الطاهر المعز: ​(1) خبر وتعليق في ذكرى ثورة يوليو، (2) جاوَز الحُكّام العرب المُطبِّعُون المَدَى

(1)

خبر وتعليق: في ذكرى الثالث والعشرين من تموز 1952

الخبر:

نقلت وسائل إعلام أمريكية ملخّص حديثَيْن أدْلى بهما مبعوث الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” للشرق الأوسط “جيسون غرينبلات”، لقناتَيْن تلفزيونيتَيْن أمريكيّتَيْن، بشأن مهمة تصفية القضية الفلسطينية التي كُلِّفَ بها، وكان الحديث الأول مع شبكة ” بي بي إس” ( PBS ) بتاريخ 13 تموز/يوليو 2019، ويتلخص محتوى تصريحه في اعتبار الكيان الصهيوني “ضحية في الصراع مع الفلسطينيين… لم ترتكب إسرائيل أي أخطاء تجاه الفلسطينيين خلال عقود النزاع، لذلك أنا أُعارض تسمية التجمعات السكنية (الصهيونية) في الضفة الغربية بالمُسْتَوْطَنات، لأن الضفة ليست أراضي محتلة، بل أراضٍ متنازع عليها…”

كان الحديث الثاني، بعد يَوْمَيْن، مع شبكة “فوكس نيوز”، بتاريخ 15 تموز/يوليو 2019، حيث أعلن: “إن إدارة الرئيس دونالد ترامب لن تساوم على أمن إسرائيل، وإن الخطة الأمريكية (صفقة القرن) ليست خطة اقتصادية فقط، بل إنها تتضمن جانبا اقتصاديا وآخر سياسيا يتطرق إلى كافة القضايا، بهدف التوصل إلى اتفاق نهائي… “

 التعليق:

يتحدث “غرينبلات” عن “الفلسطينيين”، وكأنهم أفراد لا يُشكّلون شعبًا، ولا يحتاجون سوى بعض التّحسّن في حياتهم الإقتصادية، فيما يعتبر الصهاينة الذين جاؤوا من عشرات الدول التي يحملون جنسيتها، “شعْبًا”، وبذلك فإن قراءة متأنية لمضمون حديثه، تُظْهِرُ أن الخطة الأمريكية – الصهيونية لا تهدف سوى تصفية القضية الفلسطينية نهائيا، بعد خَنْق وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أنروا)، مالِيًّا، وزيادة التّضْيِيق على اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وبعد تشديد الحصار على فلسطينيِّي غزة…

تزامنت تصريحات “جيسون غرينبلات” مع مجموعة من الأحداث ومن الخطوات الصهيونية والأمريكية التي تُهدّدُ شعوب المنطقة، من سوريا إلى إيران، ففي فلسطين، ارتفع عدد المباني التي هدمها الإحتلال، بالتوازي مع توسيع المستوطنات، وزيادة عدد المباني في الضفة الغربية، وفي القدس، هدم جيش الإحتلال حيًّا كاملا، خلال يوم واحد، وهَجَّر خمسمائة فلسطيني من نحو مائة شقة، ويعتزم هدم 250 شقة، في حيّ “وادي الحُمص”، وكان الإحتلال يتذرّع بالبناء بدون ترخيص (ترخيص يرفض الإحتلال تسليمه)، لكنه تذرّع هذه المرة “بقرب المنطقة من الجدار”، الذي اختار الإحتلال موقعه، وكان الحي موجودًا، قبل بناء الجدار…

بعد طرد السكان، أعلن جيْشُ “إسرائيل المَظْلُومة” (وفق “غرينبلات) الحيَّ “منطقةً عسكريةً”، وجَمّع الفلسطينيين المُهجّرين في ساحةٍ، قبل طردِهم بالقوة من المنطقة…

نشأ الكيان الصهيوني على طرد السكان الأصليين، أصحاب البلاد الشرعيين، ولكن الهدف المباشر من هذه العملية (الطرد الجماعي) هو إفراغ القدس من الفلسطينيين، لإحلال المُستوطنين مَحلّهم، ضمن مخطط كبير، شاركت به الولايات المتحدة مباشرة، عبر اعتبار القدس عاصمةً للكيان الصهيوني، خلافًا لقرارات الأمم المتحدة، والأمم المتحدة جهاز غير مُناصر للفلسطينيين، وشَرْعَنَ سَلْبَ وطنهم منذ 1947، ويتضمن المخطط إنشاء مُستوطنة جديدة (على أراضي “قلنديا”، تضُم عشرين ألف وحدة سكنية، وإنشاء خط سكة حديدية لرَبْط مستوطنات الضفة الغربية بالقُدْس…

تَتَنَزَّلُ تصريحات المسؤول الأمريكي “غرينبلات” ضمن مخطط “صفقة القَرْن”، الذي يُنَفَّذُ بعائدات النفط الخليجي، وفي اطار خطة ما سُمِّيَ ب”تهويد القُدْس”، قُبيْل انتخابات صهيونية (17 أيلول/سبتمبر 2019)، تتنافس فيها أحزاب المُسْتوطنين، فكل “إسرائيلي” مستوطن بالقوة وبالفعل، وبالضرورة، باستثناء من فُرِضَتْ عليهم هذه “الجنسية”، من أصحاب البلاد الشّرْعِيِّين…

كما وَرَدت تصريحات “غرينبلات”، وهدم حي “وادي الحمص”، مباشرة بعد مشاركة حُكّام العرب في “ورشة البحريْن”، ليمنحوا “شرعيةً” لصفقة القرن، وليتفقوا على “تمويل أعبائها المالية”، بحسب “دونالد ترامب”، في ظل الحصار المُشدّد على سُكان قطاع غزة، والأزمة المالية الخانقة في الضفة الغربية…

أوردت الأخبار كذلك، يوم 22/07/2019، قيام وفد إعلامي عربي بجولة في القدس، بدعوة من الكيان الصهيوني، (بالتزامن مع عملية هدم حي كامل)، في عملية تطبيعية تتجاوز الأنظمة، لتطال ما يُسمّى “المجتمع المدني”، ونشر شُبّان فلسطينيون من القُدْس مقاطع مُصورة من جولة هذا الوفد في باحات المسجد الأقصى، حيث انهال عليهم الأطفال والشبان الفلسطينيون بالشتائم والبُصاق، وقذفوهم بالأحذية، وبأشياء أخرى…

تزامنت هذه الأحداث أيضًا مع لقاء وزير خارجية البحْرَيْن نظيرَهُ الصهيوني، وعدة لقاءات أخرى بين مسؤولين خليجيين وآخرين صهاينة، وهي خطوات عملية ومُشارَكَة نَشِطَة في جرائم الاحتلال، وفي تصفية القضية الفلسطينية…

بعيدًا عن سجالات المثقفين والحُكّام العُملاء، وفي خطوة رَمْزِيّة هامة، هتف الرياضيون الجزائريون بكل تلقائية، باسم فلسطين، إثر فَوْزهم في مباراة الدور النهائي لبطولة إفريقيا لكرة القدم، في القاهرة، حيث تمكن الشعبان المصري والجزائري من مَحو صورة الصراع المفتعل بين الشعبين، سنة 2009، ثم قبيل انتفاضة مصر في 25 كانون الثاني/يناير 2011، فكان العلم الجزائري مرفوعًا في كافة المدن والقرى المصرية، وأشارت بعض المواقع المصرية على توقف الحركة، أثناء إذاعة النشيد الرسمي الجزائري (قسماً بالدّماء الزّاكياتِ والدماءِ الطاهراتِ )، وعمت الملعب الهتافات لفلسطين بعد هدف الجزائر…

ما حصل في مصر، تكرّر (دون تنسيق، وبعفوية) في معظم البلدان العربية، على الحدود، المُغْلَقَة، بين المغرب والجزائر، وفي تونس اعتبر التونسيون وكأنهم المُنْتَصِرُون، وفي ليبيا، رغم الحرب وقساوة ظروف الحياة، اجتمع الليبيون (المنقسمون بين مختلف الفصائل العميلة) على الهتاف بحياة الجزائر، وكذا الأمر في غزة وفي الضفة الغربية المُحتلّة والمُحاصَرَة…

في مصر ذكّرت مواقع مصرية بِدَوْرِ مصر في دعم الثورة الجزائرية ضد الإستعمار الفرنسي، وبدعم الجزائر لمصر أثناء عُدوان 1967، وبعده (حرب الإستنزاف)، قبل الإختلاف بشأن مخطط “روجرز” (وزير خارجية الولايات المتحدة آنذاك)، وأظْهَرَ هذا الحدث الرياضي، مكانة فلسطين، ومكانة الإنتماء القومي للعروبة (بمفهومها الواسع، فالعروبة ليست عرق أو أثنية، بل هي انتماء ثقافي وحضاري) في مشاعر الشعوب، وشكل انتصار فريق كرة قدم على فريق من إفريقيا (وليس من أوروبا الإستعمارية) فُرْصَةً لكَسْر الحُدُود والقُيُود والثقافة القُطْرِيّة التي يُروجها الإعلام السائد، وأنظمة الحُكم، وفرصة لجعل فلسطين قَاسِمًا مُشتركًا بين الجزائريين والمصريين (في ملعب القاهرة)، وبين الشعوب العربية عمومًا، وكانت فُرْصَةً لإظهار تعكس المشاعر الشعبية والمتمثلة بانتماء العرب إلى أمة واحدة (خلافًا للحُكّام العُملاء)، وهذا لا يعني طَمْسَ حقوق مختلف مُكونات هذه الأمة، بل رفض تدخل الإمبريالية في قضايانا، بهدف تفتيتنا وإضعاف كل بلاد، عبر العدوان والحروب والحصار والتجويع، كما يحصل في فلسطين وسوريا والعراق واليمن والصومال وليبيا…

(2)

في جبهة الأعداء: جاوَز الحُكّام العرب المُطبِّعُون المَدَى

قُبَيْل انتخابات المُسْتوطنين الصهاينة في أيلول 2019 (انتخابات مُبكِّرَة)، يحاول جناح رئيس حكومة العدو توظيف “إنجازاته” في مجال السياسية الخارجية، بإعادة العلاقات الدبلوماسية مع عدد من الدول الإفريقية، وبتعَدّد الزيارات والإجتماعات والنّدَوات مع حُكّام الخليج (وغيرهم من العرب أيضًا)، ومجمل الخطوات التطبيعية التي تتجاوز أحيانًا الحكومات، لتصل إلى الصحافيين والفنانين وما يُسمّى “المجتمع المدني”، والمُنظّمات “غير الحكومية” (المُمَوّلَة حُكُوميًّا)، بتشجيع من سلطة أوسلو…

تعدّدتْ تصريحات رئيس وزراء دولة الإحتلال (بنيامين نتنياهو)، منذ سنة 2018، عن التطبيع مع دول عربية، وصَدّقَتْهُ الأحداث، بانعقاد ورشة البَحْرَيْن (المَنَامَة 25 و 26 حزيران/يونيو 2019)، لبحث الجانب الإقتصادي من الخطة الأمريكية لتصفية القضية الفلسطينية، المُسمّاة “صفقة القَرْن”، وكانت الأُسَر الحاكمة في مجمل دُويلات مجلس التعاون الخليجي، قد أَظْهرت “تسامُحًا” زائدًا عن اللزوم مع الصهاينة والمُتصَهْيِنين، بقدْر تشدُّدِها مع أي شكل من أشكال المُعارضة الداخلية، ورغم غياب العلاقات الرسمية مع الكيان الصهيوني، استقبلت هذه الأُسَر الحاكمة وزراء صهاينة ووفود رياضية وغيرها، مع ما رافقها من رفع علم بني صهيون وعزف نشيدهم، وكانت العلاقات مُتَستِّرَة، بين النسخة الأصلية من الصهاينة، وصهاينة العرب، إلى أن بدأ الحديث في أوساط آل سعود (في بلاد الحَرَمَيْن) عن ضرورة التحالف مع الأصدقاء الصهاينة، ضد إيران “المُسْلِمَة”، التي أصبحت عَدُوّهم الرئيسي، ويُحاول آل سعود وغيرهم من الآل (آل خليفة وآل ثاني وآل راشد وزايد…) التّكتّم، خوفًا من شعوبهم، نشرت وسائل الإعلام الصهيوني، عددًا من الأخبار المُرتبطة بالتّطبيع، خبريْن مُرتبطين بالتطبيع الخليجي ‘يوم الإثنين 29 تموز/يوليو 2019)، ومن بينها توَلِّي المخابرات والجيش الصهيوني تدْرِيب الجيش السّعودي، وطمأنة آل سعود والإمارات، بأن جيش الإحتلال الصهيوني سوف يتولّى الدّفاع عن عُرُوشِهِم بالإتفاق مع الولايات المتحدة، وتزامن نشر مثل هذه الأخبار مع نَشْر وزارة الخارجية، ووزارة المواصلات  الصهيونية بعض التفاصيل عن مشروع سكة حديدية، تربط أوروبا بالسعودية، ودُويْلات الخليج، عبر ميناء مدينة “حيفا” المُحْتَلّة، والأردن، بهدف “تحقيق السلام الإقليمي… وتحسين أداء اقتصاد بعض دول المنطقة، ورفع حجم التجارة أربعة أضعاف…”، وأعلنت وسائل الإعلام والحكومة الصهيونية عن هذا المشروع (الذي سبق تقديمه منذ بداية 2017)، بعد تعدُّد زيارات الوزراء والضباط الصهاينة لدويلات الخليج، وكان وزير الخارجية الصهيوني قد طَرَح، مع وزير المواصلات، خلال زيارتهما لأبو ظبي (بداية شهر تموز/يوليو 2019) هذا المشروع الجاهز، وادّعيا أن هذا الخط الحديدي سوف يُقصِّر المسافات التي تقطعُها السّلع، وسوف تُصْبِحُ التجارة أرخص وأكثر أمانا، وسوف تدعم اقتصادات الدول (المُطبّعة)، بفعل الإستقرار، وكان السادات قد رَدّدَ هذه الكِذْبَة على مسامع الشعب المَصْرِي، في بدايات عملية التطبيع، وكذا فَعَلَ الملك حسين وياسر عرفات، ولكن حَصَلَ العَكْسُ فساءت حال الشعب المصري والشعب الأردني، وغرق البَلَدَانِ في وَحَلِ الدّيون، أما في الضفة الغربية، فحدّث ولا حَرج، عن النّتائج الكارِثِيّة للتّنازلات والتّطبيع المَجَانِيَّيْن، واعلنت وزارتا الخارجية والإقتصاد الصهيونيتَان، في السابع من شهر تموز/يوليو 2019، إن مشروع خط السكة الحديدية سوف يربط فلسطين المحتلة (ميناء مدينة حيفا المُحتلّة) والبحر المتوسط بالدول الخليجية، ومنها السعودية، مُرُورًا بمدينة “بيسان” في الأغوار (الضفة الغربية)، ومنها عبر معبر “الشيخ حسين” إلى مدينة “إربد” الأردنية، وصولا إلى السعودية وسواحل الخليج، وسبق أن نشرت وكالة “رويترز” في شهر نيسان/ابريل 2017، ملفًّا عن الوضع المالي لمشْيَخات الخليج، وورد ضمن الملف فقرات عن علاقات الأُسَر المالكة في الخليج مع الكيان الصهيوني، وعن اللقاءات العديدة، ومنها لقاء جنرال صهيوني (مُستشار سابق لرئيس حكومة العدو “بنيامين نتن ياهو”، مع رئيس المخابرات السعودية السابق الأمير تركي الفيصل، علنا في “معهد واشنطن” في العاصمة الأمريكية واشنطن (سنة 2018)، وأعلنَ الأمير السعودي إنه يبحث مع صديقه الصهيوني “دمج المال الإسرائيلي والعقل السعودي”، وعلّقت وكالة “رويترز” على هذا اللقاء: “تتقاسم دُول الخليج، ومن بينها السعودية، أهدافًا مشتركة مع إسرائيل، من بينها تطوير تكنولوجيا جديدة للمياه والطاقة والزراعة”، وذكّرت الوكالة بأهم خطوة تطبيعية علينية، عندما تعلّلت الإمارات بمؤتمر عن الطاقة البديلة (سنة 2015) لتفتتح دولة الإحتلال الصهيوني “بعثة دبلوماسية”، وكشفت الأنباء آنذاك، وجود علاقات تجارية واسعة تُقدّر بمئات الملايين من الدّولارات بين الشركات الصهيونية ومَشْيَخات الخليج، وتعزّزت العلاقات، على أكثر من صعيد، بعد إعلان الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” انسحابه من الإتفاق الدّولي، بشأن ما سُمِّيَ “الإتفاق النووي” مع إيران، سنة 2017، وحاولت وسائل الإعلام (المكتوبة، والسمعية البصرية) التي تُموّلها السعودية وقَطَر والإمارات، جَرَّ الرّأيَ العام العربي إلى القبول باحتلال فلسطين، وبالكيان الصهيوني الذي تأسس على أرض الشعب الفلسطيني، والذي يُهدّدُ كافة الشعوب العربية، والجيران من غير العرب، وضَغَطت أُسرة آل سعود وأمثالها على الفلسطينيين لِيُقَدّموا مزيدًا من التنازلات، أي القُبول بتسليم وطنهم لمُحتلِّين مُسْتَوْطِنِين، جاؤوا من أكثر من مائة بلدٍ وجِنْسِيّة، وبعد تحويل الفدائيين القدامى إلى قُوّة أمْنيّة تسهر على راحة المُسْتَوْطِنِين، وتعتقل (وتُعذّب وتقتُلُ) بشكل وِقائي، استِباقِي أي فلسطيني يعتزم مقاومة من يحتلون وَطَنَهُ، فأي تنازل أكثر من هذا؟

كتبت وكالة “نوفوستي” الروسية، نقلاً عن صحف صهيونية، في تشرين الثاني/نوفمبر 2017، عن استنجاد آل سعود بالصهاينة، بعد عجزهم عن إلحاق الهزيمة بالمقاومة في اليمن، وطلبت من “الحُلَفاء” الصهاينة إنشاء منظومة دفاع صاروخي، لحماية مدينة “الرّياض” من هجوم صاروخي مُحتمل، واسع النطاق”،  ولم يستطع الصهاينة صد قذائف المُقاومة اللبنانية والفلسطينية، ولا تزال منظومة “القُبّة الحديدية” (وهو نظام أمريكي، وقع تركيزُهُ في فلسطين المُحْتَلّة)، غير فعّالة إلى الآن…

في منتصف تموز/يوليو 2017، نشَرت صحيفة “نيويورك تايمز” مقالاً لصحفي أمريكي (نيري زيلبر) يُقيم في تل أبيب، ويعمل في “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى” (مؤسسة سهيونية أمريكية)، و”بَشَّرَ” بمرحلة جديدة، دشّنها “دونالد ترامب”، سوف تُمَكِّنُ “حلفاء إسرائيل من العرب من التحدث عن علاقتهم بإسرائيل في العلن، ويُردّدُ الصحافي في مقاله افتراءات “دونالد ترامب” و “بنيامين نتن ياهو”، من قبيل “سوف يُمكّن تطبيع العلاقات من عقد شراكات ستحقق المزيد من الأمان لهذه المنطقة، ويزيد الأمن للولايات المتحدة ويزيد من الرخاء للعالم” (ولا ذكْرَ للضحية الرئيسية: الشعب الفلسطيني)، ويُؤَيّد كاتب المقال تعاون المخابرات العسكرية الصهيونية مع تنظيم “داعش” في سوريا، ل”تقاطع المصالح” بينهما، وأكدت صحيفة “هآرتس” الصهيونية: “إن إسرائيل تكثف تعاونها الأمني والاستخباراتي مع الأردن في جنوب سوريا لتفادي المكاسب الإيرانية في المنطقة”، وأكدت الصحف الأمريكية، منذ سنة 2015، وجود تعاون ثُلاثي بين نظام الأردن والكيان الصهيوني والولايات المتحدة، عند نشر خبر شحن الكيان الصهيوني مروحيات هجومية من طراز “كوبرا” إلى الأردن (سنة 2015)، ويدعم الثلاثي الأردني الصهيوني الأمريكي، المجموعات الإرهابية التي تنطلق من الأردن للقيام بنشاط إرهابي في جنوب سوريا، والعَودة إلى الأردن، بإشراف أمريكي مُباشر، وعمل الكيان الصهيوني على إقامة “منطقة عازلة صديقة” في مرتفعات الجولان، حيث تُنَسِّقُ وحدة عسكرية صهيونية متخصصة عمليات “تقديم المساعدات المدنية والمواد الغذائية الأساسية، للمصابين من الفصائل الإرهابية في سوريا، ومعالجتهم في مستشفيات فلسطين المحتلة، بحسب ما ورد في موقع صحيفة “نيويورك تايمز” (14/07/ 2017)، كما نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” في حزيران/ يونيو 2017، ورقةً عن تسديد الكيان الصهيوني رواتب، وثمن أسلحة وذخائر بعض الفصائل الإرهابية في سوريا، في نطاق سياسة “حُسن الجوار” ومحاولة إقناع المواطنين السوريين بإنسانية الإحتلال، وشَيْطَنَةِ إيران وحزب الله…

أما في مصر، فكتبت وكالة “بلومبرغ” أكثر من مرة (بين 2015 و 2017) عن التعاون العسكري والأمني (عبر المخابرات) بين الكيان الصهيوني وحكومة مصر، وعن مهاجمة طائرات آلية صهيونية مناطق في شبه جزيرة سيناء، وقصفت أحيانًا جُنودًا مصريين (بحسب “بلومبرغ” والمقال المذكور في “نيويورك تايمز”)…

من الخطأ فَصْل الدعم الصهيوني، لفصائل الإرهاب في سوريا، عن العلاقات الرّسمية مع الأردن ومع مصر ومع سلطة الحكم الذاتي الإداري (رام الله)، وعن العلاقات التي تَطَوّرَتْ وأصبحت عَلَنِيّة مع بلدان عربية أخرى، من المغرب إلى العراق (خاصة في إقليم كردستان العراق)، وأظْهرت الوثائق الأمريكية والصهيونية، تطوّر العلاقات الصهيونية الخليجية، منذ حوالي عقد كامل، فيما تُسَمِّيه وسائل الإعلام الصّهيونية “مصالح أمْنِيّة مشتركة”، أي إن الطَّرَفَيْن يعتبران إيران “تهديدًا مُشْتَرَكًا”، ولذلك تعددت اللقاءات السّرية بين رؤساء المخابرات الخليجيين والصهاينة، وأثْمَر هذا التّعاون اغتيال القيادي الفلسطيني في حركة حماس “محمد المبحوح” في دُبي (19 كانون الثاني/يناير 2010)، خلال نفس السنة التي التقى فيها رئيس الموساد السابق، مع نُظرائه في السعودية، لبحث “التهديد الإيراني”، بالإضافة إلى مَا نُشِرَ حول مثل هذه اللقاءات في القدس المُحتلة، وفي ألمانيا والولايات المتحدة، بالتواز مع نمو العلاقات التجارية للسعودية، ودُويْلات الخليج الأخرى، مع الكيان الصهيوني في مجالات الأسلحة والمعدات التقنية، ومراقبة وسائل الإتصال الحديثة، وتتم الصفقات، غالبًا، مع طَرَفٍ ثالث أوروبي (شركات ألمانية أو هولندية، بشكل خاص)، أو إفريقي (جنوب إفريقيا ونيجيريا وأوغندا وكينيا…)، أو غيرها… لهذه الأسباب، اعتبر “دونالد ترامب” إن الوقت حَانَ لتصفية القضية الفلسطينية، وبدأ بتضفية وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أنروا) مُسْتهدفًا اللاجئين الذين يُشكّلُون شهادة حَيّة عن احتلال الأغراب الصهاينة وطنًا وافتكّوه من أصحابه بالقوة، عبر تهجيرهم وتدمير قراهم (531 قرية، موثّقة)…

لهذه الأسباب أيضًا، عاد الحديث، في هذا الوقت بالذات، عن مشروع مد خُطوط السكة الحديدية لنقل البضائع والمُسافِرِين، من ميناءَيْ حيفا وأشْدُود المحتلتين، إلى البحر الأحمر وخليج العرب، عبر الأردن والسعودية، وأعلنت وسائل الإعلام الصهيونية، في بداية سنة 2018، تخصيص حكومة العَدُو نحو 15 مليون شيكل (4,4 ملايين دولارا)، لتنفيذ المرحلة الأولى من المشروع، من مدينة “بيسان” المُحتلة، إلى حُدُود الأردن، عند مَعْبَر “الشيخ حسين”، على أن يتواصل مَدُّ الخطوط (عندما تتوفر الظُّرُوف) نحو العراق والسعودية ودويلات الخليج الأخرى، ويرتبط هذا المشروع، بمشروع آخر للطاقة، وجعل ميناء حيفا المحتلة، مركزًا أو محورًا لتجارة الغاز (المنهوب من سواحل فلسطين) بين غرب آسيا وأوروبا، ومحورًا للنقل البحري، لمختلف البضائع…  

كتبت صحيفة “إندبندنت” البريطانية، في شهر آب/أغسطس 2017،  إن التطبيع أصبح من الأمور المُعتادَة في السعودية (بلاد الحَرَمَيْن)، وإن السعوديين الأثرياء، يُسافرون بطائراتهم الخاصة، إلى تل أبيب، لتلقي العلاج في مستشفياتها، وفي المقابل تُشارك المخابرات الصهيونية وجيش الإحتلال وعتاده في العدوان على شعب اليمن، ودعمت الصحف الصهيونية مختلف حملات القمع السعودية ضد كافة أشكال المعارضة، وضد المُدَوّنِين والإعلاميين، والنّساء…

ما الفرق إذًا، بين العدو الصهيوني والإمبريالية الأمريكية (والأوروبية) التي تدعمه، وهذه الأنظمة العربية العَمِيلة التي تُكدّسُ السلاح الأمريكي (خصوصًا في الخليج)، لقمع الشُعوب، مَحلِّيّا، وللعدوان على الشعوب العربية الأخرى؟  

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.