ما قيمة تثبيت الشخصية الفلسطينية بعد التضحية بالوطن، د. عادل سمارة

  • حالة قُطرية بلا أرض أو بشُقف من أرض الوطن لا سيادة عليها.
  • قراءة في كتاب الصديق محمد دلبح

كتاب الفلسطيني محمد دلبح “ستون عاما من الخداع:حركة فتح من مشروع الزعيم الى مشروع التصفية”  إصدار دار الفارابي-بيروت، عام 2019 في 518 صفحة من القطع الكبير،  هو الوجه الاخر لما يسمى ثورة فلسطينية بقيادة م.ت.ف. وإن كان هناك الكثير من مثالب هذه المقاومة، فإن ما يكشفه هذا الكتاب يكاد يُقنع بأن ما عُرف قبل هذا الكتاب ليس سوى لا شيءْ، وكأن كل ما حصل كان من أجل إنسداد الطريق كي لا يكون هناك من بوسعه حمل المهمة.
وإن كان للمرء تلخيص ما أوصله إليه الكاتب، أقول: لو صدر هذا الكتاب قبل كارثة أوسلو لواجهت هذه الكارثة رفضاً شعبياً شبه تام من الأرض المحتلة. وبقول آخر، فإن ما كنا نعلمه في الأرض المحتلة عن قيادات م.ت.ف كان محاطاً بمساحيق اسمك من جلد وجهها. ورغم ما كتبه من نقدوا تجربة م.ت.ف من أهل الأرض المحتلة، قبيل كارثة أوسلو، بمن فيهم كاتب هذه الكلمات، فإن ما عرفناه بعد أوسلو، وما قدمه هذا الكتاب ليؤكد بأن نقدنا كان مزاحاً.
هل يمكن لمرء أن يشعر بالسعادة لأنه رأى هشاشة وقُصور الحركة الوطنية لبلاده باكراً أو لاحقاً؟ للأسف نعم هذا ممكن وواقعي، فعلى الأقل أنت تعرف المرض وإن كنت عجزت عن الإشفاء.

صحيح أن الكتاب تم تخصيصه لشخصية ياسر عرفات سواء قبل رئاسته للمنظمة تلك وبعد خمس وثلاثين سنة من رئاستها أي بأطول من معظم الملوك والرؤساء العرب والأمناء العامين لفصائل م.ت.ف.
لكن الكاتب كان شديد التوفق في نقده لدور ياسر عرفات من باب أنه ابرز هذا الدور عبر تقديم أدوار كافة الشخصيات التي أحاطت بالرجل بمعنى أن هذه الشخوص هي التي خلقت منه ما صار هو عليه. صحيح أن الكاتب لم يقلها هكذا، لكنه جسدها هكذا. فلم نعهد من التاريخ قط بوجود شخص حكم وتحكم بشعب بأكمله معتمدا على شخصه فقط. هنالك بُنى وهناك شخوصا وهنالك إيديولوجيا وهنالك طبعا طبقات.
صحيح أن كيس المال كان بيد عرفات. ولكن هذا يفتح على ما هو أخطر من حيازته للمال، بمعنى: لماذا تصر الأنظمة العربية على حصر مال الشعب العربي بيد شخص واحد؟ وهو إصرار اوضحه الكاتب في لوم فهد بن عبد العزيز لأبي عمار على اعتقاده بأن بعض المال يتسرب للشيوعيين وأعداء الحكم السعودي.
وبالطبع، وبناء على بنية الكتاب من جهة، وطبيعة تبعية الفصائل لفتح ، وإن بدرجات من جهة ثانية، وما نراه اليوم من جهة ثالثة، فإن هذا التسريب كان المقصود به التحكم حتى بالمنظمات الأخرى، وليس بحركة فتح او الجسم الهلامي ل م.ت.ف. وحسب  اي ان التسريب كان توظيفاً مجدياً سياسيا لدافعي المال ومتلقيه على حد سواء، إلى الحد الذي يمكننا القول معه الآن بأن امتلاك فتح للمال وكأن حركة فتح تملك القضية وتقول لبقية الفصائل وحتى الشعب: “لا تتدخلوا في شؤوننا الداخلية”. ولعل آخر طبعات هذا، الانتخابات التي أجرتها حركة فتح قبل اسبوع  لاتحاد الكتاب في رام الله حيث دعت من تريد وكأن ذلك لتحضير قائمة فتح لانتخابات اتحاد الكتاب!
وهذا يفتح على مسألة مضحكة مرعبة وهي ما تردد بأن ما تسمى “الثورة” الفلسطينية هي الأغنى في العالم. حيث لا يُعقل أن توجد ثورة غنية من جهة، كما لم يتم التطرق كثيرا، من الكاتب، لمصدر الغنى. فإذا كانت بعض الحركات السياسية تتمول من التهريب أو المخدرات، وفي ذلك بذل جهد سواء في الزراعة أو الحماية، فإن الحالة الفلسطينية هي ريعية بحتة وهذا مصدر كسل نضالي وبذخ استهلاكي خطيرين. وفي هذا السياق يجدر القول بان سلطة م.ت.ف سابقا وسلطة الحكم الذاتي حاليا هي أنجزة كبيرة لليمين إلى جانب انجوزات صغيرة لليسار، وأنجوزات دين سياسي لقوى الدين السياسي.
فليس من المعقول أن تكون أنظمة عربية هي مخلوقات بيد الغرب الإمبريالي خالق الكيان الصهيوني ان تقدم هذا الفيض المالي إلى مقاومة تعلن ان هدفها تحرير فلسطين، اللهم إلا إذا كان آمر المموِّل يعرف ما يريد ووضع خطة وتابع تنفيذها حيث وجد التنفيذ على ما يرام. ولكن طالما نوايا هذه الأنظمة بل دورها هكذا، فلماذا البذخ من القيادة؟  فكما ورد في ص 229 من الكتاب عن مؤتمر فتح الخامس في تونس عام  1989 حيث حضره اكثر من الف شخص! فلو افترضنا كلفة تذكرة ومبيت وضيافة كل شخص 1000 دولار لكانت النفقات مليون دولار. وهذا من حركة وطنية تقوم بحرب غُوار!!!
يندهش المرء حين يرى كل هذه الأسماء والشخصيات كيف بقيت في هذا الممر لعقود. وهل يُعقل أن الدافع كان المال فقط؟ أم أن هناك ما هو خطير وربما أخطر؟
يذكر الكاتب أن هذا الرجل غضب وغادر التنظيم، ثم عاد، وأن البعض لم يغادر بينما كان يقول في الرجل، أي عرفات،  “ما قال مالك في الخمر”! وأن هذا الفصيل غادر المنظمة ثم عاد لظروف ما!
في هذا السياق لا يمكننا تكذيب الكاتب لأن كتابه موثق بشكل أكاديمي دقيق.
فهل هناك شكوك في المصادر؟ هذا ما لا يمكننا الفتوى فيه. ولكن ما يمكننا قوله بأن  ما ورد بين دفتي الكتاب هو حقيقي استنادا منا على ما آل إليه وضع قضيتنا.
وهل هناك أوضح من البدء بالتحرير والانتهاء بحلم الاستدوال على جزيء من الوطن ولم يحصل!
فلو طرحنا الكتاب جانباً ودققنا في خطاب البنادق وانتهينا إلى خطاب بل ممارسة التسوية، لما خالطنا الشك في دقة ما أورده الكاتب ولو بالتفصيل الممل ولكن المثير للحُنُق على وضع كهذا.
ولكن الحقيقة تقتضي خروجا ما عن الإطار الذي حدده الكاتب والذي حصره إلى حد كبير في شخصية عرفات وحركة فتح. أي ماذا عن بقية الفصائل الفلسطينية التي بقيت ضمن م.ت.ف؟ أو خرجت وعادت وخرجت وعادت.
وهنا يواجهنا سؤال صعب بل تحدٍّ: هل كان على هذا الفصيل أو ذاك، وذلك المناضل والقيادي أو ذاك أن يخرج عن المنظمة حتى لو إنتهى بذلك دوره؟ ذلك لأن الخيار كان بين:
·        أن يبقى تحت هذا المظلة
·        أو ينتهي نضاليا
ذلك لأن الساحة والمرحلة ، إلى حد كبير، كانت قد حصرت الخيارات هكذا.
قد يكون لنا المغامرة بالقول، وعلى ضوء ما انتهت إليه القضية، فإن الخروج التام كان مثابة انتحار شريف وهو أفضل من نحر القضية، علماً بأن تجربة المقاومة اللبنانية بعد 1982 اثبتت أن هناك إمكانية واقعية لظهور مقاومة أشد باساً من المقاومة الفلسطينية.
فباب التاريخ لا يُغلق، بل إن التاريخ عادة ما يقدم لنا مغاليقاً تختبىء في ثناياها مفاتيح، والاختبار هو في من بوسعه التقاط المفاتيح.
وكل هذا يُبرز السؤال: حتى لو كان التحدي هو بين أن تبقى في هذه الأطر التي انتهت إلى أوسلو وحكم ذاتي عاجز عن التطور، وبين أن تبقى مناديا بحق في كامل الوطن؟
أذكر بهذا الصدد أنه حينما جرى توقيع اتفاق أوسلو أنني ارسلت رسالة مطولة إلى الحكيم مختصرها، أن المفروض أن ترفض م.ت.ف المجيىء إلى الأرض المحتلة وأن لا تعترف بالكيان الصهيوني وأن تبقى في الخارج حاملة لشرف تمثيل واجب التحرير وحق العودة وأن تترك المفاوضات الخاسرة لمن يُسمون قيادات الداخل. ولا أدري إن كانت أُوصلت إليه أم لا، وإن وصلت هل كان لا يزال حينها في موقع القرار أم لا؟ علماً بأن “قيادة” الداخل كانت بيد قيادة الخارج.
وإذا كان لامرىء أن يُشكك في كل أو معظم التوثيق الذي اورده الكاتب في كتابه هذا، فإن واقعة فريق المفاوضات الذي خاض عشر جولات تفاوض مع العدو تؤكد أن عرفات لم يكن له أن يرغم الناس على التنازل. ذلك لأن مجرد التفاوض بلا سلاح هو تنازل. هذا من جهة ومن جهة ثانية، فإن عدم وقوف هذا الوفد المفاوض ضد أوسلو بل وبقائه على هوامش العلاقة بالقيادة، وحتى ترشح الكثير من أعضائه لانتخابات مجلس الحكم الذاتي…الخ ليؤكد بأن المشكلة ليست في عرفات وحده. وكأنني اقول: نحن صنعنا عرفات، وهذا أخذته من عنوان كتاب جورج سكارييلو ماهر، اصدرته الثورة الفنزويلية :”نحن صنعنا تشافيز”.
أما مجريات ما بعد أوسلو، وتجذر الفساد والتنسيق الأمني والتغول على كافة القطاعات والأطر النقابية…الخ فتعيد التأكيد بان هناك إيديولوجيا الطاعة حتى قبل المصلحة، وإن كان هذا يعارض ويعاند التفسير المادي التاريخي للحياة. هذا وكأن الحالة الفلسطينية من البهدلة بما هي خارج مسار التاريخ، هذا مع وجوب التعديل بأن الطاعة هي اساساً استثمار مصلحي.

الظهير العربي الرسمي مضادَّاً
ما ورد من وقائع في كتاب محمد دلبح، وما ورد في كتاب الحكيم: “صفحات من مسيرتي النضالية” عن علاقة م.ت.ف وحتى كل فصيل على حدة بالأنظمة العربية يبين بأن هذه الأنظمة كانت عامل إعاقة أكثر مما هي عامل مساندة للفلسطينيين. أما ثالثة الأثافي فكانت في تكيُّف الفلسطينيين مع طريقة تعاطي الأنظمة مع القضية وطبيعة الصراع مما سهَّل على الأنظمة مواصلة دورها المضاد للتحرير والعروبة. وهنا يجب التركيز أن كامل م.ت.ف غادر،
وإن بدرجات، حركة التحرر الوطني العربية وذهب إلى الأنظمة، هذا مع الإقرار بأن حركة التحرر العربية كانت في وضع بائس، ولكن كان بوسع العامل الفلسطيني لعب دور في تغذية متبادلة معها. لقد فقدنا الشارع وحتى الآن لا يوجد ما يوحي باستعادته لا من القوى الفلسطينية ولا العربية.
لم يكن هكذا دور الأنظمة العربية تجاه الجزائر. وهذا بالطبع لأن النظام الناصري كان قد حمل حالة صعود للمشروع القومي فكان دعم الثورات قرار قناعة عالية. أما أنظمة الريع النفطي، حتى قبل تدفقه الهائل، فكانت أعجز من القدرة على  الإعاقة مما ستر وجهها. بينما في الحالة الفلسطينية كانت هي الأداة الأهم للفساد والإفساد والتطبيع وحتى غزو هذا القطر العربي أو ذاك.
ويجد المرء من المحرج حتى الخزي أن يُقارن الظهير السوفييتي –الصيني لفيتنام بالواقع العربي.
ولعل من الواجب التماس العذر ولو نسبيا لهذه الأنظمة وذلك لأكثر من سبب:
·        كونها أنظمة من تمفصلات سايكس بيكو بمعنى أنها محصورة في
محاولات تثبيت سلطاتها
·        وكون إيديولوجيا هذه الأنظمة هي إيديولوجيا القطرية لدى الأنظمة
قومية الاتجاه أو الدين السياسي لأنظمة الريع النفطي والممالك.
·        أو كَون معظمها لم تستقل سوى سياسياً

دور الدين السياسي
يظل على من تبقى من قيادات حركة فتح، أو من يعرفون غيرهم، لتأكيد أو نفي ما اورده الكاتب بالتفصيل بأن قيادات حركة فتح في أغلبها كانت من جماعة الإخوان المسلمين، أي حاملي إيديولوجيا الدين السياسي.  وإذا صح هذا، يصبح من المفهوم لماذا ركزت هذه القيادات على القُطرية الفلسطينية بعيدا عن القوى التحررية العربية من جهة ووثقت علاقتها مع الأنظمة القطرية العربية. ما اقصده أن إصرار قيادات فتح على الموقف القطري هو موقف وقرار لا عروبي بالمعنى الشعبي. وهذا غير مفهوم من حركة مقاومة ولكنه يصبح مفهوما حين تنتقل هذه الحركة من تحرير كامل التراب إلى الاستدوال.
ويزيد الأمر تعقيدا وخطورة أن هذه القيادة قد تم تمويلها من أنظمة الدين السياسي النفطية والتي التقت مع سلطة رام الله علانية هذه المرة في مشروع تطبيعي لا تردد فيه!

راس المال المالي والمقاول
ورد في ص 374  من الكتاب أن ياسر عرفات استثمر اموال م.ت.ف في شركة سي سي سي CCC  وهي شركة مقاولات لرأسماليين فلسطينيين في الخارج، ولا ندري حدود تشاركها مع آخرين أم لا. وإذا كان بوسع البعض التشكيك في هذا الاستثمار، وخاصة لأنه في راسمال مقاول، فإن نفس رجال هذه الشركة هم الذين صرحوا علانية لمرات عدة بأنهم سيواصلوا العمل الاقتصادي مع راس المال الصهيوني ولن ينتظروا توصل السياسيين إلى حلول (انظر مقال عادل سمارة “من الشرعية إلى القداسة) في  مجلة كنعان الورقية العدد 131 تشرين الأول 2007 ، وكذلك كتابنا: “ثورة مضادة إرهاصات أم ثورة” ، 2012 الفصلين الثاني والثالث” وكذلك اطروحة الماجستير لسمير سميرات عن استثمارات فلسطينيين في اقتصاد
العدو.
نقاشنا هنا هو على أرضية أن راس المال المالي والمقاول لا يمكن، أو على الأقل، مستبعداً  أن يكون جزءا من مشروع حرب غُوار للتحرير. أما اليوم، فقد استقامت م.ت. ف مع راس المال بعد تلاشي الحديث عن التحرير، ولذا يحضر “حفلات المصالحة” في مصر ممثل لرأس المال المقاول؟ فمن الذي تبع الآخر؟
يجب التذكير بأنه بعد خروج م.ت.ف من بيروت 1982 عقد راس المال المالي والمقاول مؤتمره في لندن (أعتقد 24 حزيران 1982) لمناقشة دوره لوراثة المنظمة تلك، ولكن عرفات عقد معهم عهدا بأن يتسلموا اقتصاد البلد في حالة التسوية وهذا ما حصل. وبالطبع تسلمت السلطة بعد اوسلو الريع والضرائب…الخ.

بين حمل السلاح والتوريط

ينسجم الكاتب مع الخطاب الذي ينسب لحركة فتح بداية المقاومة قبيل 1967. وهذا أمر يحتاج لبحث مختلف. فالمقاومة كانت أساسا منذ بدء الهجرات الاستيطانية الصهيونية. وبعد  هزيمة 1948 كانت أعمال الفدائيين وخاصة في فترة السراج من سوريا (بعض رجالهم عملوا معنا في أبطال العودة منذ عام 1964، وحتى بعد 1967) ومصطفى حافظ في غزة. وبعد تشكيل جيش التحرير الفلسطيني بقيادة وجيه المدني تحالفت معه حركة القوميين العرب عبر الحاج فايز جابر وبإشراف وديع حداد على تشكيل فصيل فدائي يقوم بدخول الأرض المحتلة دون ان يقوم بعمليات تورط مصر. ونفس الموقف والدور كان للمنظمة
التي قادها أحمد جبريل من سوريا.
ولا شك أن الكاتب يعرف عن الجدل بين حركة القوميين العرب وفتح حول :
·        التوريط، وهو ما ذكره في الكتاب منسوبا إلى حركة فتح،
·        وموقف القوميين العرب “ما فوق الصفر وما تحت التوريط”
ما اقصده، أن التلهف على قصب السبق ليس بذي معنى وخاصة لأن قيادة فتح كانت حريصة على:
·        أن تبدو بأنها هي التي اطلقت الكفاح المسلح أولا
·        وأن تنتقص من دور الأحزاب العربية القومية فيما يخص القضية الفلسطينية
·        وكل هذا لأخذ القضية الفلسطينية بعيدا عن الحضن القومي، وها هي
النتائج واضحة.
لعل ما ينقل القارىء من الدهشة والاستغراب إلى الخجل وربما الخزي أن مشاريع وخطط ومقترحات التسوية على مدار خمسة عقود من فلسطينيين وعرب والأصدقاء السوفييت كانت مثابة ترجي من الكيان وسادته حيث عاملها بأذن من طين وأذن عجين! وبالطبع وراء هذا إدراك الأعداء بأن غياب القوة يجعل تعامله مع هذه المقترحات مثابة تسلية ومتعة.
نعم، لم تكن البنية الفلسطينية الفصائلية والبنية العربية في مستوى المهمة. وهذا لا ينتقص من تضحيات وجاهزية الشعب الفلسطيني والعربي قط خاصة إذا وضعنا في الاعتبار أن النضال ضد الكيان هو صراع مع معسكر الثورة المضادة وبالتالي هو صراع مديد، وعدم إنجاز النصر بعد لا يعني اي عجز شعبي.
وقد يدعم قولنا هذا أن الخروج من بيروت لم يكن موقف الشعب في لبنان، وإنما موقف البرجوازية الطائفية (ص 275 ) وهو موقف لم تدعمه لا قوى المقاومة ولا القوميين هناك، وهي البرجوازية التي ينفجر في وجهها اليوم من استخدمتهم لمدة مئة عام.
لعل أخطر ما مرت به فتح وبقية الفصائل هو الانتقال المقصود من التحرير إلى الاستدوال. ولكي لا نخدع أنفسنا، فإن كل من نظَّر وفاوض في مدريد واوسلو، وكل من شارك في لانتخابات السياسية “رئاسية أو لمجلس الحكم الذاتي- حيث ليس تشريعيا” هو في الحقيقة مع الاستدوال. هذا الاستدوال الذي نجد جذوره في الكثير مما اورده الكاتب. ولكن إذا ما شكك أحد في أن الاستدوال كان مرضا مبكراً كما أكد الكاتب في غير موضع، فإن ابتهاج قيادة م.ت.ف بفك الارتباط الأردني (انظر ص 296 من الكتاب) هو تورط في رفع الغطاء الأردني عن المحتل 1967 لتصبح بلا غطاء بمفهوم الأمم المتحدة بغض النظر عن موقفنا من هذه الأمم المتحدة. أذكر أنني كتبت مقالا ضد فك الارتباط في جريدة النهار المقدسية حينها تحذيراً من تحويل المحتل 1967 إلى أرض بلا سيادة مما يجعل استيطان العدو سهلاً. وقد أكد شكوكي ما قاله أحد موظفي القنصلية الأمريكية في القدس عام  1995 واسمه “جم”حيث عرض فيديو عن توسع الاستيطان في المحتل 1967، وكنت حينها مستشارا اقتصاديا للأنروا (طبعا وظيفة أُنهيت خلال 11 شهراً لأنني وقفت ضد مفاوضات بروتوكول باريس). حينها سألت سيدة فلسطينية الأمريكي: لكن هذه أرض محتلة لا يحق لإسرائيل
الاستيطان فيها، فأجاب حرفيا تقريباً: “حكومة بلادي تعتبر هذه الأرض بلا سيادة”.
أما إلغاء وتعديل 28 مادة من الميثاق الوطني الفلسطيني من بين 33 مادة (ص 423) وطبعاً بعد تقويض الميثاق القومي الفلسطيني  لهو تأكيد على أن الاستدوال قد نفى التحريرـ وكان ما كان، بل ما ترونه الآن.
ولكن، كل هذه القراءة وغيرها، لا تغني قط عن اقتناء الكتاب وقرائته.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.