ناجي العلي: هذا هو أنا…، رشاد أبوشاور

أمّايه .. وانتي بترحي عالرحى

على مفارق ضحى…

وحدك وبتعددي

على كل حاجة حلوة مفقودة

ما تنسنيش يمّا في عدوده

عدوده من أقدم خيوط سودا في توب الحزن

لا تولولي فيها ولا تهللي…

وحطّي فيها اسم واحد مات

كان صاحبي يمّه..

واسمه

ناجي العلي

من القصيدة الملحمية للشاعر المصري الكبير

عبد الرحمن الأبنودي (الموت على الإسفلت)

كثيرون في وطننا العربي الكبير سيتذكرون ناجي العلي في يوم رحيله 29 آب، ولن ينسوا انه (قُتل) غيلة وغدرا، وأن بعض قتلته المباشرين انطووا في النسيان، تطاردهم اللعنات التي تغمرهم في حفر جثثهم، كائنا من كانوا، أو يلاحقهم الخزي، وبعضهم بالتأكيد ما زالوا (جثثا) على سطح هذه الأرض.. وستبقى الأسئلة تطارد بإلحاح من وجّهوا باقتراف الجريمة الشنعاء إلى أن يفتضح أمرهم.

لعل ما يغيظ القتلة، منفذين، ومخططين، وآمرين، أن ناجي العلي يزداد حياة في كل أرجاء بلاد العرب، بفنه الثوري الذي تحوّل إلى سلاح يشحذ وعي أجيال، إضافة إلى انه بات علامة مضيئة حية مشعة في عالم فن الكاريكاتوري عالميا، وهذا ما يغيظ من دبّروا الجريمة..وتحديدا من بقي منهم ( حيا) يطارده شبح ناجي، وفنه، وتكاثر حنظلة الولد الشرس المشرّد الذي يحمل غضبه وألوانه ورسوماته الشرسة ويعبر حدود بلاد العرب مقتحما بدون إذن أو فيزا، فالفن العظيم لا ينتظر إذنا من أي جهة رسمية في بلاد العرب.. ويصل إلى قلوب وعقول ملايين العرب رغم أنوف حكامهم.

حنظلة تكرّس أيقونة، تراه معلقا في صدور البيوت، مرسوما على السيارات، على الشعارات، والملصقات، وفي الاحتفالات..وهو أشهر اسم في بلاد العرب: حنظلة ناجي العلي..ابن ناجي المطالب بتحرير فلسطين، وبتوحيد الوطن العربي، وبكنس الاحتلال الأمريكي، وبإسقاط حكام التبعية والخيانة، وبالعدالة والمساواة لكل فقراء العرب الغرباء في وطنهم العربي الكبير..كثير الخيرات..المفقور المنهوب!.

حنظله سيواصل مطاردة قتلة والده ناجي العلي، رافعا لوحاته الغاضبة الصارخة المُهيبة بالفقراء والثوريين الصادقين أن ينجزوا أحلام ناجي العلي، فالثأر ليس انتقاما شخصيا، ولكنه تحقيق التغيير الجذري في بلاد العرب، والعنوان الأبرز والأعظم: تحرير فلسطين العربية قلب الوطن العربي الكبير، وجسر التواصل بين المشرق والمغرب العربي بجناحيه العظيمين.

ربما يكتب كثيرون مستذكرين ناجي في مناسبة رحيله، ولكنني أجد أن أهم ما أقدمه للقارئ العربي بعض آراء ناجي – بخاصة الأجيال الجديدة التي لم تتعرف على أفكار ناجي من فمه مباشرة، رغم أن رسوماته افصحت عن افكاره وقيمه ومبادئه –  والتي ستضئ على مسيرته الخالدة، وستغنينا عن التحليل والتأويل.

أجرت جريدة القبس الكويتية حوارا مطولاً مع ناجي، وهذا بعض ما جاء في ذلك الحوار..بلسان ناجي الغاضب الثائر المتواضع:

أنا أرسم بمبضع الجرّاح:

أرسم ..لا أكتب أحجية..لا أحرق البخور، ولكنني أرسم..وإذا قيل إن ريشتي تشبه مبضع الجرّاح أكون قد حققت ما حلمت طويلاً بتحقيقه…

 أنا لست محايدا:

متهم بالانحياز، وهي تهمة لا أنفيها.

 أنا لست محايدا. أنا منحاز لمن هم ( تحت)..بالأكاذيب وأطنان التضليلات والقهر والنهب وأحجار السجون والمعتقلات. أنا منحاز لمن ينامون في مصر بين قبور الموتى، ولمن يخرجون من حواري الخرطوم ليمزقوا بأيديهم سلاسلهم، ولمن يقضون لياليهم في لبنان شحذا للسلاح الذي سيستخرجون به شمس الصباح القادم من مخبئها..ولمن يقرأون كتاب الوطن في المخيمات…

جماهير الجنوب:

جماهير الجنوب، بما فيها جماهير المخيمات الفلسطينية المعترة ( الفقيرة) هي التي قاتلت، وهي التي حملت السلاح، ووفاء لهذا الشعب العظيم  الذي أعطانا أكثر مما أعطانا أي طرف آخر، وعانى وتهدم بيته ، لا بد من أن يقول المرء هنا أن مقاومي الحركة الوطنية اللبنانية قد جسدوا روح المقاومة بما يقارب الأسطورة…

صباح الخير يا بيروت:

في يوم كان القصف عنيفا جدا على بيروت، من الجهات الست، وتوقفت كل الصحف ما عدا ( السفير)..وأين نلجأ؟ لجأنا على الدور الأرضي محل المطابع، واستمر القصف طوال الليل، ولم يتركوا زاوية أو بيتا إلاّ وقصفوه. وعندما خرجت وجدت كل البيوت مصابة من فوق ومن تحت..وانضافت لها شبابيك جديدة. رسمت زهرة مقدمة لبيت – رمز بيروت –من الفجوة التي أحدثتها القذيفة مع عبارة: صباح الخير يا بيروت.

أنا كنت مبشرا بالثورة وما أزال:

أنا كنت مبشرا بالثورة وما أزال.ولكن منذ بداية الثورة كان لي موقف من خط سيرها. كنت أرى أنها يجب أن تكون قومية لا فلسطينية. ثورة 1936 كان لها هذا الطابع الفلسطيني المحض، لذلك لم تنجح ثورة 36 في أن تكون نموذجي الذي يجب أن أحتذيه، كذلك لن تنجح هذه الثورة الأخيرة…

حنظله شاهد..وهو شاهد شاف كل حاجة:

حنظله شاهد، وهو شاهد شاف كل حاجة. يقولون حنظله سلبي..أدار ظهره وشبك يديه ووقف يتفرج. إنهم لا يستطيعون أن يروا الدمعة المعلقة في عينيه، والتي تنتظر أرض الوطن كي تعود إلى حيث تنتمي. ولد حنظله في العاشرة من عمره ..وسيظل دائما في العاشرة ..ففي ذلك السن غادرت الوطن..وحين يعود حنظله سيكون ..بعد..في العاشرة.

الكاريكاتوري لغة تخاطب الناس:

..وأشعر أيضا أن الكاريكاتوري لغة تخاطب مع الناس، ولغة تبشير، وهو للنقد، وليس للترفيه. وأعتبر نفسي جراحا من نوع ما، وأرى أن حزني ومرارتي وسوداويتي التي أعبر عنها في رسومي هي حالة نبيلة ومشتركة بيني وبين المواطنين الذين يحزنهم هذا الواقع العربي.

أول من نشر لي كان غسان كنفاني:

أول من نشر لي، كما قلت، كان غسان كنفاني، . الرسم الأول كان يمثل خيمة على شكل هرم، وفي قمة الخيمة بركان ترتفع منه يد مصممة على التحرير. كنت أفكر أن الخيمة هي جبل، وبداخلها غليان كما بداخل الجبل. كنت مؤمنا يومها أن الغليان والإرادة اللذين في الخيمة لا بد أن ينفجرا باتجاه الخارج…

سنستمر:

أعلم أنني سأواصل الطريق، فأنا على موعد هناك..بعيدا ولن أخلفه. سنلتقي ذات يوم.. الجميع.. الشهداء.. وأبناء المخيمات .. والمغتربون هنا وهناك .. حاملين صورة الوطن في العيون.. و( فاطمة) الفلسطينية التي حملت هموما تئن تحت وطأتها الجبال..وسندق صاري علم فلسطين في تراب الوطن..سنستمر…

*هذه بعض أقوال ناجي العلي، والحديث بكامله متوفر بالتأكيد في جريدة ( القبس)، وأنا اعتمدت على النص الكامل المعاد نشره في كتاب: ناجي العلي وفن الكاريكاتوري الصادر عن الاتحاد العام للصحفيين العرب من أجل ذكراه، ويضم كتابات لعدد من الكتاب، ورسومات لكبار فناني الكاريكاتوري في الوطن العربي، وبيانات نعي .. وكلمة مؤثرة للسيدة (أم خالد) زوجة ورفيقة ناجي العلي.

* أطلق قاتل مجرم الرصاص على رأس ناجي العلي، وهو يتجه إلى مقر صحيفة ( القبس) في لندن يوم 22 تموز.. وفاضت روحه يوم 29 آب 1987 .

* دفن ناجي العلي فنان فلسطين والعرب في مقبرة (بروك وود) الإسلامية بلندن يوم 3 أيلول  في القبر الذي يحمل الرقم ( 230190)

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.