افريقيا في ظل الحرب التجارية، الطاهر المعز  

على هامش المنتدى الإقتصادي بين إفريقيا وروسيا، في مُنْتَجَع “سوتشي” من 22 إلى 25 تشرين الأول/اكتوبر 2019

مقدمة:

يُقدّر عدد سكان قارة إفريقيا بنحو 1,2 مليار نسمة (أو “مُستهلك”)، وتحيط بها البحار والمحيطات من كل جانب، فهي تكاد تكون جزيرة كبيرة، تحتوي حجمًا هائلاً من المعادن المتنوعة، ومن الأراضي الزراعية الخصبة والغابات والمياه، وتستحوذ القارة الإفريقية على حوالي 12% من الاحتياطي العالمي للنفط، وعلى 42% من مواقع الذهب، وعلى 19% من اليورانيوم، و45% من اليتانيوم، كما تغطي القارة أكثر من 50% من إجمالى الطلب العالمى على الألماس، بحسب بيانات البنك العالمي، ويقدّر الناتج المحلي الإجمالي لدولها​​ مُجتمعة بنحو 3,4 تريليون دولارا، أو ما يُعادل 3% فقط من الناتج الإجمالي العالمي، ويُتوقّع أن تسهم منطقة التجارة الحرة الأفريقية فى زيادة حجم التجارة البينية بين بلدان إفريقيا من 17% سنة 2018، إلى 60% بحلول العام 2022، وتستهدف الحكومات المشاركة تقليص حجم وقيمة السلع المستوردة، عبر تسهيل عبور الإستثمارات والسلع، وإنشاء اتحاد جمركي، وسوق موحدة للسلع والخدمات…

تحتضن عاصمة الحَبَشة (أديس أبابا) مقر الإتحاد الإفريقي، الذي بَنَتْهُ الصين، وتترأس مصر الدورة الحالية للإتحاد الإفريقي، وعرضت روسيا على مصر والحبشة وساطتها في أزمة بناء سد “النهضة” الذي أنْشَأتْهُ الحبشة باستثمارات وخبرات دولية، ومن ضمنها الخبرات الصهيونية، وتدّعي روسيا أنها شريك اقتصادي موثوق، بدليل إسقاط نحو عشرين مليار دولار من ديون قارة إفريقيا، وورثت روسيا علاقات اقتصادية طيبة مع العديد من الدول الإفريقية، حيث دعم الإتحاد السوفييتي بعض الأنظمة “التقدّمية” ودعم حركات التحرر، في إطار خيارات عقائدية واستراتيجية، وتواصَل بعض هذه العلاقات، فيما تلاشى البعض الآخر، وتحاول روسيا، حاليا، في ظل الحصار الإقتصادي الأمريكي، توسيع وتنويع علاقاتها، مع بلدان آسيا وإفريقيا، ويتنزّل المُنْتدى الإقتصادي بين روسيا وإفريقيا في هذا الإطار، وفي زمن أصبحت إفريقيا سوقًا بديلة لسلع روسيا والصين، بعد اتخاذ أوروبا وأمريكا إجراءات تَحدّ من دخول السلع الروسية والصينية…

عمومًا أصبحت قارة إفريقيا، بموقعها الإستراتيجي، وبثرواتها الهائلة، محل صراع القوى الكُبرى، ومن بينها القوى الإستعمارية التقليدية مثل فرنسا وبريطانيا، ودول الإتحاد الأوروبي عمومًا، بالإضافة إلى الولايات المتحدة والصين والهند واليابان وروسيا، والكيان الصهيوني الذي استعاد مواقع كان خَسِرَها مؤقتًا بعد عدوان 1967، وخصوصًا بعد عدوان 1973، بل واكتسَح مواقع جديدة وهامة مثل نيجيريا، رغم الدّعم الذي قدمه الكيان الصهيوني للإنفصاليين بقيادة الجنرال “أوجوكيو”، ورغم الدعم الذي قدمه الكيان الصهيوني للإستعمار البرتغالي ولنظام الميز العنصري…

تتعرض هذه الورقة للعلاقات الإقتصادية بين روسيا وإفريقيا، كما تتعرض لعلاقات إفريقيا مع أمريكا والصين، بهدف توضيح بعض أسباب التنافس و”الحرب التجارية”، وتوضيح أهمية موقع وثروات هذه القارة، في إطار التقسيم العالمي للعمل، وفي إطار التبادل غير المتكافئ، وفي إطار الهيمنة الإمبريالية المُعَوْلَمَة، كما تُحاول هذه الورقة توضيح الأسباب التي حوّلت إفريقيا، منذ زمن، إلى ساحة صراعات بين مختلف القوى المهيمنة عالميا، ودخول الصين وروسيا والهند وغيرها (إضافة إلى الكيان الصهيوني)، إلى القارة للحصول على نصيب من ثروات إفريقيا…

الإطار العام للمنتدى الروسي الإفريقي:

 ساهم الإتحاد السوفييتي في عملية إنهاء الاستعمار في الخمسينيات وأوائل الستينيات، ودعم برامج التنمية في إفريقيا (وفي مناطق أخرى من العالم)، عبر المساعدات مالية والسلع والسلاح، والدّعم التقني، وفي مجال التعليم والصحة، وأسّس الإتحاد السوفييتي، سنة 1960، في موسكو، جامعة الصداقة “باتريس لومومبا” (الذي اغتاله الإستعمار)، ووفرت الجامعة والسلطات السوفييتية منحًا للطلبة من البلدان المستعمَرَة، أو حديثة الإستقلال، للدراسة في هذه الجامعة المرموقة، والمُجَهّزَة بأحدث الوسائل البيداغوجية والعلمية والمختبرات والمُدرّسين المقتدرين… ثم انحسرت العلاقات بعد انهيار الإتحاد السوفييتي، وعجز روسيا عن مواصلة دور الإتحاد السوفييتي، لأنها أصبحت تعمل على الإنصهار في المنظومة الرأسمالية العالمية…

عاد الاهتمام الروسي بالقارة الإفريقية إلى الواجهة من خلال القمة الروسية الإفريقية “سوتشي”، التي انطلقت، يوم الثلاثاء 22 أكتوبر/تشرين الأول، في مدينة سوتشي الروسية على شاطئ البحر الأسود بمشاركة قادة 43 دولة إفريقية، إضافة إلى تمثيل 11 دولة على مستوى نواب الرؤساء أو وزراء الخارجية أو السفراء. وتجري القمة الأولى بين روسيا ودول القارة الإفريقية بإشراف الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والمصري عبد الفتاح السيسي، وركزت روسيا على المصالح المُشتركة، ووعد الرئيس “فلاديمير بوتين” بدعم بعض الدول الإفريقية، عبر خفض أو إلغاء الدّيون الرّوسية، ويُظْهِرُ انعقاد هذه القمّة (الأولى من نوعها) اهتمامًا روسيا بقارة إفريقيا، ولم يكن الإهتمام جديدًا، لكن الدّوافع والتوقيت تثِير الإهتمام، خاصة وإن روسيا وجهت الدعوة لرؤساء جميع الدول الإفريقية، وأن مصر (الرئيس الحالي الاتحاد الإفريقي) تشارك روسيا رئاسة المُنْتَدَى، وتطمح روسيا إلى تعزيز التعاون مع دول القارة، وإنشاء “شراكة استراتيجية ترتكز على المصالح المتبادلة وتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية ورسم أطر جديدة للتعاون البناء في كافة المجالات، مع احترام السيادة الوطنية”، بحسب ما ورد في برقية لوكالة “سبوتنيك” (22/10/2019)، وينعقد المنتدى بمشاركة ممثلين عن الشركات التجارية الروسية والأفريقية والدولية، لتيسير عملية الإتصال المباشر بينهم…

سبق أن أطلقت روسيا مفاوضات مع معظم الدول الإفريقية، منذ حوالي عشر سنوات، بشأن تعزيز العلاقات الإقتصادية، واغتنمت فرصة انعقاد قيمة دول مجموعة “بريكس” (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا)، في مدينة “جوهنسبورغ”، عاصمة جنوب إفريقيا (تموز/يوليو 2018)، لإحياء الفكرة ولإطلاق الدّعوة لعقد أول قمة روسية أفريقية…

ارتفع حجم التبادل التجارى بين دول إفريقيا وروسيا، من حوالي خمسة مليارات دولارا، سنة 2010 إلى 15 مليار دولارا سنة 2017 وإلى نحو عشرين مليار دولار، سنة 2018، وزاد نشاط الشركات الروسية في عدد من البلدان، ومن بينها جنوب افريقيا وزيمبابوى وزامبيا وموزمبيق وأنغولا والغابون، وخصوصا في قطاعات النّفط والتّعْدِين والطاقة، وارتفع حجم نشاط شركات ‘ألروسيا” لإنتاج الألماس، وشركات الطاقة، ومن بينها شركة “روس نفط” و”لوك أويل” و”غازبروم”، ومؤسسة “روس آتوم” وغيرها، بالإضافة إلى شركات تصنيع وبيع الأسلحة، وتشير الأخبار إلى توقيع روسيا، بين سَنَتَيْ 2014 و 2018، اتفاقيات تعاون عسكري مع 19 دولة إفريقية، وتستوعب إفريقيا نحو 17% من إجمالي صادرات الأسلحة الروسية (باستثناء مصر)، وتشمل الأسلحة المُصدّرة إلى دول مثل أنغولا ونيجيريا والسودان ومالي وبوركينا فاسو وغينيا الاستوائية خلال عامي 2017 و2018، طائرات مقاتلة، وطائرات مروحية للنقل والقتال، وصواريخ مضادة للدبابات، ومحركات للطائرات المقاتلة، وغيرها، بالتوازي مع تطوير بعض هذه البلدان علاقات عسكرية مع الولايات المتحدة في إطار البرنامج العسكري الأمريكي “أفريكوم”…

تتميز قارة إفريقيا بتنوع وثَراء الموارد الطبيعية الضرورية لنمو اقتصاد الدول الرأسمالية المتقدّمة، وأعربت حكومة روسيا (ومن قبلها الصين وأوروبا) عن اهتمامها بمجالات الزراعة والطاقة والتّعدين، ووعدت الدول الإفريقية بتطوير التعاون في مجالات “نقل التكنولوجيا” (والتكنولوجيا لا تُنْقَل، بل تكون نتاجًا لتطور داخلي في قطاعات التعليم والبحث العلمي والتقني)، وتطوير العلوم والإبتكارات والتعليم والإستثمار في البنية التحتية، والتكنولوجيا النووية والنقل، ويتميز ظرف انعقاد هذه القمة الإفريقية الرّوسية بعدد من المتغيرات الإقليمية والدولية، ومن بينها إطلاق منطقة التجارة الحُرّة الإفريقية (نيامي، عاصمة النيجر، تموز/يوليو 2019)، وإذا تحقق إنجاز هذه السوق الواسعة، فسوف يتزايد اهتمام الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبى والصين واليابان والهند بقارة إفريقيا، أو بالأحرى بالسوق الإفريقية، وتحاول روسيا البحث عن موقع لها في هذه السّوق، عبر تعزيز فُرص الشراكة الاقتصادية والتجارية، مع تغليف هذه الأهداف باحترام السيادة أو بالتنمية المُسْتدامة أو غير ذلك من العبارات الإضافية، مثل “التعاون في المجالات الإنسانية والاجتماعية” !!!

 مكانة إفريقيا في استراتيجيات القوى العُظْمى

العلاقات الأمريكية الإفريقية:

صدرت عن الرئيس الأمريكي الحالي “دونالد ترامب”، في بداية سنة 2018، عبارات مُسيئة، خلال لقاء رسمي في البيت الأبيض مع أعضاء الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، تجاه هايتي والدول الأفريقية، ووصف البلدان التي يأتي منها المهاجرون إلى أمريكا بأنها “حثالة” وأنه يرغب في الإقتصار على قُبُول مهاجرين ناصعي البياض، من بلدان كالنرويج، وفي تصريح آخر، هاجم “ترامب” المسلمين القادمين من إفريقيا، وخصوصًا من نيجيريا، ودعا إلى ترحيلهم…

تَعْكِس هذه التصريحات النظرة العُنصرية والإستعمارية للرئيس الأمريكي، كما تعكس طبيعة العلاقات الأفريقية الأمريكية، غير المتكافئة، أو ما يمكن نعتُها بعلاقات هيْمَنَة…

دعمت الولايات المتحدة كافة الأنظمة الرجعية في إفريقيا، ودعمت نظام الميْز العنصري والإستعمار البرتغالي والحركات الإنفصالية في نيجيريا والكونغو وغيرها، وكانت أمريكا، حتى نهاية القرن العشرين، تستورد نحو 15% من النفط الذي تحتاجه، من وسط وغرب أفريقيا، وكانت تتوقع أن ترتفع هذه النسبة لتصل  إلى 20%، قبل تحول أمريكا إلى بلد مُصدّر للنفط، بفضل استغلال النفط الصخري، وانخفاض تكلفة استخراجه، فتضرر نيجيريا، من هذا التحول…

تميزت العلاقات، خلال فترة “الحرب الباردة” بمحاولة احتواء ما تسميه أمريكا ب”المد الشيوعي”، وانتهاج سياسات قائمة فقط على حماية خطوط التجارة القريبة من أفريقيا (وخاصة خطوط إمدادات النفط والطاقة)، وخاصة خطوط الملاحة البحرية، والوصول إلى مناطق المواد الخام والثروات المعدنية، ونشر قيم الإقتصاد الليبرالي بهدف دفع إدْماج الإقتصاد الإفريقي في الإقتصاد العالمي، بغض النظر عن مصالح الشعوب الأفريقية…

في بداية القرن الواحد والعشرين، زادت الممارسات العدوانية للإمبريالية الأمريكية، فتذرعت الولايات المتحدة بحادث تفجير مباني تجارية في نيويورك، لتحتل أفغانستان ثم العراق، وطَغت الصبغة العسكرية على السياسة الخارجية الأمريكية، وفي سنة 2006 (خلال فترة حكم جورج بوش الإبن)، نَشرت المواقع الأمريكية المُختصّة دراسات عن موقع قارة إفريقيا الإستراتيجي، وثرواتها ومواردها الطبيعية وقُرْبِها من أهم المَمَرّات البحرية، وبدأت الولايات المتحدة في نشْرِ القوات العسكرية في إفريقيا، ضمن برنامج “أفريكوم”، بداية من سنة 2006، وتطور الحضور العسكري الأمريكي في إفريقيا، من نحو 1% من إجمالي القوات الأمريكية المُنْتَشِرَة في العالم، سنة 2006 إلى قرابة 26,17% من القوات الأمريكية في الخارج، سنة 2016، أو ما يُعادل إجمالي عدد القوات الأمريكية المنتشرة في غربي آسيا، بذريعة “محاربة الإرهاب”، وأصبحت القوات الخاصة الأمريكية متواجدة في ما لا يقل عن 33 دولة إفريقية (من إجمالي 54 دولة)، بنهاية 2016، وتُنفّذ هذه القوات الخاصة ما لا يقل عن سبع عمليات كُبرى في إفريقيا، بحسب موقع “انترسبت” الأمريكي، الذي اعتمد المعلومات المنشورة والمفتوحة للعموم، وبيانات قيادة العمليات الخاصة، وهي بيانات تميزت بأشكال عديدة من التعتيم والمُغالطة، بشأن عدد الجنود أو بشأن سبب تواجدهم، أو عن طبيعة العمليات وغير ذلك من المعلومات، ونشرت مجلة “زون ميلتير – أوبكس 360″، الفرنسية المتخصصة في الشؤون العسكرية والقضايا الإستراتيجية، تقريرًا عن وجود ومهام ما لا يقل عن 12 قاعدة عسكرية أمريكية سِرِّيّة في قارة إفريقيا، تظم ما لا يقل عن ألْفَيْ جُنْدِي، في أوغندا ونيجيريا والصومال، والنيجر وجنوب السودان، وفي بوركينا فاسو، قرب العاصمة “واغادوغو”، وتستخدم هذه الأخيرة كنقطة انطلاق للطائرات الآلية والمروحيات، وتتضمن مهامها، مراقبة شمال مالي، وتُعْلِن بعض الوثائق الرسمية الأمريكية أن الوجود العسكري الأمريكي في إفريقيا يهدف إلى حماية أهم مَضِيقَيْن تعبر منهما حركة التجارة العالمية، أولُهما قناة السويس، حيث يمُر معظم النفط الخليجي والإيراني نحو الولايات المتحدة وأوروبا، والمُرتبط بالقرن الإفريقي وباب المندب وبمضيق هرمز، حيث تمُرُّ نسبة 40% من النفط العالمي، وثانيهما مضيق جبل طارق، الإستراتيجي، حيث ترابط أيضًا البوارج العسكرية الأمريكية والأطلسية، بالإضافة إلى رأس الرجاء الصالح والمواقع الإستراتيجية في غرب وشرق إفريقيا، وأنشأت أمريكا قواعد عسكرِية عند مداخل قارة إفريقيا، بعضها علني (جيبوتي والصومال وكينيا) وبعضها سري، في المغرب وفي ليبيريا وغيرها، بهدف إحكام سيطرتها على القارة، وتأمين إنتاج النفط، وعبوره نحو أمريكا وأوروبا، وتأمين السيطرة على الأسواق الإفريقية، حاضرًا ومُستقْبَلاً، لحل أزمات الركود الإقتصادي…

أشرف الرئيس الأمريكي “باراك أوباما”، في واشنطن، خلال شهر آب/أغسطس 2014، على قمة عقدها مع خمسين من قادة إفريقيا، للحديث في مواضيع “التجارة والاستثمار وإدارة الموارد، وخُصُوصًا في قضايا الأمن”، وأعلن الرئيس الأمريكي إطلاق برنامج لتعميم إنتاج الطاقة في إفريقيا، بإشراف الشركات الأمريكية، العابرة للقارات، التي وَعَدَتْ بإفادة إفريقيا من التغير التكنولوجي السريع، في مجال الطاقة، كما وعد الرئيس الأمريكي بتطوير البنية التحتية لقطاعات الطاقة وتكنولوجيا الإتصالات والخدمات المصرفية، وغيرها…

العلاقات الصينية الإفريقية:

 تسعى الصين، منذ سنة 1978، إلى استنزاف المواد الأولية من البلدان الفقيرة، ومنها إفريقيا، وإغراق أسواقها بالمواد الصينية الرّديئة والرخيصة، والتي قَضَت على الصناعات والزراعات المحلية، التي لم تتمكن من الصمود ومن مقاومة الإجتياح الصيني، وتعززت الإستثمارات والتّجارة الصينيّتَيْن في إفريقيا، من خلال منتدى التعاون الصينى الأفريقى (فوكاك)، ومبادرة الحزام والطريق، وزاد تأثير الصين في اقتصاد إفريقيا تدريجيًّا، وبلغ حجم التجارة بين الصين ودول إفريقيا عشرة مليارات دولارا سنة 2000، ثم ارتفع بين سنتي 2013 و 2018، بنحو 20% ليصل إلى 204,2 مليار دولارا، سنة 2018، وأعلن الرئيس الصيني “جين بينغ”، خلال القمة الصينية الإفريقية “منتدى التعاون الصيني الإفريقي (أيلول 2018) تعزيز التعاون، عبر تخصيص ستين مليار دولار للإستثمارات (أضاف الرئيس الصيني عبارة “والمُساعدات”، وهي من المُحسّنات اللفظية، لا غير)، ووَعَدَ بإعفاء بعض الدول الإفريقية من سداد بعض ديونها، والواقع أن الصين حوّلتها إلى “استثمارات”، أي إن الصين تملكت موارد بنفس القيمة، في البلدان “المُعْفاة” من تسديد الدّيون، وأعلنت وكالة “شينخوا” عن مجموعة من الإتفاقيات، بنهاية المُنتدى، في مجالات الأمن والبُنْيَة التّحتِيّة والتجارة والرعاية الصحية، مما أثار تعليقات سلبية في أوروبا والولايات المتحدة، التي شهدت ركودًا في حجم تجارتها مع القارة الإفريقية، وأعلن وزير الإقتصاد في حكومة ليبيريا (التي أنشأتها الولايات المتحدة، كدولة للعبيد الأمريكيين المُحرّرِين في القرن التاسع عشر، وبقيت تحت هيمنتها السياسية والعسكرية)، قبيْل المنتدى الصيني الإفريقي (أيلول 2018): ” تُعد الصين بالنسبة إلى استراتيجية التنمية عندنا شريكا هاما جدا، وخاصة في مجالات بناء الطرقات وتشييد شبكة الكهرباء إضافة إلى تحديث نظام الصحة…”، وادّعى رئيس كينيا (وهي محمية أمريكية أيضًا، قريبًا من الصومال ومن البحر الأحمر)، أن للعلاقات مع الصين فوائد كثيرة، والواقع أن السلع الصينية الرخيصة والرديئة اجتاحت أسواق كينيا، وغيرها من البلدان الإفريقية، فدمّرت زراعة القطن والشاي والأرز، ودمرت الصناعات التقليدية وصناعة النسيج، اعتمادًا على القُطن المحلي، في مجمل بلدان إفريقيا، بالإضافة إلى استغلال الموارد والمواد الأولية، واستحواذ الشركات الصينية على قطاع الإنشاء والبُنى التحتية، لبناء مدارس ومستشفيات وطرقات، بعمال صينيين، في زمن قياسي، لكن متوسط عمر البناء لا يتجاوز عشرين سنة، بدل خمسين، وتعمل الصين على استغلال المواد الأولية، مقابل إنجاز أشغال البنية التحتية، وأنجزت الشركات الصينية، خطّا لسكك الحديدية من جيبوتي (حيث افتتحت الصين أول قاعدة عسكرية خارجية رسمية لها) إلى أديس أبابا، عاصمة الحَبَشَة، أو من ميناء “مومباسا” في كينيا، إلى العاصمة “نيروبي”، وأنشأت الصين أيضًا خط الحديد بين تنزانيا وزامبيا، وتندرج جميع هذه المشاريع في إطار “التّعاون” الصيني الإفريقي، لكن الدّول “المُسْتَفِيدَة” تُسدّد الثمن المرتفع لهذه البرامج، عبر ديون طويلة المدى، وعبر سلع ومواد أولية وعبر إيجار موانئ ومطارات ومناجم وأراضي زراعية خصبة، كما تُشارك الصين في بعثات “حفظ السّلام” بجنود وضُبّاط في جنوب السودان، وأبرمت الصين علاقات شراكة استراتيجية مع العديد من الدول الإفريقية، وآخرها بوركينا فاسُّو، وزمبابوي، سنة 2018…

 تُعدّ الصين الشريك التجاري الأول للقارة الإفريقية ككتلة، منذ سنة 2009، وتتأثر إفريقيا سَلْبًا بالحرب التجارية الضارية بين الولايات المتحدة والصين، لأنها تستورد معظم السلع من الصين، ولا تُصدّر غير المواد الأولية، وخاصَّة النفط، مقابل وعد صيني بالمساعدة التقنية ونقل التكنولوجيا. أما الإستثمارات الصينية في إفريقيا فارتفعت (بحسب تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “أونكتاد” 2016) من 3,6 مليار دولارا سنة 2013 إلى 13,3 مليار دولارا سنة 2014، واستحوذ قطاع المحروقات والمعادن على معظم هذه الإستثمارات، خصوصًا في زامبيا، والكونغو الديمقراطية والسودان، كما ارتفعت الإستثمارات الصّينية في زمبابوي وأنغولا، وغيرها، ووعدت الصين، خلال منتدى التعاون بين إفريقيا والصين، لسنة 2015، باستثمار ستين مليار دولار، خلال الفترة 2016 – 2018، ورغم تكتم الصين والحكومات الإفريقية، أظهرت البيانات أن الصين احتلت الصين المركز الثالث في مبيعات الأسلحة إلى القارة الإفريقية، منذ سنة 2003…

أغلق الإتحاد الأوروبي حدوده أمام المواطنين القادمين من إفريقيا، لأي غرضٍ كان (الدراسة أو السياحة أو العلاج أو زيارة الأقارب…)، فاستغلت الصين الفرصة، وقدّمت  العديد من المِنَح الدراسية للطلبة الأفارقة للدراسة والتدريب في المؤسسات التعليمية الصينية، وارتفع عدد الطلبة الإفريقيين من 2000 سنة 2003، إلى حوالي خمسين ألف طالب سنة 2015، في حين لا يتجاوز العدد السنوي للطلبة الأفارقة في الولايات المتحدة وبريطانيا، مجتمعتَيْن، أربعين ألف طالب إفريقي، بحسب إحصائيات منظمة اليونسكو (الأمم المتحدة)، وأصبحت الصين، منذ سنة 2015، ثاني أكبر وجهة للطلبة الإفريقيين في الخارج، بعد فرنسا، التي خفضت بدورها عددهم من حوالي 120 ألف سنويا إلى قرابة تسعين ألف سنويا، من جهة أخرى، يعمل العديد من الأطباء الصينيين في المناطق النائية والفقيرة في إفريقيا…

تطورت العلاقات بين نيجيريا، أكبر مُنْتِج إفريقي للنفط الخام، والصين، منذ سنة 2005، وزاد حجم التبادل التجاري بين الصين ونيجيريا من 2,8 مليار دولار سنة 2005 إلى 14,9 مليار دولارا، سنة 2015، لكن يُشكل النفط النيجيري 90% من قيمة هذا التبادل، ويستثمر المصرف التجاري والصناعي الصيني في تمويل مشروع تشترك بإنجازه ثلاث شركات صينية، تجلب معها عمالا صينيين، لإنشاء محطة لتوليد الطاقة الكهربية بقوة المياه، خلال ست سنوات، كما تُعتبَر الصين الشريك التجاري الأول للكامرون، التي وقعت اتفاقية مع الصين “لتسهيل وتشجيع التجارة والاستثمار بين الدولتين”…

تمكنت الصين من منافسة فرنسا في عشرة من مُستعمَراتها السابقة، حيث أصبحت الصين تمتلك حوالي عشرة آلاف مصنع، في هذه الدول الناطقة بالفرنسية، وتنتج هذه المصانع نحو 12% من مجمل الإنتاج في القارة بقيمة تعادل ستين مليار دولارا سنويا، في مجالات الصناعات التحويلية، والخدمات، والتجارة، والإنشاء والعقارات…

اتسعت رقعة الإستثمارات الصينية خلال العقد الماضي إلى ما لا يقل عن ثلاثين دولة إفريقية كافة مناطق إفريقيا، ومن ضمنها تنزانيا وجيبوتي والحبشة وإيريتريا والسودان وجنوب السودان وكينيا وأوغندا وزامبيا وجنوب إفريقيا وموزمبيق وأنغولا ونيجيريا وغينيا وساحل العاج والغابون وبوركينا فاسو وبينين وتوغو وتشاد والكامرون ومصر والجزائر المغرب، وغيرها، أي في كافة مناطق إفريقيا، من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها، لتصبح إفريقيا سوقًا للمنتجات والسِّلع الصينية، وقد تساعد الصين في اختراق الحصار الأمريكي…

بدأت مصالح الصين تتعرض إلى الهجومات في بعض البلدان الإفريقية، وحصلت عمليات اختطاف للمواطنين الصينيين، وهاجم مواطنون غاضبون بعض المصالح والمواقع والمنشآت الصينية، في زامبيا، حيث تستغل شركة صينية منجم نحاس في موقع “تشامبيسي”، وفي الحبشة، حيث تمتلك شركات صينية عديدة أراضي ومصانع، وسبق أن أضرب عمال في النيجر وفي زامبيا وفي الحبشة وغيرها ضد الإستغلال الفاحش للشركات الصينية التي تُعامل العُمّال المحلِّيِّين معاملة العبيد، مع عدم احترام القوانين المحلية، وهي سيئة في الأصل، وعلى العموم فإن العلاقات الإقتصادية والتجارية بين الصين وإفريقيا، مُرشّحة للتعزيز والدّعم، بفعل مبادرة “الحزام والطريق” الصينية، وبفعل إغلاق الأسواق الأوروبية أمام السلع والمواطنين الإفريقيين…

 خاتمة:

 لم نتطرق في هذه الورقة إلى العودة القوية للكيان الصهيوني إلى إفريقيا، وخصوصًا إلى نيجيريا “المُسلمة”، وهي تشكل أكبر اقتصاد إفريقي وأكبر منتج للنفط وأكثرها سكانًا، والسينغال ومعظم الدول الإفريقية، كما لم نتطرق إلى علاقات الهيمنة التي تُمارسها فرنسا، عبر شركاتها وعبر العملة الموحدة لعدد من دول إفريقيا الغربية، وعبر الإنقلابات العسكرية التي تُنفذها ضد أي رئيس يُعارض مصالحها في إفريقيا، كما لم نتطرق إلى الإختراق الكبير الذي تقوم به الهند (ذات العلاقة المتطورة جدا مع الكيان الصهيوني)، واليابان…  

لم يُؤَدِّ تكالب الإمبريالية والحُضُور المُكَثَّف للشركات الأجنبية في إفريقيا، إلى تحسين وضع السكان العاديين في الأرياف وفي ضواحي المُدُن، ولئن انتفعت فئة قليلة من البرجوازية المحلية (وكيلة الشركات الأجنبية) وفئة أخرى من البرجوازية الصغيرة، فإن الجفاف والمجاعة تقتل الآلاف، وقدّرت الأمم المتحدة عدد من يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية بأكثر من 16 مليون شخص، سنة 2016، في بلدان الشرق الإفريقي، وقد يرتفع عدد هؤلاء المحتاجين بنحو 30% إذا تَواصَلَ الجفاف، وعادة ما تتضرر فئات النساء والأطفال والأقليات، من الصراعات والحُرُوب، كما من الكوارث الطبيعية، ومن الإضطهاد، ومن ندرة المياه أو من غياب الكهرباء وغير ذلك…

منذ سنة 2017، زادت الولايات المتحدة من استخدام العَصَا، وخفضت من “الجزر”، عبر تخفيض ميزانية “المساعدة”، عبر وزارة الخارجية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ( يو إس آيد) بنسبة 30%، في حين زاد حجم ونسبة ميزانية الحرب، من الموازنة السنوية لسنتَيْ 2019 و 2020، وتعتمد “فلسفة” أو مُقارَبَة الرئيس “دونالد ترامب” على ضرورة تولِّي القيادة العسكرية الأمريكية الإشراف على العلاقات الأمريكية مع قارة إفريقيا، وأوردت مجلة “فورين بوليسي” مقاربة تحتوي على نوع من التحقير لسكان إفريقيا، لككنها تهدف إظهار قصر نظر إدارة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، وكتبت “إن النهج العسكري مُكَلّف وغير فَعّال”، وإن الاستثمار في مساعدات التنمية في إفريقيا (حوالي 28 مليون دولارا) أرخص بكثير من الحضور العسكري، وأرخص بكثير من سعر طائرة مروحية عسكرية واحدة، وإن هذا المبلغ يوفر الغذاء والعلاج لحوالي 1,5 مليون شخص، في منطقة القرن الإفريقي ومنطقة البحيرات الكبرى…

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.