في جبهة الأعداء، بريطانيا، الطاهر المعز

لم تكُن مواقف بريطانيا السياسية، في يوم ما، مُناصِرَةً للشعوب المُضْطَهَدَة، بل مَثّلت بريطانيا القوة الإستعمارية والإمبريالية الأولى في العالم، وتركت قنابل سياسية موقوتة في آسيا وإفريقيا، وفي الوطن العربي، حيث، ومنذ قرْن، “تبرّعت” الإمبريالية البريطانية، بما لا تملك (فلسطين)، لمن لا يستَحِقّ (الحركة الصّهيونية)، ولا يزال الشعب الفلسطيني (ومعه الشعوب العربية) يُعاني من نتائج السياسة الإستعمارية البريطانية، التي تعتمد على ثوابت يشترك في إقرارها وتنفيذها الحزبان اللذان يتقاسمان الحُكْم، حزب العمال وحزب المُحافِظِين…

استقالت رئيسة الوزراء “تيريزا ماي”، رسميًا من منصبها، خلال شهر حُزيْران/يونيو 2019، إثر فشل خطتها لخروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي، وعيّن حزب المُحافظين، يوم الثلاثاء 23 تموز/يوليو 2019، “بوريس جونسون”، الذي كان وزيرًا للخارجية، زعيمًا لحزب المحافظين، وبالتالي رئيسًا للوزراء، خلفًا لتيريزا ماي المُسْتقيلَة، وَوَرثَ بذلك ملفّات ساخنة، ومُعقّدَة، وجب حلّها سريعًا، ومن بينها، شُرُوط الخروج من الإتحاد الأوروبي، وتهدئة أو تسوية الأزمة مع إيران، التي تصاعدت حدّتها، قبل أُسْبُوعَيْن من تولِّي “بوريس جونسون” منصبه الجديد…

كان “بوريس جونسون” وزيرًا للخارجية في حكومة تيريزا ماي من 2016 إلى 2018، وهو يحمل الجنسيتَيْن الأمريكية ‘(بحكم مولده في الولايات المتحدة) والبريطانية… اشتهر بمواقفه وتصرفاته الإستفزازية، ويضاهي في بذاءته “دونالد ترامب” (مِثالُهُ الذي يُريد الإحتذاء بِه في ميدان السياسة وإدارة شؤون البلاد، وفي مجال السياسة الخارجية)، وتسبب في خساائر مالية كبيرة، عندما كان رئيس بلدية لندن (من 2008 إلى 2016)، بسبب مشاريع مكلفة وغير مدروسة بدقة، وغير مجدية، وكان من أكبر الدّاعين للخروج من الإتحاد الأوروبي، في استفتاء حزيران/يونيو سنة 2016…

بالنسبة لقضايانا كعرب، أعلن “بوريس جونسون” إنه “صهيوني حتى النّخاع”، وإنه مُعجَبٌ بالرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، وأدْلى بتصريحات مُعادية للمهاجرين وللمسلمين، وأكّد ذلك في مقالات مكتوبة، منذ 2005 (على الأقل)، وكان في كتاباته الصحفية يكذب ويختلق أحدثًا تاريخية لم تقع أصلاً، وينسب بعض الأقوال إلى أناس، إما غير موجودين، أو لم يكتبوا ما نسبه لهم، أو عاشوا في فترة غير الفترة التي يَذْكُرُها “جونسون” في مقالاته، وكتب سنة 1988 مقالاً في صحيفة “تايمز”، نَسَبَ فيها إلى الملك “إدوارد الثاني”، أحداثًا وقعت في سنة 1325، مع شخص أُعْدِمَ قبل 13 سنة (1312)، وأطردته صحيفة “تايمز” لأنه اختلق اقتباسًا، ونسبه إلى باحث جامعي…

وصفت “سافلي روبرتس”، عضوة البرلمان البريطاني عن حزب “بلايد كامري” الويلزي، زعيم حزب المحافظين الجديد بوريس جونسون بـ “المهرج الذي أصبح رئيسا للوزراء”، وأعربت الوزيرة الأولى في اسكتلندا (حكم ذاتي داخل بريطانيا) عن مخاوفها ومخاوف الاسكتلنديين من أرائه المتطرفة، وغير المتوازنة…

نعود إلى مسألة صُهْيُونيته “حتى النّخاع” التي عَبَّرَ عنها في كتاباته الصحفية منذ 1988، كما عَبّر عن مُعارضة شديدة لنشر أي إعلام عن خرق الكيان الصهيوني، لما سُمِّي “القانون الدّوْلي”، منذ 2005 على الأقل (في مواقفه المَكْتُوبة) أعْلَنَها، ولا يقتصر الأمر على مواقف رئيس الحكومة البريطانية الجديد، بل تُظْهِرُ سيْرتُهُ الذّاتِية إنه تطوع مع شقيقَتِهِ، مُبكِّرًا، في سن الشّباب، سنة 1984 (بعد أقل من سنتيْن من غَزْو لبنان، وما أثاره ذلك من احتجاجات في شوارع بريطانيا)، وعَمِلاَ في مستوطنة (كيبوتس) “كفار هنسي” الواقعة في “الجليل” المُحتل سنة 1948، ويفتخر “جونسون” بأنه “تطوَّعَ من أجل الرّبّ”، ويعترف إن الفترة التي قضاها في المُسْتوطَنَة الصهيونية، حَوّلَتْهُ “من صُهْيُوني مُقتنع، إلى صهيوني متحمس”، بحسب عبارته وأعلن إنه “مُعْجَب، وداعمٌ ومُنْحاز لإسرائيل ولسياساتها، دون احتراز…”، وطبّق ذلك عندما كان رئيسًا لبلدية العاصمة “لندن”، ثم عندما أصبح وزيرًا للخارجية…

تمر العلاقات البريطانية الصهيونية بمرحلة مُمتازة ومتطورة، من وجهة نظر المُسْتعمِرِين الصهاينة، على مستوى تبادل الأخبار والمعلومات والبحوث الأمنية والإستخبارية، بين جهاز “موساد” الصهيوني والخلية الخامسة للمخابرات الحربية البريطانية، وأوْرَد الموقع الإلكتروني للصحيفة الصهيونية “يديعوت أحرونوت” إن حكومة “تيريزا ماي” تُشارك حكومة العدو رؤيته للقضايا الدولية، وهي “أكثر تفهُّمًا لسياسة ومواقف وأعمال إسرائيل من الرأي العام البريطاني” وتَتَفَهّمُ تيريزا ماي “التحديات التي تواجه إسرائيل، وطوّرت معها العلاقات الاقتصادية والسياحية والتجارية، التي أصبحت في ازدهار مستمر”، فكيف سيكون الحال إذًا مع خَلَفِ تيريزا ماي، “الصهيوني المُتَحَمِّس” (كما يصفُ نفسه)، ويُتوقّع أن يتطوّر مستوى التعاون السياسي، وفي مجالات التكنولوجيا والتقنية الدّقيقة، وأن تزيد بريطانيا من دعمها للكيان الذي أنشأتْه (منذ وعد بلفور)، خصوصًا مع وجود دونالد ترامب على رأس أمريكا، ومُجاهَرة آل سعود وصَحْبُهُم بالتطبيع، وضُعْف حركات المُقاوَمَة، حاليا…

عندما كان رئيسًا لبلدية “لندن”، زار “جونسون” فلسطين المحتلة، سنة 2015، وعبّر عن ابتهاجه “بإنجازات” الإحتلال، في مقابلة مع محلق صحيفة “يديعوت أحرونوت”، واغتنم الفُرصة لمهاجمة حملة المقاطعة، وفي شهر شباط/فبراير 2016، عندما كان رئيس بلدية لندن، أصْدَرَ أوامر فَوْرِية، لإزالة ملصقات حملة المُقاطعة التي تَعْرِضُ، في محطات قطار الأنفاق، جوانب من جرائم الاحتلال الصّهيوني، وأعلن في حديث للصحيفة الصهيونية “يديعوت أحرونوت” أن “حملة المقاطعة الدولية للدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط فكرة غبية… أطْلَقَها عددٌ صغير من اليسار الجامعي الذين لا يمثلون الباحثين والأكاديميين، ولا يُمثّلُون التيارات السياسية الرئيسية في الغرب”، وَوَصَفَ المُشاركين في حملة المُقاطعة ب”المجانين، الذين يحقدون على الدولة الديمقراطية والتّعَدُّدِيّة الوحيدة، والتي تنفرد بوجود مجتمع مفتوح…”

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.