نقد نظرية «نمط الإنتاج الكولونيالي»، نايف سلوم

ثمّة ضرورة لفتح نقاش بخصوص ديالكتيك نمط الإنتاج ــــ التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية أو علاقة نمط الإنتاج mode of production بالتشكيلة الاجتماعية الاقتصادية socioeconomic structure في بلد بعينه، سواء أكان متطوراً من الناحية الصناعية أم متخلّفاً. وقد أسيء فهم علاقة نمط الإنتاج بالتشكيلة الاجتماعية الاقتصادية من جهتين: 

الأولى، لجهة تصنيف المجتمعات بمعيار مزدوج؛ يعتمد على علاقات الإنتاج وقوى الإنتاج كليهما معاً، ما خلق بلبلة في التصنيف وغموضاً، وهذا ما قام به إيف لاكوست عند حديثه عن “نمط الإنتاج الآسيوي” في كتابه “جغرافية التخلف”، أو تصنيف قائم على توصيف التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية، وهذا ما قام به المفكر الهندي جايروس باناجي Jairus Banaji في مقالته “النمط الكولونيالي للإنتاج” (1972) The Colonial Mode of Production. ومن بعده مهدي عامل في كتابه الشهير “مقدمات نظرية ــــ في نمط الإنتاج الكولونيالي” (1975)، حيث يتم تصنيف نمط البنية الكولونيالية على أنه كولونيالي بناءً على مواصفات البنية. أي بناءً على سمات ومواصفات الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج في مجتمع بعد الاستعمار. هكذا يصبح لدينا عدة أنماط إنتاجية في الرأسمالية: نمط رأسمالي تجاري، ونمط رأسمالي صناعي، ونمط رأسمالي مالي أو إمبريالي نضيف إليه رابعاً كولونيالياً في مجتمعات الهامش الرأسمالي بعد الاستعمار! ومع أن مهدي عامل يدعو إلى التدقيق في أدوات الفكر عند مقاربته الواقع، فهو لم يقدم أي تعريف أو نقد لمفهوم “نمط الإنتاج”.
لكن جميع هذه التسميات ما هي إلا مراحل في تاريخ توسع النمط الرأسمالي للإنتاج منذ ظهوره على المسرح الأوروبي الغربي، من رأسمال تجاري إلى رأسمال صناعي (1760-1870) إلى رأسمال مالي، (ماجدوف الإمبريالية 1978). يكتب ماركس: “لقد كان القرن الثامن عشر قرن التجارة، هذا ما يقوله بنتو بكل وضوح” (الأيديولوجية الألمانية 1845).
وهناك تصنيف ثالث يرصد وجود عدة أنماط للإنتاج متزامنة في تشكيلة واحدة، لكن التصنيف هذا لا يأخذ باعتباره مسألة تطور هيمنة نمط مسيطر متفوق فيها، كدخول النمط الرأسمالي الغربي على بنى اجتماعية اقتصادية سابقة. بالطبع تأخذ عملية الهيمنة زمناً انتقالياً، وكذلك تحلل النمط القديم أو إعادة تشكله وتكيفه. هنا يظهر مفهوم تعايش الأنماط بجانب بعضها البعض مع وجود علاقة هيمنة لأحدها على بقية الأنماط الآفلة. مثال بقايا مشاعات فلاحية ضمن إطار نمو الرأسمالية في روسيا أواخر القرن التاسع عشر.
الثانية، لجهة إرجاع التخلف الذي تعانيه بلدان كثيرة في العالم بشكل أساسي إلى تأخر في تطور القوى المنتجة، وبالتالي يظهر الفارق بينه وبين التطور الصناعي فارقاً كمياً فحسب، وكأن لا شأن لطبيعة الطبقات المسيطرة في هذه البلدان بالأمر، ولا للسياسات الإمبريالية العسكرية والمالية والتجارية، والتي تشكل بشكل لافت عقبة خارجية تاريخية في وجه التقدم الاجتماعي والتطور الصناعي (في وجه التحديث). هذه النظرة مأخوذة بالعيب التقنوي في فهم التخلف والتقدم وهي تميل إلى تصنيف المجتمعات وفق درجة تطور القوى المنتجة، لا وفق شكل علاقات الإنتاج (علاقات الملكية) المسيطرة. لقد تم رصد حركة البنية الكولونيالية أو مجتمعات ما بعد زوال الاستعمار المباشر وفق قانون ماركسي جرت تسميته بـ”التطور المشترك اللامتكافئ” البورجوازية الإمبريالية والبورجوازية الكولونيالية شركاء غير متساوين، حيث تطور الواحدة تخلف للأخرى (تيرنر، “ماركس ونهاية الاستشراق”، 1978) بمعنى أنه لا يمكن رصد تطور مجتمعات الأطراف الرأسمالية أو البنية الكولونيالية بمعزل عن اقترانها وتبعيتها لنمو التطور في المراكز. أيضاً هذا التطور غير متكافئ بين بنية الأطراف وبنية المراكز الإمبريالية، حيث ينمو التخلف هنا وينمو التطور الصناعي هناك (هنا قوى منتجة متخلفة، وهناك قوى منتجة متطورة في ترابط وتزامن). يقول بريان تيرنر: لقد بنيت هجومي المضاد للصورة الاستشراقية للشرق الأوسط بأن شروط التطور في الأطراف الرأسمالية تغيرت جوهرياً بعد تأسيس المراكز العالمية للرأسمالية الإمبريالية. تفشل النظرية الداخلية للتطور (الاستشراق الذي يؤكد على السمات الداخلية للمجتمعات الشرقية ما قبل الاستعمار) بالإمساك بأهمية هذه العلاقة العالمية، فتستمر النظرة الاستشراقية في طرح أسئلة غير مجدية. حول التطور الرأسمالي التلقائي (وعقباته الداخلية المزعومة كالثقافة الإسلامية، وغياب المنظّمين، وغياب الطبقة الوسطى البورجوازية… الخ). إن عدم المساواة وعدم التكافؤ المشتركين بين المراكز والأطراف يشكلان السمة المسيطرة للتطور في مجتمعات الأطراف… بحيث تسقط كل الافتراضات عن الأهمية العالمية للنماذج الأوروبية للتطور (الثورة البورجوازية، والطبقة الوسطى الخ) على أساس هذه المناقشة للرأسمالية الطرفية.

يضيف تيرنر “إن نمط الإنتاج هو وحدة معقدة لعلاقات الإنتاج وقوى الإنتاج، حيث تشكل علاقات الإنتاج العنصر المسيطر في تلك الوحدة”.
إن تمييز باناجي بين علاقات الاستغلال (عبودية، قنانة، عمل مأجور أو أجير) وبين علاقات الإنتاج أو أشكال تملّك وسائل الإنتاج لا يقدم أي فارق على مستوى التصنيف العام لنمط الإنتاج (حسب تيرنر)، لأنه ببساطة يمكن تقديم هذا الفارق للاستغلال بين المرحلة التجارية للنمط الرأسمالي ومرحلتيه الصناعية والمالية لاحقاً. يكتب ماجدوف: “يختلف التوسع العالمي لأوروبا الغربية ما بين 1760-1870 في نواح عدة مهمة عن توسعية القرون السابقة واستعماريتها. فمع نشوء الثورة الصناعية… واستمرار انتشار التصنيع في الدول بانية الإمبراطوريات، طرأ تغير في استراتيجية التجارة مع العالم المستعمَر (بالفتح) ، فبدلاً من أن تكون الدول الصناعية مشترية لبضائع الدول المستعمَرة، كما في الماضي، أصبحت الدول الصناعية بائعة تبحث بشكل متزايد عن أسواق لتصريف الحجم المتزايد من بضائعها التي تنتجها الآلات” (ماجدوف: الإمبريالية) وبات نمط الإنتاج الرأسمالي مع هذا التحول مدمراً للأنماط السابقة له في مجتمع المستعمرات.
إن النظرة التي تتخذ من النمط والتشكيلة الاجتماعية الاقتصادية مرجعين للتصنيف تجهل العلاقة التي تحكم الجوهر بالمظهر أو العلاقة الإمبريالية بصورها وتمظهراتها، وبالتالي هي نظرة مأخوذة بالفلسفة الكانطية القديمة والجديدة التي تفصل الجوهر عن تمظهراته وتجلياته الفعلية فصلاً ميكانيكياً، أي تجهل أن العلاقة الإمبريالية الرأسمالية تظهر في البلدان الرأسمالية المتقدمة تطوراً في القوى المنتجة، وفي البلدان المتخلفة تأخراً في هذه القوى. ويشكل التطور في الأولى سبباً رئيسياً للتأخر في الثانية بحكم علاقات الإنتاج الرأسمالية المسيطرة وعلاقات التبعية. إن العلاقة الكولونيالية تظهر كصور للتخلف الاجتماعي في الأطراف. إن العيب الأساس الذي تشكو منه فكرة مهدي عامل عن “نمط إنتاج كولونيالي” هو توصيف العلاقة الإمبريالية التي تتمظهر تخلفاً في هوامش النظام الرأسمالي على أنها “نمط إنتاج” مختلف عن النمط الرأسمالي، تحكمه علاقات ملكية مختلفة (أي علاقات غير علاقات الملكية الرأسمالية الخاصة). وما الكولونيالية بالأساس سوى صورة العلاقة الإمبريالية بين المراكز الميتروبولية الرأسمالية الإمبريالية والبلدان الرأسمالية المتخلفة. إضافة إلى أن فكرة “نمط الإنتاج الكولونيالي” تنسف فكرة كونية الماركسية التي يدافع عنها مهدي عامل بشكل محق عبر ديالكتيك “التمايز في الكونية”، وعبر التفريق الجيد بين التميز ضمن البنية الواحدة والخصوصية التي تدعي العزلة عن آثار فعالية العلاقة الكولونيالية. إن نظرية “النمط الكولونيالي للإنتاج” لديها قرابة ما مع الخصائص الداخلية التي تقدمها الصورة الاستشراقية.
لا يستفيد مهدي عامل بهذا الخصوص من تفريقه في القسم الأول من كتابه “مقدمات نظرية” ــــ في التناقض ــــ بين التناقض لدى هيغل الذي يماثل بين طرفَي التناقض، وبين التناقض الماركسي الذي يؤكد على اختلاف النقيضين في الوحدة وعدم تماثلهما، (البروليتاريا والبورجوازية ضمن التشكيلة الرأسمالية). وهذا الفشل في الاستفادة من المقدمة النظرية له مصدران: إما أن مهدي شُبّه له أن البورجوازية الكولونيالة هي نقيض البورجوازية الإمبريالية، أي أن التناقض الرئيسي في البنية الرأسمالية العالمية هو بين هاتين الطبقتين، وهذا أمر واضح فساده لأن الطبقتين موقعهما واحد في العملية الإنتاجية للرأسمالية، فكلتا الطبقتين مالك لوسائل الإنتاج حسب قدره. بالتالي التناقض بينهما ثانوي. بينما التناقض الأساس هو بين الطبقات الكادحة في مجتمعات الأطراف من جهة، والبورجوازية الإمبريالية من الجهة الأخرى، حيث همشت صراعها مع البروليتاريا في المراكز على حساب مجتمعات الأطراف. المصدر الثاني أن فكرة النمط قائمة على صفات جوهرية في البورجوازية الكولونيالية، منها تدني قواها المنتجة، وهذا التصنيف يترتّب عليه: عدم كونية أو عالمية الرأسمالية، ونعود ثانية إلى نظرية السمات الداخلية الاستشراقية، وثالثاً يغدو واجباً أن تنجز البورجوازية الكولونيالية ثورة “بورجوازية” على النمط الرأسمالي الأوروبي حتى تخرج من التخلف التاريخي. كما أنها تتلاقى مع خطأ إيف لاكوست في اعتماده في تصنيف أنماط الإنتاج على خليط من قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، حيث يظهر لديه نمط آسيوي نهري، وآخر تجاري. والأصح أن النمط الآسيوي يظهر عبر بنيتين، واحدة في أودية الأنهار الكبرى في مصر والرافدين، وأخرى في سهوب سوريا وشمال إفريقيا والحجاز والأناضول ومنغوليا.
ما من شك في وجود فروق مهمة وتاريخية بين التشكيلة الرأسمالية الكولونيالية من جهة، والتشكيلة في المراكز الإمبريالية. وقد رصد أدب التخلف بعد الحرب العالمية الثانية سمات البنية المتخلفة لجهة تخلع بناها الاجتماعية الاقتصادية… ولجهة تبعيتها للمراكز الإمبريالية.
إن من يعتمد فكرة تطور القوى المنتجة كأداة لتصنيف المجتمعات المعاصرة وتحديد نمط إنتاجها يخرج بعشرات الأنماط المتنوعة. تصنيف نمط الإنتاج حسب علاقة الإنتاج الرأسمالية المسيطرة في مراكز النظام الرأسمالي وأطرافه يشير إلى قضية بالغة الأهمية، وهي أن التناقض بين تطور قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج يأخذ طابعاً حاداً في أطراف النظام، وهو ما يسمى بتنمية الميول المضادة في النظام الرأسمالي تجاه ميله أو قانون عمله الأساس وهو التناقض الذي يحكم عمله: التناقض بين تطور قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج. فكلما وجدت قوى الإنتاج البيئة المناسبة للنمو في المراكز، سلكت درباً معاكساً في أطراف النظام الرأسمالي الإمبريالي ودفعت كتلة كبيرة من الطبقات الشعبية المفقرة نحو تحويل هذه العلاقة للإنتاج، أي دفعتها للمطالبة بتحويل الملكية الخاصة الرأسمالية لوسائل الإنتاج إلى ملكية عامة، نحو نمط اشتراكي ماركسي يلغى فيه كل تملك لوسائل الإنتاج. 
إن دخول العلاقة الرأسمالية على تشكيلات خراجية/ جبائية سابقة للرأسمالية في البلدان العربية عبر الاستعمار المباشر أسس لهذه العلاقة الكولونيالية، وكل محاولة من قبل أي بلد متخلف لتجاوز هذه العلاقة سوف تواجه بقمع إمبريالي شديد، ومثال إيران بعد ثورة 1979 حاضر ومعاصر.
لقد صنف ماركس في أبحاثه أنماط الإنتاج حسب علاقات الإنتاج السائدة أو المسيطرة في التشكلية، فذكر النمط الآسيوي والقديم (الروماني ــــ اليوناني) والجرماني والعبودي والإقطاعي والرأسمالي. وعلى أساس تحويل الأخير؛ الاشتراكي. وكانت أشكال الملكية أساس التصنيف. أما قوى الإنتاج، فتأتي لتنقلنا بتطورها وتراكمها من نمط إلى نمط. فكل علاقة للملكية تعيق تطور هذه القوى، فهي عرضة للتحطيم والتحول نحو علاقة إنتاج تفسح المجال أكبر لتطور القوى المنتجة. بهذا الشكل، تشكل علاقات الإنتاج الرأسمالية أو علاقات الملكية الخاصة الرأسمالية لوسائل الإنتاج عقبة في وجه تطور قوى الإنتاج في أطراف النظام الرأسمالي الإمبريالي. وكلما تمردت الأطراف على العلاقة الإمبريالية، تحركت الطبقات الهامشية والفئات الاجتماعية المبعدة عن الرفاه الرأسمالي في المراكز نفسها نحو الاحتجاج والتمرد. 
أخيراً، يوجد تفسير ثقافوي طريف في البلدان المتخلفة التي يسود فيها الدين الإسلامي والثقافة الإسلامية، حيث يرجع أصحاب هذا الرأي (النظرة الاستشراقية) التخلف إلى وجود الإسلام والثقافة الإسلامية. وهذا ما سوف أسميه على سبيل الدعابة بـ”الاقتصاد الثقافوي الإسلامي للتخلف”. هذا الرأي سخيف، ولا يحمل أي قيمة في نقاش الاقتصاد السياسي للتخلف. لكنه يؤدي دوراً في تمظهرات العلاقة الكولونيالية، حيث تظهر الأخيرة على شكل نظام طائفي، مثال لبنان. لقد رافقت ثقافة الإسلام صعود الإمبراطورية العربية الإسلامية ورافقت انحطاطها ومعها سيطرة المماليك والعثمانيين ورافقت الغزو الاستعماري الغربي للشرق الأوسط. فما علاقة ثقافة الإسلام بالتخلف؟! إن الكولونيالية كصورة للسيطرة الإمبريالية والتبعية والتخلف تعيد إنتاج أشكال قديمة ما قبل رأسمالية من الروابط الاجتماعية بشكل مشوّه ورثّ.

* كاتب وباحث سوري

:::::

 “الأخبار”

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.