حديث بمناسبة: وفاة توني موريسون، الطاهر المعز

توني موريسون ، وُلِدت في أوهايو 18/02/1931، وتوفِّيَتْ بنيويورك يوم 05/08/2019

روائية، وكاتبة مقالات، أمريكية زنجية (أفرو- أمريكية، كما يُقال).

تُعْتَبَرُ كتاباتها، مع بعض الكُتاب الأمريكيين الزنوج (إمامو أميري بركة، جيمس بولدوين…)، مُكَوِّنًا أساسِيًّا ممّا يمكن تسميته “الأدب الزنجي الأمريكي”، وشكلت، مع غيرها، ظاهرة في الأدب الأمريكي، خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وتنطلق كتاباتها من وضع الزنوج الذين جيء بهم مُقَيّدين من إفريقيا، ليعملوا في مزارع البيض الذين استولوا على أراضي الشعوب الأصلية، بعد إبادة أفرادها، ولا يزال أحفاد أحفاد الزنوج يعانون الإستغلال والإضطهاد والمَيْز العُنصري والإغتيال والعُنف، وقد تكون “توني موريسون” متأثرة بوالدَيها، فأمها من دُعاة المُساواة، وأبوها يرتاب “بكل ما يقوله ويفعله البيض”، ومن حسن حظها أن ذهبت إلى المدرسة ونجحت في دراستها.

نَشَرَت روايتَها الأولى “العين الأشد زرقة”، سنة 1970، عن سن 39 سنة، وكان نضال الزنوج الأمريكيين قد اتخذ عدة أشكال، للمطالبة بالمساواة، وأعلنتْ إن هذه الرواية، هي إعادة لما كانت كتَبَتْهُ في سن المُراهَقة، عن حكاية لطفلة زنجية تأثرت بمقاييس الجمال التي تروِّجُها الإيديولوجيا السائدة، وكانت تعتبر نفسها “قَبِيحة”، لأن لون عينيها لا يتناسب مع مقاييس الجمال، وتحلم أن تُصبح عيناها شديدة الزُّرْقَة، لكي ترى نفسَها ويراها الآخرون (الآخرون هم البيض بشكل أساسي) جميلة، وما شعار “بلاك إيز بيوتفُل”، الذي رَوَجَهُته حركات المقاومة الزنجية، خلال سنوات النضال من أجل الحقوق المدنية، سوى ردة فعل، ومحاولة رد الإعتبار لنِسْبِيّة مقاييس الجمال، وتمرد على مقاييس “الرجل الأبيض”…

فازت بجائزة “بوليتزر”، سنة 1988 عن روايتها التي نُشِرَتْ قبل سنة واحدة (1987) بعنوان “محبُوبَة”، التي قَضَتْ ثلاث سنوات في إعدادها، وكانت أول زنجية تفوز بجائزة نوبل للآداب، سنة 1993، عن مجمل أعمالها الروائية، بعد سنة واحدة من نشْرِ روايَة “جاز” ومجموعة مقالات بعنوان “اللعب في الظلام” (1992)، وتَعتَبِرُ إن كتاباتها نَبْشٌ في بعض جوانب الواقع الأمريكي، كما يراه السّود، الذين يُشكلون جُزْءًا مُهمّا ومكونًا أساسيا، من التركيبة السّكّانية الأمريكية، وكركيزة اعتمد عليها الإقتصاد الأمريكي، ليصل قمة الهيمنة على العالم، وأبْدَعت هذه الكاتبة في المزج بين الأبعاد “الأثنية” (أو العرقية)، والأبعاد الطّبَقِيّة، في حياة زنوج أمريكا، بين الإستغلال الطّبقي، والإضطهاد ذي الصبغة العُنْصُرية، وأعلنت بوضوح إنها ليست “مُحايِدَة”، وإنما مُنحازة، تدعم نضال الزنوج (وهي منهم)، ضد الميز العنصري، ونضالهم كفُقَراء، ونضالهم كعاملين مُسْتَغَلِّين، ليس كامرأة زنجية فحسْبُ، بل كإنسانة ومواطنة وامرأة وأم، وتزامن موعد نشْر روايتها الأولى مع صعود مختلف الحركات التي أنشأها الزنوج (أفرو- أميركيين)، وتمتد من “حركة الحقوق المدنيّة” إلى “بلاك بنتيرز” والزنوج الشيوعيين والداعين إلى الكفاح المسلّح، وتعتبر “توني موريسون” إن تلك المرحلة (وحركاتها ومنظماتها) عجزت عن تحويل الغضب، وردّة الفِعْل، إلى تغيير جذري في عقائد وسُلُوك الأمريكيين السود…

بخصوص قضايانا كعرب، وقّعَتْ “توني موريسون” مع عدد من الكتاب الأمريكيِّين الآخرين، سنة 2006، بيانًا يَصِفُ الكيان الصهيوني ب”دولة فصل عنصري”، تمارس العُدْوان و”الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين”، والإحتلال “غير الشّرعي” للضفة الغربية، وينتقد البيان “المعايير المُزْدَوَجَة للغرب”، بشأن حقوق الإنسان الفلسطيني الذي يقاوم جنودًا مسلحين… وبعد وفاتها اعتبرت الصحف الصهيونية في مجملها إن “موريسون” مُعادية “لسياسات الحكومة الإسرائيلية”، لأن البيان الذي وقّعته، قبل 13 سنة، يُشير إلى “الإحتلال العسكري غير الشرعي للضفة الغربية والإستيلاء المنهجي على مواردها الطبيعية، ولا سيما المياه… من قِبَل الجيش الإسرائيلي الذي يهدف تصفية الأمة الفلسطينية…”، بحسب محتوى البيان وتعليق صحيفة “جيروزاليم بوست”، ويُعتبر محتوى البيان موقفًا، في غاية الجَرْأة، في المُحيط الثقافي الأمريكي…

رغم هذه التصريحات ورغم القيمة الأدبية والجَمالِية لكتابات “توني موريسون”، ورغم معاناتها من الحصار الأدبي والثقافي، وإبعاد إنتاجها الأدبي من شبكات متاجر الكُتُب، بسبب مواقفها وكتاباتها ضد العنصرية، نالت الكاتبة شُهرة، جعلتها تُخفّفُ من حدّة لهجتها، ولربما خففت من حدّة لهجتها، حتى نالت الشُّهرة، ومنحها الرئيس الأمريكي “باراك أوباما”، سنة 2012، وسام الحُرّية، المُخصّص للأدباء المُقربين من دوائر الحُكْم، وللعاملين في مُؤسسات النّخبة الثقافية والأكاديمية، ودعمت الكاتبة، خلال السنوات الأخيرة، مرشحي الحزب الديمقراطي، في مواجهة خصومهم من الحزب الجمهوري، ومع ذلك تضمّنت كتاباتها الأخيرة مواقف تُندّدُ باختلاق “هويات وهمية”، واعتبار “الآخر” مُسلم أو أسود أو إرهابي، في عملية شَيْطَنَة مقصودة ومدروسة، بهدف التّستّر على عورة النّظام الرأسمالي، وعلى أُسُسِهِ المَبْنِيّة على الاستغلال الاقتصادي، والتّستّر على عُمْق الفجوة الطبقية، وادّعاء الديمقراطية التي تتجاوز الطبقات، وتَضْمَنُ التعايش السلمي بين الجميع، واعتبرت “موريسون” إن هذه الإدعاءات تهدف استدامة هيمنة نخبة الأثرياء التي تسحق البشر، تحت غطاء “الديمقراطية، وتعايش جميع أفراد المجتمع”…

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.