ خططها بسرعة، للمحافظة على نَسَق النّمو، عبر رَفْع مُستوى الرواتب، ورفع الطلب الدّاخلي، عبر القُروض المُيَسّرة والحوافز، بدلا من الإعتماد على الصادرات، التي تُعرقلها إجراءات الحماية وزيادة الرسوم الجمركية الأمريكية، أما الدول الفقيرة التي ليست لها إمكانيات الصين، ولا سوقها الواسعة، فلجأت إلى صندوق النقد الدّولي، بعد انخفاض الإستثمارات الأجنبية المباشرة، وتعمّقت أزماتها المتمثلة في بُطء حركة الصادرات، وعجز الميزان التجاري، وصعوبات في ميزان المدفوعات، واعتمدت حكوماتها (من بينها حكومات المغرب وتونس ومصر والأردن) تدابير تقشفية، أدّت إلى انكماش الإقتصاد، وارتفعت قيمة خدمة الدّيُون، والتّدفقات المالية الخارجة من هذه الدّول، وبصورة عامة، أصبح صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي، ومؤسسات “بريتن وودز”، مُستعمرًا جديدًا، وصورة للهيمنة الإمبريالية، التي لا تُجَسِّدُها دولة أو شركة، وإنما مؤسسة دولية، تمثل مصالح رأس المال المالي الدولي، تهيمن عليها الولايات المتحدة والدّول الكبرى، وتسهر البرجوازيات الكمبرادورية المحلّية على توفير أدوات الهيمنة على جُهْد العمال والمنتجين، وعلى استنباط أَنْجَع الوسائل لقمع الشّعوب وإذلالها… وعمومًا، هناك تدهور مطلق في المستوى الغذائي لشريحة كبيرة من سكان العالم، رغم ارتفاع معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي، لكن توزيع ثمرة النمو، بشكل غير عادل، زاد من تدهور وضع الفُقراء، بمن فيهم العاملون في القطاع الموازي، أو في القطاع الرسمي، بعقود هشة، ورواتب ضعيفة، وأصبحت شرائح واسعة من شباب العالم، في الدول الإمبريالية أو في الدول الفقيرة، مُهمّشة، بفعل البطالة، وانخفاض مستوى العيش، وانسداد الآفاق، واتسغلت شرائح من الرأسمالية، انسداد الآفاق، وفشل الرأسمالية الليبرالية في تحقيق وُعُود النّمُو، لإعادة الحياة للأيديولوجية الفاشية، والإتجاه نحو عودة أساليب الحكم الفاشية التي ظهرت في أوروبا، خلال فترة ما بين الحَرْبَيْن العالميتَيْن، مُتعلّلةً ب”غَزْو المهاجرين” (القادمين من بلدان خَرّبتها أسلحة الإمبريالية) وب”الإرهاب” الذي خلقت وموّلت وسلّحت الإمبريالية الأمريكية والأوروبية منظماته وعناصره، في أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا واليمن وغيرها، وبينما تسعى الدول الرأسمالية المتقدمة إلى خلق تجمعات سياسية كُبْرى، مثل الإتحاد الأوروبي، وتجارية واقتصادية مثل “آسيان” ومجموعة شنغهاي وغيرها، قسّمت الإمبريالية الأوْطان والشعوب الواقِعَة تحت الهيمَنَة، إلى أقلِّيات عرقية وأثنية ودينية وغيرها من الأساليب القديمة، وفق قاعدة “فَرِّقْ تَسُدْ”، وأصبحت الفاشية في أعلى هرم السّلطة في الولايات المتحدة وفي العديد من البلدان الأوروبية، وفي اليابان والهند، وغيرها، وتدعم الإمبريالية الأمريكية عودة الحكم العسكري، والدكتاتورية في أمريكا الجنوبية، وإن اختلفت الأساليب، حيث أصبحت الشركات تدعم مُرشحين فاشِيِّين، يحترمون شكل الديمقراطية البرجوازية (على الأقل في بداية وجودها على رأس السّلطة )، مما يجعل بعض اليسار (الغَبِي) يُنْكِرُ وجود الفاشية، خلال القرن الواحد والعشرين، نظرًا لاختلاف مظاهر الفاشية بين ظاهرة ثلاثينات القرن العشرين، وشكل الحكم في الولايات المتحدة (ريغن وبوش الإبن ودونالد ترامب…)، وفي أوروبا (هولندا والنمسا وإيطاليا وألمانيا، وبعض بلدان أوروبا الشرقية)، وحكومة “أبي” في اليابان، وحكومة “مودي” في الهند… وهي أشكال تختلف عن فاشية سنوات ما قبل الحرب العالمية الثانية، بحكم التغييرات التي حصلت في هيكلة رأس المال الذي أصبح مُعَوْلمًا، ومتعدد الجنسيات وعابر للقارّات، وبحكم مقاومة الشّعُوب، كما بحكم التنافس بين القوى الإمبريالية، وإن لم يَصِل إلى حد الحرب من أجل إعادة تقاسم العالم، وبشكل عام فإن تأثير القوى الفاشية زاد، خلال العقود الثلاثة الأخيرة، سواء كان اليمين المتطرف في السّلطة، أم خارجها، وهناك “انزياح” نحو اليمين للقوى السياسية والنقابية، وما يسمى “المجتمع المدني”، وتوطّدت العلاقة بين القوى الفاشية الناشئة، ووسائل الإعلام، التي تُوفّرُ لها مساحة للدعاية السياسية والإيديولوجية، ورأس المال، سواء كانت القوى الفاشية في السلطة (إيطاليا وبولندا والمجر وأوروبا الشمالية…) أو خارجها…

بدأت القوى السياسية الليبرالية تهيئة الأرضية للفاشية، من خلال تخريب مكتسبات الأُجَراء (عقود العمل والمظلة الإجتماعية ومجانية التعليم والصحة…) ومن خلال التراجع عن الحريات الديمقراطية بذريعة مكافحة الإرهاب، وأصبحت الرأسمالية الليبرالية تُهدّد العمال والأُجراء بنقل الشركات والمصانع إلى مناطق أخرى، حيث تقل التكاليف والأُجُور، واستغلت الفُرصة لفَرْضِ العقود الهشة والعمل الموسمي وبدوام جُزْئي، وغير ذلك من الأساليب لتقويض أُسس نضال النقابات ومنظمات اليَسار، مما يَسَّر عودة القوى الفاشية (اليمين المتطرف)، بالتوازي مع عودة أساليب الإحتلال المباشر، بعد انهيار الإتحاد السوفييتي (أفغانستان والعراق…) والعدوان الحربي (يوغسلافيا وليبيا وسوريا واليمن…)، وهيمنة مُجمّع الصناعات العسكرية، في الولايات المتحدة، وفي أوروبا، بشكل أقل حِدّة، كما تُحاول الإمبريالية الإطاحة بالحكومات التي تُبْدِي أي نوع من المعارضة (إيران وروسيا وفنزويلا وكوبا وكوريا الشمالية…)، عبر فرض الحصار والعقوبات التجارية، وتجويع الشعوب، لكي تَنْتَفِضَ ضد الأنظمة الحاكمة، بدعم من الإمبريالية، مباشرة، أو عبر منظمات “غير حكومية” وأحزاب تابعة لرأس المال الأجنبي، وغير ذلك من الأساليب المُتنوِّعَة، مثل “الإنقلابات البرلمانية”، وتمويل الحملات الإنتخابية، والحرب الإقتصادية (تخريب شبكة الكهرباء في فنزويلا)، وتسمح هذه الأساليب بتوحيد القوى الإمبريالية، وتأجيل تنافُسِها، كما يخلق نوعًا من التلاحم “القومي” بين اليمين واليسار المائع في أوروبا، كما في حال فرنسا وتدخلاتها العسكرية العديدة، التي لا تلقى معارضة، بل تؤيّدها معظم القوى السياسية والنقابية، بدعم كبير من وسائل الإعلام التي تُمارس التّعتيم، عن عمد، لتصبح جزءًا من آلة الحروب العدوانية الإمبريالية…

آفاق، لتجاوز الهيمنة الإمبريالية:

في بلدان “الأطراف” أو “المحيط” أو “العالم الثالث”، يمكن تجاوز الأزمات بتطبيق برامج وخطط تهدف إلى تحقيق الإكتفاء الذاتي الغذائي وتصنيع وتصدير الفائض من الإنتاج الفلاحي، وبعض المواد الأولية، مع عدم تبديد الثروات المتوفرة، كالمعادن، والمحروقات، أو الثروات الطبيعية كالمياه والأراضي الزراعية، ولن يكون هذا الانتقال سهلاً، لأنه يتطلب تغييرات هيكلية للإقتصاد، والتفافًا شعبيًّا، مُعارضًا وزمُتَحَدِّيًا لأوامر وتهديدات صندوق النقد الدولي (وهو يُمثل مصالح الدول الإمبريالية)، ويتطلب أيضًا الإستثمار المُكثف في الفلاحة وحماية الإنتاج المَحلِّي، عبر تشجيع أشكل الإنتاج التّعاوُني، على الصعيد المَحلِّي، واتفاق مع الجيران على تكثيف التبادل والتعاون الإقتصادي، وتسهيل حركة المواطنين والسلع، وتكمن الصعوبة في تطبيق خطط بديلة، قابلة للإنجاز على مدى قصير، ليشعر المواطن العامل والمزارع والفقير بتغيير إيجابي في حياته المادّية اليومية، مع فتح آفاق للشّباب الذي يُعاني من البطالة ومن الإحباط، وخلق مناخ من الإطمئنان، عبر مُشاركة الموانين في تصميم وتطبيق وتقويم إنجاز البرامج والخطط والمشاريع…

أوتسا باتنايك أستاذ فخري في مركز الدراسات الاقتصادية والتخطيط بجامعة جواهرلال نهرو في نيودلهي. من كتبها التمايز بين فئة الفلاحين (1987)، والانتقال الطويل (1999)، وجمهورية الجوع ومقالات أخرى (2007).

برابهات باتنايك أستاذ فخري في مركز الدراسات الإقتصادية والتخطيط بجامعة جواهرلال نهرو في نيودلهي. من كتبه التراكم والإستقرار في ظل الرأسمالية (1997)، وقيمة المال (2009)، وإعادة تصور الاشتراكية (2011).

بتصرف، عن مونثلي ريفْيُو” – تموز/  آب 2019 + موقعكنعان” (بالإنغليزية) 16/07/2019

النص الإنكليزي على الرابط التالي:

 Neoliberal Capitalism at a Dead End

by Utsa Patnaik and Prabhat Patnaik

https://kanaanonline.org/en/2019/07/16/arundhati-roy-on-indias-elections-a-mockery-of-what-democracy-is-supposed-to-be-by-samuel-earle/

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.