بسام الشكعة صوت الكرامة الوطنية الفلسطينية، نضال حمد

عاش بسام الشكعة 89 عاماً كانت كلها لفلسطين الكاملة، منذ الولادة حتى الشهادة. لم يتزحزح عن خندق الثورة والمواجهة والمقاومة، خاض معركة شعبه بثقة الفارس المؤمن بحتمية الانتصار، بأيمان الفدائي الذي لا يتعب ولا يستكين. بثقافة مقاومة عالية الجودة، معززة بمخزون كبير وفائض من الكرامة الشخصية والوطنية والقومية.

بقي ثابتا على مواقفه الصلبة حتى في أحلك وأصعب الظروف، فعندما اجتاحت فلسطين المحتلة رياح الاستسلام والتنازلات، رياح الأوسلة على كل الصعد، وقف بوجهها كصخرة من جبال جرزيم، جبال النار، فرفض الالتحاق بصف المهزومين، وواجههم بثقة الفارس الذي حمل روحه على راحته وسار على درب الجلجلة.

بالرغم من العملية الإرهابية الصهيونية التي أدت الى تفجير سيارته وبتر ساقيه في الثاني من حزيران – يونيو سنة 1980، لم يتراجع أبو نضال الشكعة، الأمين على نابلس وكل فلسطين، عن درب المقاومة الذي اختاره منذ نكبة شعب فلسطين، حيث كان جنديا فدائيا في صفوف الثوار الفلسطينيين والعرب، مدافعاً عن عروبة ووحدة الوطن العربي ومقاوماً لأجل تحرير فلسطين كل فلسطين. ومن أجل وحدة الأمة العربية ذات الرسالة الواحدة الخالدة. فبالرغم من كونه بعثي الانتماء والجذور، إلا أنه آمن ايماناً عميقاً وحقيقياً بالمشروع الوحدوي القومي للزعيم الخالد جمال عبد الناصر، فوقف ضد الانفصال وتعطيل الوحدة، مما اضطره لدفع ثمن مواقفه، ملاحقة واعتقال وسجن ونفي وابعاد. لكن مع مرور الزمن تبين صحة موقفه وخطأ مواقف الآخرين.

بعد نجاته من محاولة الاغتيال قال بسام الشكعة وكان يومها لازال رئيسا لبلدية نابلس: “إن استطاعوا قطع أقدامي فلن يستطيعوا قطع نضالي”. وهكذا واصل النضال والمواجهة بعزيمة أقوى وإرادة أمتن. لم يرضى بالبدائل وأصر على أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب العربي الفلسطيني. وأكد كلامه هذا لوزير الخارجية البريطانية آنذاك، الذي التقى به حين دعته بريطانيا للعلاج في مستشفياتها، وكانت بريطانيا يومها لا تعترف بالمنظمة كممثل لشعب فلسطين وتعتبرها منظمة إرهابية. فبينما حافظ بسام الشكعة على المنظمة وشرعيتها ووحدانية تمثيلها كانت قيادة المنظمة فيما بعد تتجه نحو ما يسمى بالسلام، هذا السلام الذي أدى بها الى الاستسلام، ومن ثم تحويل منظمة التحرير الفلسطينية الى كيان بلا مقومات وبلا ميثاق وطني وقومي، وبلا أهداف استراتيجية، وبلا حتى برنامجها المرحلي بكل علاته، وبلا موقف وبلا صبغة وطنية، منظمة اعترفت بوجود الكيان الصهيوني على أرض الشعب العربي الفلسطيني مقابل فتات، مقابل سلطة مسخ، فغدت سلطة المسخ والتنسيق الأمني تدعي انها الممثل الشرعي والوحيد لشعب الشهداء والفداء والعطاء، بالرغم من أنها ليست شرعية ولا وطنية ولا وحيدة، ولا تعبر عن رأي غالبية شعب فلسطين في الداخل والخارج. بل هي وصمة عار على جبين كل فلسطيني، فإزالتها ومسحها عن الوجود واجب وطني وقومي، وعامل أساسي لاستعادة وحدة الشعب والمنظمة، ولإعادة تصحيح وبناء المشروع الوطني والقومي، التحرري الفلسطيني.

انتخب بسام الشكعة رئيسا لبلدية نابلس عام ٧٦، وعمل خلال تسلمه رئاسة البلدية على تحسين وتطوير أوضاع مدينة نابلس، وعلى مساعدة الفقراء والمسحوقين، وبالمقام الأول على مواجهة الاستيطان والاحتلال. ففي زمنه تراجع الاستيطان تحت الضغط الشعبي الفلسطيني الرافض والمقاوم له، بينما في زمن سلام الشجعان وجماعة أوسلو ازداد الاستيطان مئات المرات.

عمل الشكعة على تعزيز دور الطلبة والشباب في العملية النضالية اليومية. وحظي بمحبة واحترام الجماهير في نابلس وكل الضفة الغربية وكل فلسطين. فقد كان من أهم الشخصيات الوطنية الجماهيرية المبجلة في فلسطين المحتلة.

لم تستطع اتفاقيات أوسلو أن تغريه أو تكسر ارادته، فوقف ضدها وضد المجموعة التي اختطفت تمثيل شعب فلسطين، مما أدى به لأن يعيش في بيته بنابلس محاصرا لمدة خمس سنوات من قبل جيش الاحتلال الصهيوني. لكنه صمد وكسر الحصار وانتصر.

اتخذ الشكعة مواقف وطنية جريئة وقوية ومستقلة، بعد توقيع اتفاقية أوسلو عبر عن مواقف شجاعة ومعارضة لسياسة الراحل ياسر عرفات، الذي بدوره عجز عن كسر مواقف ومعارضة بسام الشكعة لسياساته الانحرافية والانهزامية. وسوف يسجل التاريخ لبسام الشكعة مواقفه تلك ويخلدها، وسيذكر أيضا أن الراحل ياسر عرفات بكل قوته وجبروته لم ينجح في تطويعه، كما فعل ونجح مع كثيرين، ولا في جعله يوافق أو يغض النظر عن التنازلات التي وقعت في اتفاقية أوسلو المشينة وغيرها من الاتفاقيات التي تلتها.

بسام الشكعة أيقونة النضال القومي في فلسطين المحتلة عمل حتى وفاته يوم 22-7-2019 وهو يصادف يوم اطلاق الرصاص على قلب هجوم منتخب ثقافة المقاومة العربية الفلسطينية، الفنية والثقافية والإعلامية، الفنان الشهيد ناجي العلي في لندن سنة 1987. حيث أطلق مرتزقة المستسلمون، المطبعون الرصاص على ناجي، مات ناجي جسداً لكنه بقي حياً مع شعبه وفي رسوماته، مع بسام الشكعة وملايين المقاومين والمناضلين من شعب فلسطين وأمتنا العربية. رصاص المجرمين القتلة أوقف قلب ناجي العلي ولم يوقف قلب بسام الشكعة، الذي استمر في نضاله ضد الصهاينة المحتلين، وضد المدرسة الفاسدة، المفسدة التي أوصلتنا الى أوسلو وأخواتها.

نفهم أكثر صلابة هذا الرجل الكبير عندما نستمع أو نقرأ حديث سابق لبسام الشكعة ادلى به لشبكة سي إن إن، جاء فيه: “إن استطاعوا قطع أقدامي فلن يستطيعوا قطع نضالي، وأراد لي الصهاينة أن أموت، ولكن الله منحني الحياة لكي أكمل رسالتي في الدفاع عن فلسطين، عربية حرة، كل فلسطين وحق كل عربي أن يدافع عن فلسطين، لأنها قضية الشعب العربي والأمة العربية، وهي قضية قومية عربية”.

كم كنت محظوظا إذ سنحت لي الفرصة اللقاء بأبي نضال الشكعة في قلب دمشق، عاصمة المقاومة العربية، حصل هذا اللقاء الجميل قبل سنوات على هامش مؤتمر لدعم الانتفاضة ونهج المقاومة ومن أجل حق العودة. كان بسام الشكعة يجلس على عربته المتحركة بدون ساقيه، وكنت بقربه اقف متكئاً على عكازتي بدون ساقي. رأيته ثابتا وصلبا وسمعت منه كلاماً شحنني بالأمل والعنفوان.

لروحه السلام وعلينا الوفاء.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.