تونس: قراء سريعة في البرنامج الإقتصادي للإخوان المسلمين (النهضة)، الطاهر المعز

 إثر الإنتخابات التشريعية والرئاسية، قدّمت حركة “النهضة” خلال ندوة صحافية، يوم الجمعة 01/11/2019 وثيقة تحتوي على خمس محاور و 120 نقطة، بعنوان “مشروع وثيقة تعاقد للحكم”، وتُشكل بعض النقاط نقلاً (بأسلوب ركيك) لشروط الدّائنين، وفي مقدّمتهم صندوق النقد الدولي، وتتجاهل وثيقة قيادة الإخوان المسلمين (النهضة) مسؤوليتها، منذ 2012، عن الأزمة المالية والاقتصادية الحادة، وارتفاع الدُّيُون الخارجية، وارتفاع العجز التجاري، مع خفض قيمة الدّينار، ما رَفَعَ الأسعار ونسبة التّضخّم، بالتوازي مع ارتفاع نسبة البطالة، وبدل الإعتراف بمسؤولية حزب “الأغلبية البرلمانية” في تردّي الوضع، ألقت قيادة الإخوان المسلمين (النهضة) بالمسؤولية على “المجتمع”، الذي لم يتمكن من ابتكار “حلول تضامنية، بهدف مقاومة الفقر ودعم الفئات الهشّة والمتوسطة الدخل”، وتقترح “لسدّ هذا الفراغ” إنشاء “صندوق الزكاة” الذي رَوّجَتْ له “النهضة” في البرنامج الإنتخابي، كحل سحري لمشاكل الفقر والبطالة، ولحصول أطفال الفُقراء على المسكن اللائق والتعليم والعلاج، بعيدًا عن جهاز الدولة أو أجهزة الرقابة التي يُفْرِزُها المجتمع، وبعيدًا عن إشراف الفُقراء و”المُسْتَفِيدِين” من هذا الصندوق، الذي يُموله “فاعلو الخير”، من الأثرياء، ويُشرف على إدارته “مُؤمنون صادقون”، من طراز قيادات الإخوان المسلمين، لِيُوزِّعَ “الذين يعلمون” بعض الفتات من ثروة الأثرياء، على “من لا يعلمون”، من الفُقراء الذين يتلقّوْن بذلّة، “ما يَجُودُ به الخَيِّرُون”، بدل حصولهم على حق التعليم والسكن والصحة والتأهيل والعمل، كحق وليس كمِنّة، يستخدمها حزب سياسي لإبقاء ملايين الفُقراء تحت وصاية الأثرياء (وإن كانو “مؤمنين”، فهم أولاً، وقبل كل شيء، تجار ورأسماليون وأثرياء)، ولتوسيع قاعدته الإجتماعية والإنتخابية، وتتجنّب بذلك حركة “النهضة” فرض ضرائب على الثروات وعلى أرباح الشركات…

ما الفرق بين “الحلول” التي يُقدّمها حزب الإخوان المسلمين في تونس (أو في غير تونس) و”توصيات” صندوق النقد الدّولي؟

يتقاطع المَشْرُوعان عند إلغاء دَوْر الدولة الرقابي، ومسؤوليتها في جباية الضرائب وإعادة توزيعها، وإنفاقها على البنية التحتية والطاقة والصحة والتعليم وتوجيه الإستثمار نحو القطاعات المُنْتِجَة التي تخلق وظائف، ويلتقي المشروعان عند “ضرورة إلغاء دعم السلع والخدمات الأساسية”، وما يُورِدُهُ صندوق النقد الدولي والبنك العالمي في باب “الحوكمة الرشيدة ووقف هدر المال العام”، عبر “اقتصار الدّعم على مُستحقيه”…

إن القضية الأساسية المَطْرُوحة، من خلال هذه القراءة السريعة لمشروع “وثيقة تعاقد الحك”، هي مسألة المواطَنَة، التي تقتضي التمتع ببعض الحقوق (من بينها الحق في التعليم والسكن والصحة والعمل…) والواجبات، ومن بينها الدفاع عن مصلحة الوطن والمواطنين، وتسديد الضرائب، ويتهرب الإخوان المسلمون من فرض الضرائب على الثروات، أي بمعنى آخر، إن النهضة تدافع عن الأثرياء “الذين يكنزون الذهب والفضة…”، وتطلب منهم أن يُسدّدوا عن طواعية، ما تَيَسّرَ، ليس للدولة، وإنما لمنظمة “غير حكومية”، لا يُحاسبُ أعضَاءَها “المُستفيدون”، بل يُشرف عليها من عين هؤلاء الأعضاء، ومن يُسدّدُ المال، ويعتبر هذا المشروع تَقْوِيضًا للأُسُس العدالة الإجتماعية، ولحق الجميع في التعليم والصحة والسكن والعمل، وحق الجميع في مستوى عالي من الخدمات (الماء والكهرباء والنقل والإتصالات…)، وتقويضًا للقطاع العام الذي يفترض المساواة بين كافة المواطنين، في المناطق الحَضَرِيّة أو الريفية، ومهما كانت اتجاهاتهم السياسية وعقيدتهم وقناعاتهم الفلسفية وغير ذلك…

تندمج الرُّؤْية الإقتصادية لتيار الإخوان المسلمين، والنهضة جزء منه، في إيديولوجا الإقتصاد الليبرالي المُعولَم، وعلى سبيل المثال، تقترح وثيقة “النهضة” رَبْط الرواتب بالإنتاجية والنّمُو والتضخم، ولكن العامل والأجير لا يتحكم بأي من هذه العوامل، فالإنتاجية ترتبط بظروف العمل، وبالتجهيزات وبجودة المواد الأولية، وغير ذلك، ثم ما هي مقاييس إنتاجية الطبيب أو المُعلّم؟ وما يقال عن الإنتاجية، يمكن سَحْبُهُ على مسائل النّمُو والتضخّم، ووجب طرح سؤال: من يتحمل مسؤولية التضخم؟ ومن يتحمل مسؤولية انخفاض أو زيادة النمو؟ ونلاحظ بالمناسبة، أن قيادات النهضة لا يتحدثون عن “التنمية” (خلق مشاريع اقتصادية تفيد قطاعًا أو منطقة أو بلدًا…)، بل عن “النّمو”، والنّمو عبارة عن أرقام ترتفع وتنخفض، لكن زيادة النمو في بلدٍ مَا (زيادة حجم الإقتصاد الكُلِّي أو الشُّمُولي) لا تعني زيادة دَخْل المواطنين أو خلق وظائف أو خفض نسبة الفَقْر…

نُذَكِّرُ، تفادِيًا للإطالة، بارتفاع الدّيون ونسبة البطالة، خلال الفترة التي “تمتعت” النهضة بأغلبية في مجلس النّواب، وهي الفترة التي حَكَمت خلالها البلاد مع شُركاء آخرين من الدّساترة ورجال الأعمال، وعلى سبيل المثال فإن ميزانية سنة 2020 لا تُخصِّصُ سوى 2,5 مليار دولارا لمشاريع التنمية (بغض النّظر مع ما أُدْرِجَ في باب “التّنْمية”)، وسوف ترتفع ديون البلاد بنحو أربعة مليارات دولارا، متوقّعة سنة 2020، وسوف تُسدّد الدولة، أي المواطنون، حوالي أربعة مليارات دولارا، للدائنين سنة 2020…

هذه عَيِّنَة من إنجازات حزب النهضة في تونس.     

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.