المقدمات العربية لصفقة القرن من الحِقْبة السعودية الى الحِقْبة الصهيونية، شحادة موسى* – كاتب فلسطيني

ملاحظة أوليّة: لم تنسبْ السعودية لنفسها يومًا صفة الدولة المعادية للاستعمار أو المناصرة لحركات التحرر الوطني؛ ولم تزعم يومًا أنها تؤمن بالقومية العربية.وبالعكس من ذلك لم تُخفِ السعودية تحالفها مع الولايات المتحدة، وعداءَها للقومية العربية، ومناهضتها لدعوة الوحدة العربية.

ويرجع الالتباس الذي ظهر في السنوات الأخيرة تجاه هذه القضايا الى سببين: الأول، الدعاية السعودية بأنّ عداءَها لإيران سببه تدخُّل إيران في الشؤون العربية. والثاني، دفاعٌ عن السعودية في موقفها هذا انبرى له مثقفون وإعلاميون عرب، منهم يساريون لبنانيون وسوريون استخرجوا مقولة “القومية العربية الجديدة بقيادة السعودية”.

تاريخيًا، تعزَّزت مكانة السعودية على المستوى العربي بعد هزيمة مصر عبد الناصر في حرب 1967، وهو القائد الفعلي لحركة القومية العربية. وتأكَّدت هذه المكانة بعد حرب تشرين الأول / أكتوبر 1973 والارتفاع الكبير في أسعار النفط، ثم في انكفاء مصر الى موقع التابع للولايات المتحدة، والمبتعد عن الصراع العربي – الإسرائيلي.

من هنا بدا ما عرف بالحِقْبة السعودية، أي المرحلة التي أصبحت فيها السعودية ذاتَ نفوذ وتأثير في جامعة الدول العربية، وصاحبة الكلمة في القضايا العربية الكبيرة. استخدم صادق جلال العظم هذا المصطلح في كتابه “سياسة كارتر ومنظِّرو الحقبة السعودية” (1977). وتوسَّع محمد حسنين هيكل في تفصيل دلالات هذه الحِقْبة وتبِعاتها على الأمة العربية ومصيرها المهدَّد بالخروج من التاريخ؛ فالتَبَعيِّة أو العَمالة ليست مكانًا في التاريخ.

ظهرت بوادر هذه الحِقْبة في ما عُرف ب “نادي السفاري”(1976) الذي كشفه هيكل، وضمَّ السعودية، ومصر، والمغرب، وإيران (الشاه)، بقيادة المخابرات الفرنسية، لمحاربة الشيوعية والنفوذ السوفياتي في أفريقيا. وظهرت بعد ذلك في تعاون السعودية، ومصر، وباكستان، في دعم الجهاديين ومحاربة الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، تلبيةً لدعوة الولايات المتحدة  بشعار وضعه بريجنسكي، مستشار الرئيس كارتر، “الجهاد ضد الإلحاد”.

وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية فإنّ اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل كانت الإعلان العربي الأوّل بأنّ فلسطين  لليهود. فقد تضمنت الاتفاقية ملحقًا خاصًا “بالمشكلة الفلسطينية” نصَّ على إقامة حكم ذاتي للسكان في الضفة الغربية وغزة، وأعلنه السادات بصوته “جِبْت للفلسطينيين حكم ذاتي كامل”، أي إنّ الأرض لإسرائيل.

وتلا ذلك مباشرة مشروع الأمير فهد وليِّ العهد السعودي (الملك فيما بعد) الذي عُرض في القمة العربية في مدينة فاس في المغرب في سنتي 1981 و 1982. وكان المشروع في حقيقته استجابة لدعوة وزير الخارجية الأميركية الكسندر هيج، لإقامة سلام مع الإسرائيليين من أجل تعاون في مجال الأمن لردع أي تدخُّل سوفياتي او الدول العاملة لحسابه. وقد دعا المشروع الى انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتُلَّت في العام 1967 بما فيها القدس العربية، وإزالةِ المستعمرات التي أُقيمت في هذه الأراضي، وتأكيد حق الشعب الفلسطينيفي العودة  وتعويض من لا يرغب في العودة، وقيامِ دولة فلسطينية مستقلة بعد فترة انتقالية قصيرة، وتأكيد حق دول المنطقة في العيش بسلام. (رفضت مصر وإسرائيل المبادرة لتعارضها مع اتفاقية كامب ديفيد).

وفي العام 2002عرض الأمير عبدالله بن عبد العزيز، وليُّ العهد (الملك فيما بعد)، على مؤتمر القمة العربية في بيروت (آذار / مارس 2002)، مبادرته التي أصبحت تُعرف بمبادرة السلام العربية، وتضمنت إنشاءَ دولة فلسطينية على حدود العام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وانسحابَ إسرائيل من الجولان، وحلًا عادلًا لقضية اللاجئين الفلسطينيين، ومقابل ذلك يتمٌّ اعتبار النزاع العربي – الإسرائيلي منتهيًا.

وفي خلفيّات هذه المبادرة أنها لم تكن بعيدة عن توجُّه أميركا آنذاك. فقد كانت أميركا بحاجة الى تأييد عربي لحربها على أفغانستان بعد أحداث أيلول / سبتمبر 2001، وهو ما دفع الرئيس جورج دبليو بوش ليعلن في الأمم المتحدة في تشرين الثاني / نوفمبر 2001 أن أميركا تعمل من أجل يومٍ تعيش فيه معًا بأمن وسلام دولتان هما إسرائيل وفلسطين.

وفي شباط/ فبراير 2002 كتب الصحافي الأميركي توماس فريدمان في جريدة نيويورك تايمز مقالًا عن خطة سلام عربية، قال له عنها الأمير عبدالله بعد أيام، إن ما جاء في المقال يشبه  الخطة التي يعتزم عرضها على مؤتمر القمة العربية في بيروت.

ممّا يُؤخذ على هذه المبادرات، المبادرة بحدِّ ذاتها؛ فليس من المألوف أن يبادر صاحب الحق المعتدى عليه بعرض الصلح على المعتدي؟ ويؤخذ عليها بطبيعة الحال مضمونها؛ فهي تسلِّم لإسرائيل بأن الأرض العربية الفلسطينية حق لليهود، وبذلك تُلزم المبادرة أصحابها ويلزمون هم شعوبَهم ومعهم الشعب الفلسطيني بهذا التسليم، وبالامتناع عن القيام بأي عمل لاسترداد هذه الأرض وما يتصل بها من حقوق.

وتجدر الإشارة هنا الى أنه في الزمن الواقع بين هذه المبادرات، وجَّه الفلسطينيون أنفسُهم بقيادة حركة فتح وباسم منظمة التحرير الفلسطينية طعنة قاتلة للقضية الفلسطينية وللشعب الفلسطيني وخصوصًا اللاجئين الذين هم عنوان القضية وأساسها. فقد أعلنت المنظمة سنة 1988 في الجزائر اعترافها بإسرائيل بخدعة أسموها الاستقلال وشعار “مبادرة السلام الفلسطينية”.

واستكملت فتح فعلتها باتفاق أوسلو سنة 1993 الذي اعترفت فيه رسميًا بإسرائيل مقابل سلطة حكم ذاتي في الضفة الغربية وغزة. وبدأت تستخدم مصطلحاتٍ ومفاهيمَ مغايرة لكل ما استقرَّ عليه الوعي الفلسطيني بخصوص فلسطين والقضبة الفلسطينية، فزعزعت أُسس الفكر السياسي الفلسطيني، وحوَّلت منظمة التحرير من كيان وطني جامع وحركة تحرر وطني، الى داعية سلام مع عدُّونا التاريخي  وإلى عونٍ له على من ظلَّ ثابتًا على مبدأ المقاومة.

وجاءت الحلقة الأخيرة في هذه الحِقْبة وفي مبادرات السلام مع إسرائيل، من “الرباعية العربية”. والرباعية كيان سياسي عُرف إعلاميًا في أوائل أيلول / سبتمبر 2016 ، وتأسَّس، على الأرجح، بهدف التخلص من عبء القضية الفلسطينية. ضمَّت الرباعية السعودية، والإمارات، ومصر، والأردن، واتفقت على خطة من بندين: الأوّل، إجراء مصالحة فلسطينية شاملة وتشكيل لجنة عربية للإشراف على المصالحة. والثاني، في حال تعذُّر المصالحة  تتدخَّل هذه الدول باسم جامعة الدول العربية لفرض مصلحة الشعب الفلسطيني، ثم تدرس بعض هذه الدول (المقصود السعودية والإمارات) بدائلَها في التعاطي مع الصراع العربي – الإسرائيلي.

لقد كانت خطة الرباعية نقطة تحوُّل مفصِليّة في هذا الصراع، وتمهيدًا مباشرًا لتسليم المنطقة الى إسرائيل وبداية الحِقْبة الصهيونية التي يمكن تأريخها بذلك العام (2016).فقد سبق الإعلان عن الخطة نقل ملكية جزيرتي تيران وصنافير من مصر الى السعودية (نيسان / إبريل 2016) بموافقة إسرائيل، والتزام السعودية بالالتزامات المصرية في معاهدة كامب ديفيد. وجرى ذلك في مصر بطريقة أقرب الى المهزلة؛ فقد اُهين القضاء الذي حكم بمصرية الجزيرتين، وبدا مجلس النواب أداةً بيد الحاكم فقرر أنه المختص وليس القضاء، وتبارى إعلاميون ومثقفون في كيل المديح للسعودية، والترحيب بالعلاقات الاستراتيجية مع إسرائيل.

وعلى الجانب السعودي، ظهرت الاتصالات مع إسرائيل الى العلن، وكان من أبرزها زيارة أنور عشقي (ضابط سابق) الى إسرائيل ومعه وفد من الأكاديميين ورجال الأعمال في شهر تموز / يوليو 2016. وأخذ حكام ومسؤولون في الخليج، وبدفع سعودي غير خافٍ، في التدافع نحو إسرائيل. وتبين أنّ وراء ذلك تطلُّعٌ الى الاستعانة بإسرائيل لضرب إيران والقضاء على نفوذها في المنطقة، وعقليةٌ قَبَليّة ترى أنّ عدوَّ عدوّي صديقي، وما دامت إسرائيل العدّوَ اللدود لإيران فيجب أن تكون صديقنا الودود. ووصل هؤلاء في اندفاعهم الى تأييد إسرائيل في حربها على حركات المقاومة فصنَّفوها إرهابية وأذرعًا إيرانية.

وما إن بدأ الحديث عن صفقة القرن حتى تلقَّفها هؤلاء ورأوا فيها استكمالاً لمسلسل مبادرات السلام. والأهمُّ من ذلك أنَّ صاحب الصفقة، ترامب، شديد العداء لإيران وشديد الولاء لإسرائيل ويهوديَّتِها؛ فهما إذن العون المنتظر لمواجهة خطر إيران.

كان هؤلاء يعرفون أنَّ الهدف من الصفقة تصفية القضية الفسطينية، وفرض سيادة إسرائيل على المنطقة. ولكن ما كان يُشغلهم أمر آخر. ولذلك لم يبالوا، كغيرهم من عرب أميركا، بما فعله ترامب من اعترافه بالقدس عاصمةً لإسرائيل (كانون الأول/ ديسمبر 2017) الى اعترافه بسيادتها على الجولان، وما اتخذه من إجراءات تتعمد إلحاق الأذى بالفلسطينيين وقضيتهم.

وقد تحدث عن ذلك أحمد مجدلاني عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية (كانون الثاني / يناير 2018) فذكر أنَّ المقترحات الأميركية نُقلت الى الفلسطينيين عن طريق الجانب السعودي، وأنَّ الصفقة تقوم على تصفية القضية الفلسطينية وإنشاءِ حلفٍ إقليمي ضد النفوذ الإيراني في المنطقة تكون إسرائيل جزءًا منه.

وأصبحنا أمام مشهدٍ يدعو للعجب. فقد أخذت وسائل الإعلام تنقل صوَرَ شخصيات ووفود إسرائيلية في عواصم عربية وخصوصًا في دول خليجية، وتُستقبل بحفاوة ومجاملات تنضح بالتملُّق. وكثرت من يومها التصريحات والتعليقات التي تُشيد بإسرائيل واليهود و”إرثهم التاريخي”. وذهبت بعض التعليقات والكتابات الى التهجُّم على الفلسطينيين بذرائع شتّى.

ومن متابعة مجريات هذا المشهد يبدو أنَّ حبل الوِصال مع إسرائيل طويل. ولن يقطعه تهويد المقدَّسات، ولا تطلُّعات اليهود نحو “إرثهم التاريخي” في بابل والمدينة، وغيرها. فوليُّ العهد السعودي محمد بن سلمان، اتَّخذ قراره. وبحسب مصادر إسرائيلية، فإن ابن سلمان يتحوَّل إلى إسرائيل وظهره للفلسطينيين، وهو أدرك أنه إذا أراد أنْ يستمر في قيادة الدول العربية فعليه توثيق العلاقات مع إسرائيل.

وبعد، فقد اتسمت الحِقْبة السعودية بتطور تدريجي، بدأ شبه علني للتخلص من فكرة القومية العربية الجامعة، والانتهاء من الصراع العربي – الإسرائيلي، أحد الدوافع الرئيسة للعمل العربي المشترك. بدأت المسيرة بإعلان السادات خروج مصر من الصراع العربي – الإسرائيلي، والإعلان الضمني لانتهاء المفهوم القومي لهذا الصراع، وتحويله الى شأن قُطري تحدده المصلحة الخاصة بكل بلد بحسب ما يراه الحاكم.

وبديلاً عن ذلك جرى الترويج لفكرة السلام مع إسرائيل، وتشجيع التطرُّف الديني. فظهرت مبادرات السلام، وانتشرت ظاهرة التديُّن والفكر الدينيِّ المتطرِّف وأُطلِق عليها الصحوة الإسلامية التي كان من أبرز تجليَّاتها ظاهرة الحجاب في مصر، والجهاد في أفغانستان، وداعش في العراق وسورية.

وتمخَّضت هذه الهجمة الفكرية والسياسية الى توجُّه أصحابها، برضا السيد الأميركي، الى وليٍّ جديد هو إسرائيل لتقود المنطقة في زمن صهيوني. 

*  كاتب فلسطيني

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.