المقاومة، دلبح، وانفلات ابو خليل في “الأخبار”، د. عادل سمارة

لست ادري إن كان اسعد ابو خليل يُحاضر في طلبته في امريكا كما يكتب لقراء العربية؟ حيث يراكم كما من المعلومات بعضها بتوثيق وبعضها بفلتان قراراتي على طريقة الأستذة الشرقية. ينتقد أحمد سعيد ولا يبتعد عن اسلوبه كثيراً. يُعطي شهادات للبعض ويدين البعض، بين صحيح وخاطىء مما يدفعك إلى الشك حتى في ما تعتقد وربما تتأكد أنه صحيحاً.
لم أقرأ كتاب محمد دلبح عن فتح، ولكنني قرأت في “الأخبار” ما كتبه ابو خليل.
أبو خليل شأنه شأن، ربما كل الناس، لم يتوقفوا عن وصف ما قام به بعض شعبنا بأنه ثورة. لم يتم التواضع بعد لتأكيد ان ما حصل وحتى اليوم هي حركة مقاومة لا أكثر. هذا إضافة إلى أن القول بحركة مقاومة هو أكثر تأكيداً على وجوب والدعوة للاستمرار. فالثورة عادة تصل إلى مآل ما:منتصرة، مهزومة أو متحولة إلى ثورة مضادة.
هنا أتجرَّأ بالقول بأن أية معالجة للحالة الفلسطينية بمعزل عن العرب هي معالجة قاصرة وبوسعي القول تصل حد الشبهة. فلم يتم اغتصاب فلسطين لأن لليهود دافع ديني في حائط البراق ، أو لأن موسى لم يمت ويرونه يتلو ترانيمه بلسان فيه لثغة. تم اغتصاب فلسطين ضمن مشروع راسمالي غربي قام بإنجاز ما عجزت عنه فرنجة الإقطاع أي استعمار الوطن العربي.
وهذا يعني ان المقاومة الفلسطينية التي لم تنطلق عام 1965، ولم تكن فتح هي البادئة بها، بل بدأت منذ العقد الثاني من القرن العشرين وكانت الثورة المضادة سابقة عليها على الأقل عبر وبدور انظمة سايكس-بيكو. اقصد تحديدا أن الثورة المضادة كانت تحت جلد وفوق جلد الوطن العربي وهو ما مكَّنها من مواصلة إجهاض المقاومات والثورات. حاولت توضيح ذلك في كتابي عن الربيع العربي المحتمل:”ثورة مضادة إرهاصات أم ثورة 2012″ بأن الحراك أجهضته الثورة المضادة.
لا أدري إن كان كتاب محمد دلبح قد تطرق إلى أن التمويل الخليجي خاصة هو جزء أو أحد ميكانيزمات الثورة المضادة لتقويض المقاومة. فليس من المعقول أن تسمح أمريكا لأنظمة صنعتها لخدمة الكيان وتقويض العروبة أن تدفع هذه الأنظمة مالا لمقاومة تهدف تحرير فلسطين أي تصفية الكيان الصهيوني. للأسف لم ينتبه ابو خليل لهذه المسألة فمر على هذا التمويل مرورا سطحياً. فعدم التقاط هذه المسالة الواضحة فيه من عدم فهم خطورة التبعية فما بالك تبعية التنصيب والحماية!
في ايار 1968 كنت في سجن نابلس وكنت أقوم بمناقشات مع الرفاق وغير الرفاق في السياسة والقومية والماركسية…الخ. ذات يوم قال لي السيد محمود أدعيس/أبو نبيل من بلدة بني نعيم/الخليل(حي يرزق)، اريد الحديث معك في الفورة (وقت السير في ساحة المعتقل) حيث لم نكن معاً في غرفة .قال لدي رسالة لك من الختيار غاضب منك لأنك تنتقد في محاضراتك حركة فتح. قلت من هو الختيار؟ قال ابو عمار “لاحقا عرفت ان بن غوريون يلقب بالعبرية “زكين-أي الختيار” . قلت وهل بينك وبينه اتصالا؟ قال نعم: نحن جيش رواتب ورتب وأنا ضابط. أدهشني ذلك، فقد كنا حينها في الجبهة الشعبية نلملم بالقروش لشراء قطعة سلاح من بقايا الجيش الأردني. أذكر انني بعت خاتم ذهب اهداني إياه المرحوم عمي يوسف وهو ضخم وعليه رسمة حضارة الإنكا أحضره من البيرو ن بعته لأشتري ما يمكن.
هذا المال الذي أتى من الخليج كان من اسس الخراب.
في عام 1985 اتصلت بي السيدة ريموندا الطويل من تونس (وهي على قيد الحياة) وكنت اعرفها سابقا من العمل الصحفي، وقالت لي: يوجد لديك من الختيار 25 ألف جنيه استرليني. قلت لي! قالت نعم. قلت لماذا؟ قالت لأنك اعتقلت انت وامك واخوتك وهدمت بيوتكم. قلت لكن انا أُعد دكتوراة وهذا يعني ان وضعي افضل من 95 بالمئة من الشعب الفلسطيني كما أنني قمت بواجبي لا غير.وقلت لها اعطيني عنوانك. كتبت لها رسالة وأبقيت نسخة منها لدى د. حميدة قاضي (هندية تحاضر في London School of Economics ) قالت حميدة ما هذه بالعربية؟ قلت احتفظي بها للتاريخ.وارسلت الرسالة إلى السيدة ريموندا وملخصها ليعلم ابو عمار أن هناك بعض الفلسطينيين لا يمكن شرائهم. واتصلت بها بعد أسبوعين: هل وصلت الرسالة ؟ قالت نعم. قلت هل اعطيتها للرجل؟ قالت “بدك تقطع راس؟ قلت يخرب عقلك بدك إذن تقطعي راسي بالمال. لماذا يُعرض علي انا المال؟ هل لتصليبي نضاليا أم العكس؟ لذا، تجري محاكمتي اليوم لعيون التطبيع.لم تكن لدي منحة في لندن لكنني عملت يدويا وفكريا في عدة مجالات.
في اغتيال ناجي العلي، يقع ابو خليل في مغالطة لا تتسق مع أحكامه المتسرعة فيقول:
” وفي تناول الاغتيالات التي طالت قادة المقاومة وناجي العلي، يتطرّف الكاتب في التلميح إلى مسؤوليّة عرفات مع أن الواجب (المنطقي والوطني) يكمن في اتهام إسرائيل حتى يثبت العكس”
لا يا ابا خليل، أنت لست قاضيا ولا ذا إطلاع. قاتل ناجي في رام الله، ويُقال بأنه وصل حد المعتوهية. ولو كان إيلان هليفي حيا وجرئيئً لقال القول الفصل.
بالمناسبة، هذه الأيام ذكرى رحيل ناجي الذي اصبحت ذكراه تحت احتلال من سيقتلونه لو كان حياً، مما يجعلنا نحيد عن الكتابة في ذكراه. ناجي وأمثاله كالثورة يحصد نتاجها في الغالب اعداؤها.
طبعا كتابة ابو خليل ضد البعث تسحق تضحيات مناضليه بالمطلق ليعرضه كفاشية، ولا ينجو من ذلك كذلك القذافي. “ما هكذا تورد الإبل”. فخدمة الجيل القادم تقتضي محاكمات علمية دقيقة تستغرق السلب والإيجاب. ذلك لأن التكفير بتجارب حركة التحرر العربية تكفيرا مطلقا هو:
1- تدمير الوعي الجمعي بالغرس فيه أن لا إيجابي في اي نضال لهذه الأمة.
2- تضخيم الكاتب ليصبح أبو الأمة.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.