أمريكا الجنوبية، رأسمالية القرن الواحد والعشرين، الطاهر المعز  

لم يتمكن اليمين الذي تعتبره الولايات المتحدة “معتدلا”، من الإستقرار ومن فرض خطط رأس المال، عبر صندوق النقد الدولي، في معظم بلدان أمريكا الجنوبية، سواء في البرازيل أو الأرجنتين، حيث تَعَثّر “ماوريسيو ماكري”، في الإنتخابات التمهيدية، كما يلاقي رموز اليمين البرازيلي بعض المصاعب، بعدما اعتبرت مؤسسات “وول ستريت” وصندوق النقد الدّولي، فوز اليمين في البرازيل والأرجنتين وبيرو وتشيلي وكولومبيا وإكوادور، بمثابة “نهاية التاريخ”، وإعلان وفاة اليسار (“المعتدل” أيضًا) في أمريكا الجنوبية، وبعدما شكل انتخاب “بولسونارو” في البرازيل انتصارًا لليمين المتطرف ولأنصار الإنقلابات والدكتاتوريات العسكرية، لكن تطبيق سياسات التقشف وإلغاء دعم أسعار الوقود والمواد الأساسية، أثار غضب الفُقراء والأُجراء ومُتوسِّطِي الدّخل في العديد من بلدان جنوب القارة الأمريكية، في الأرجنتين، وفي البرازيل، وبيرو، وتشيلي، وإكوادور، بالإضافة إلى كولومبيا التي يحكم​​ها اليمين، والتي تعتبر قاعدة أمريكية ثابتة…  

اعتبر صندوق النقد الدولي فَوْزَ “ماوريسيو ماكري” بمنصب رئاسة الأرجنتين، بالإضافة إلى 13 مقاطعة، من إجمالي 23، ومن بينها العاصمة “بيونس إيرس”، بمثابة انتصار عظيم للإقتصاد الليبرالي، في أمريكا الجنوبية، وكان رئيس البرازيل السابق “ميشال ثامر” يعتبر “ماكري” نموذجا يحتذى به في مجال “الإصلاحات” الاقتصادية، ووعد الإنقلابي الفنزويلي “خوان غوايدو” بالإقتداء بنهج “ماكري”، الذي لم يتمكن من ترسيخ نفوذه في بلاده، بل مُنِيَ بهزيمة واضحة، في الانتخابات التمهيدية لشهر آب/أغسطس 2019، بسبب تدهور الوضع الإقتصادي، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وبدأ شبح الهزيمة يتهدد اليمين الذي هلّل في السنوات الأخيرة، لانتصار بيدرو بابلو كوتشينسكي في بيرو، وسيباستيان بينيرا في شيلي، وإيفان دوكي في كولومبيا، ولينين مورينو في إكوادور، واليميني المتطرف “جاير بولسونارو” في البرازيل، وكذلك ماوريسيو ماكري في الأرجنتين، والذي أغرق البلاد بالديون من صندوق النقد الدولي…  أدّت السياسات اليمينية الليبرالية إلى احتاجات في عدد من بلدان أمريكا الجنوبية.

في تشيلي، انطلقت الإحتجاجات على ارتفاع الأسعار، منذ السادس من تشرين الأول/اكتوبر 2019، وتظاهر المواطنون في العاصمة “سنتياغو” بشكل مكثف يومي الخميس 17 والجمعة 18 تشرين الأول/اكتوبر 2019، احتجاجًا على ارتفاع أسعار النقل، للمرة الثانية منذ بداية سنة 2019، وارتفاع تكاليف المعيشة، مما أدى إلى صدامات عنيفة بين الشرطة والمتظاهرين، واستخدمت الشرطة خراطيم المياه المضغوطة، والقنابل المسيلة للدموع، وألقت القبض على ما لا يقل عن 133 متظاهر، بحسب بلاغ الشرطة، وهاجم المتظاهرون مقرات بعض الشركات والمتاجر الكبرى والمصارف، فأعلن الرئيس اليميني “سيباستيان بينيرا” حالة الطوارئ، ونَشْر قوات الجيش في الشوارع والساحات، وإغلاق جميع محطات قطار النقل الحَضَرِي في العاصمة، وعددها 164 محطّة، تمتد على طول 140 كيلومترأ، ويستخدمها حوالي ثلاثة ملايين مسافر يوميّا، وانتشر الجيش في الشوارع والساحات، وهدّد الرئيس باللجوء إلى القوانين الإستثنائية (قانون أمن الدولة) الذي يسمح بسجن المتظاهرين والمُضربين لمدة تصل إلى عشر سنوات…

في إكوادور، تظاهر المواطنون يوم الإربعاء 16 تشرين الأول/اكتوبر 2019، ضد سياسة التقشف التي فَرضها صندوق النقد الدولي، وتُطبقها حكومة “لينين مورينو”، مقابل قرض بقيمة 4,2 مليار دولار، وتحدّى المتظاهرون قانون الطوارئ وحظر التجوال الذي أقره الرئيس، منذ الثالث من تشرين الأول/اكتوبر 2019، وكان المحتجون قد اقتحموا مقر البرلمان لفترة وجيزة، وادّعى الرئيس اليميني إن هذا الحراك الشعبي يمثل مناورة ومحاولة انقلابية، لزعزعة استقرار البلاد، وشملت ال؛تجاجات قطاع النقل الذي توقف يومي لفترة يومين، وأغلق المتظاهرون من السكان الأصليين للبلاد، الطرقات في جبال سييرا وسييرا نورتي، كما عَمّت الإحتجاجات المراكز الحضرية والمقاطعات الساحلية، بداية من يوم الإثنين، 14 تشرين الأول، ونفذت النقابات إضرابا عامّا يوم الإربعاء 16 تشرين الأول/اكتوبر 2019، ضد برنامج التقشف الذي يُسمّيه صندوق النقد الدولي “برنامج الإصلاح الإقتصادي”، وتمثلت أهم مظاهره في إلغاء دعم الوقود (الذي تنتجه البلاد وتُصدّر جزءًا منه)، وزيادة سعره، بنسبة تصل إلى 123%، ما أدّى إلى زيادة سعر النقل والسلع الأخرى، بنسب تتراوح بين 15%، زيادة على إجراءات سابقة شملت تخفيض الإجازات مدفوعة الأجر، وخصخصة الضمان الاجتماعي، وخفض التحويلات الإجتماعية للأُسَر الفقيرة، ما أثار غضب الفئات الأشد فقرًا، وأعلنت الشرطة اعتقال ما لا يقل عن 700 شخص، وقتل ما لا يقل عن خمسة متظاهرين، واضطر الرئيس الإكوادوري “لينين مورينو” إلى إلغاء زيادة أسعار منتجات الطاقة، لكن تواصلت المظاهرات، بسبب تفاقم الوضع، وزيادة الأسعار، ونسبة التضخم، وتوسع دائرة الفُقْر، وانخفاض مستويات المعيشة ومستوى التعليم، خلال السنوات الأخيرة، وكان الإقتصاد قد انكَمَشَ سنة 2018، كما انخفضت احتياطيات الدولار في المصرف المركزي، بسبب انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية…

جابهت الحكومة اليمينية في إكوادور، احتجاجات المواطنين بإعلان حالة الطوارئ، وتعليق الحقوق المدنية وبنشر الجيش في البلاد للتصدّي للمتظاهرين، لكن هذه الإجراءات القمعية لم تضع حدًّا للإحتجاجات والمظاهرات والإضرابات، بل توسعت الإحتجاجات لتشمل السكان الأصليين والطلاب والمُدرِّسِين والمتقاعدين، والنساء والشيوخ، وبلغ عدد الضحايا، يوم 18 تشرين الأول/اكتوبر نحو سبعة أشخاص، وإصابة المئات بجروح وبلغ العدد الرسمي للمعتَقَلِين أكثر من ألف، بحسب مرصد الحقوق في إكوادور…

في بوليفيا، تجري انتخابات عامة يوم الأحد 20/10/2019، لانتخاب النواب وأعضاء مجلس الشيوخ، ورئيس الجمهورية…

أصبح “إيفو موراليس” أول رئيس للبلاد، من السكان الأصليين، سنة 2006، وشجع الزراعة، وأقر برامج اجتماعية ضخمة انتشلت ملايين المواطنين من الفقر، وخاضت حكومته معارك ضد الشركات متعددة الجنسيات، التي نَهَبت موارد البلاد، على مر العقود، وأصبحت بوليفيا، منذ 2006، نموذجا للتحديث وللنمو القوي، وانخفاض المديونية، لكن الإقتصاد بقي قائمًا على استغلال المواد الأولية، والمناجم والمحروقات (الغاز)، وأعيد انتخاب الرئيس مرتين ( 2009 و 2014)، بعد تغيير بنود الدستور، وعاشت البلاد استقرارًا استثنائيّا لأنها كانت البلد الأكثر اضطرابا وتقلبا في أمريكا الجنوبية، ويخوض الرئيس “موراليس” انتخابات هذا العام انتخابات صعبة، مع زيادة حدة المعارضة التقليدية لرجال الأعمال، خصوصا في شرقي البلاد، ومعارضة بعض الفئات الأخرى من المدافعين عن البيئة، وعلى “التّنوّع البيولوجي”، رغم الدعم الواسع الذي يتمتع به الرئيس “موراليس”، جراء تحسين الظروف المعيشية والحد من معدلات الفقر والبطالة، بفضل تنظيم الاقتصاد وإعادة توزيع الثروة، بعد تأميم المحروقات والغاز، وإقرار الضريبة على الشركات، ما أدّى إلى مضاعفة ميزانية الدولة أربعة مرات بين سنتَيْ 2006 و 2013، وسمح ذلك بتمويل البرامج الاجتماعية، ودعم أسعار الكهرباء  والخدمات الأساسية، وتمويل أشغال البنية التحتية، وتمويل مشاريع منتجة في مجال الزراعة، لكن هناك نزاعات بشأن أشغال عبور “المحمية الوطنية”، وبحيرة “بوبو”، بطريق كبير لربط مختلف مناطق بوليفيا، وإنشاء المطارات والطرق وشبكات الاتصالات السلكية واللاسلكية، التي تسمح بتطوير البلاد، لكنها تُشوه البيئة، خاصة في منطقة “سانتا كروز”، وشرق البلاد، حيث ينتشر إنتاج المحاصيل المعدلة وراثيا، ومن بينها 1,5 مليون هكتار لإنتاج فول الصويا، بالإضافة إلى إنتاج الذرة والبطاطا والأرز والقطن، من قبل كبار المزارعين…

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.