لبنان: الحراك بين مقاربتين – اللحظة التاريخية، المبادرة الوطنية الأردنية

يدور حوار صاخب حول الحالة اللبنانية بين النخب وبين القوى السياسية والاجتماعية وفي صفوف الحراك ذاته، وعلى الصعيد العربي بشكل عام، حول تشخيص هذه الحالة في الشكل والمضمون، وفي أحيان كثيرة يقفز الحوار عن المضون ويتجه إلى الشكل، مما يحرف الحوار عن هدفه الرئيس الذي يتمثل في نقل الحراك  من رد الفعل إلى الفعل المنتج.

  • هل الحراك القائم فعل أنفجار التناقضات الداخلية ، نتيجة الأزمة الشاملة غير القابلة للحل بهذا النهج القائم،أم مؤامرة من الخارج؟ الموقف من هذا السؤال يحدد طبيعة الموقف من هذا الحراك.
    هل حانت اللحظة التاريخية لإحداث التغيير الحقيقي في بنية دولة مستهلكة ريعية تابعة،وفي حالة مجاميع الفصل العنصري المتعايشة ( وليست المندمجة) الطائفية والمذهبية والمناطقية؟.
  • هل سياسة الحفاظ على توازن واستمرار دولة الطوائف والمذاهب ومجتمع الفصل العنصري يحمي ظهر المقاومة؟
  • هل بقاء استمرار التناقض بين البنية المذهبية للأحزاب اللبنانية والوظيفة الوطنية لها يضمن استمرارها؟ تناقض البنية والوظيفة.

المعضلة الحقيقية والمهمة الرئيسة المطروحة أمام المجتمع اللبناني وشرائحه الكادحة والمنتجة، وقواه السياسية والاجتماعية، في هذه اللحظة التاريخية ، التي جاءت في سياق أنفجار التناقضات الداخلية في الدولة والمجتمع، هي الانتقال من حالة “رد الفعل” إلى “الفعل المنتج” فعل تغيير البنى الاقتصادية – الاجتماعية  – الثقافية القائمة المهترئه والتي لم تعد تلبي شروط التطور الطبيعي للمجتمع اللبناني.

 الحوار والتفكير المطلوب من كافة القوى اللبنانية – مطلوب مساهمة قوى التحرر الوطني العربي في هذا الحوار، لا أن تقف مكتوفة الأيدي تتنظر المصير-  يجب أن ينصب العمل على صياغة مشروع الفعل المنتج- الانتقال بالدولة الى دولة الانتاج وصهر المجاميع في مجتمع الانتاج.

ما نشهده الآن استقطاب الحراك والحوار حول مقاربتين متمايزيتن في الشكل وفي المضمون:

1: مقاربة، حراك شعبي محق ( رد فعل محق)، نتيجة الأوضاع البائسة التي تعيشها الشرائح الكادحة والمنتجة ،ولكن في الوقت ذاته تأتي النظرة إلى هذا الحراك من زاوية مؤامرة تستهدف المقاومة، بشكل خاص، ولبنان بشكل عام.

أصحاب هذا الرأي يدعمون رؤيتهم هذه بأحداث وظواهر ومعلومات.

2: مقاربة، حراك ثوري ( فعل منتج لتغير الواقع المأزوم القائم) واقع الريع والاستهلاك والفصل العنصري بين الطوائف والمذاهب، مجمع الطوائف والمذاهب ودولة تحالف أمراء الطوائف والمذاهب، ودولة تحالف لصوص المال العام ، دولة مأزومة، ومجتمع مأزوم أنفجرت تناقضاته على شكل حراك لم يكن متوقع من أي طرف في لبنان سواء أكان الحكم أو المجتمع.

انتفاضة عفوية سيدخل عليها حتما كافة القوى المحلية والإقليمية والدولية، ومن يعتقد غير ذلك فهو ساذج.

حالة استقطاب حاد بين هاتين المقاربتين، في أوساط النخب والمجتمع ، وينعكس ذلك في الاعلام،يخلق رأي عام يضفي نوعاً من القدسية أو الشيطنة لهذا الحراك، وبالتالي يحجب التقييم الموضوعي عن الحوار، ويحجز العمل على مشروع التغيير.

الخروج من دائرة الاستقطاب هذه ، شرط لفسح المجال أمام محاكمة عقلانية علمية وموضوعية لهاتين المقاربتين، للوصول إلى تقييم موضوعي وعلمي لظاهرة الحراك هذه، والمساهمة الجادة في إيصال هذا الحراك إلى خواتمه، التي هي بالضرورة إنفاذ مهمات مرحلة الثورة الاجتماعية: تخطي حالة المجاميع الماقبل رأسمالية : الطائفة والمذهبية والمناطقية، إلى حالة مجتمع حديث موحد منتج، هذا الانفجار يشكل فرصة تاريخية لإنصهار هذه المجاميع في بوتقة الوطنية الموحدة، لتشكل المجتمع الحديث المنتج والدولة الحديثة المنتجة.

المعطيات القائمة بالفعل وفي الواقع، تظهر نضوج أزمة منظومة حكم ومنظومة مجتمع، استمرت منذ تأسيس لبنان الكبير إلى يومنا هذا، أنفجرت تناقضاتها الداخلية، وهو العامل الحاسم ، أي أن الحراك تعبير حقيقي عن أنفجار تناقضات قائمة في رحم هذه المنظومة، فشيطنة هذا الحراك أو تقديسه يعبر إما عن غياب الوعي أو عن تعالي على التاريخ وحركته.

 يبدو أن هناك إجماع على أن هذا الحراك رد فعل عفوي على نظام فقد دوره ووظيفته في إدارة المجتمع وتنميتة، نظام عاجز تماماً عن إداء وظيفته الرئيسة، لا بل أصبح يشكل عبئاً حقيقياً على المجتمع ذاته، وأصبح معرقلاً لتطوره، بمعنى آخر دخل في أزمة الإنهيار، حيث نضوج شروط تخطيه أصبحت ضرورة وحقيقة واقعة.

أنطلاقاً من قوانين الصراع العلمي ، نستحضر معطيات الواقع اللبناني خدمة للتحليل العلمي وصولاً لتشخيص الحراك والمساهمة في دعمه من هذا الجانب، الذي نعتبره واجب يقع على عاتق كافة قوى التحرر الوطني العربية:
1: – البنية الاقتصادية الاجتماعية:  ريعية مستهلكة معطلة للتنمية، منظومة الماقبل رأسمالية، بنية مفوته مهترئة عاجزة، نضجت أزمتها فأنفجرت تناقضاتها الداخلية.

2: – البنية السياسية:بنية الإقطاع السياسي، بنية الماقبل رأسمالية ، التي كانت سائدة في أوربا في العصور الوسطي، تخطاها تطور المجتمع الذي دخل مرحلة الرأسمالية الأرقى في السلم الاجتماعي وبالتالى تم تخطي هذه البنية، التطور الطبيعي يأخذ مجراه الطبيعي حتماً فيجرف أي عوائق في طريقه، هذه البنية السياسية القائمة تشكل عائق حقيقي أمام التطور الطبيعي للمجتمع، معظم الأحزاب والمؤسسات الرسمية والشعبية، هي أطر طائفية ومذهبية، تتناقض بنية هذه المؤسسات مع وظيفتها الوطنية، وهذا التناقض بين البنية والوظيفة، يشمل الغالبية العظمى من هذه الأحزاب والمؤسسات، فلا يمكن أن يستمر ولا بد من إنفجاره في لحظة تاريخية.

3: – البنية الثقافية : تسود ثقافة ” الفصل العنصري”  بين مكونات المجتمع الواحد، وهي سمة رئيسة داخل المجتمع، مع بعض إستثناءات لبعض النخب والأحزاب التقدمية، هي بنية تحمل تناقضاتها الداخلية القابلة للإنفجار في لحظة تاريخية، وهذا ما عبر عنه الحراك ومطالبته بنبذ ثقافة المذاهب والطوائف ” ثقافة الفصل العنصري”

 نضوج أزمة  بنيوية اقتصادية اجتماعية ثقافية سياسية ، تفجرت في لحظة تاريخية ، في ظل أزمة عالمية رأسمالية خانقة، دولة الريع هذه لم تعد تتلقى المساعدات الخارجية اللازمة لبقائها على قيد الحياة، فأضطرت لممارسة النهب الداخلي بكافة صوره واشكاله، مما أدى إلى افقار الشرائح الوطنية الكادحة والمنتجة، فانفجرت الأزمة.

هذه المعطيات تفرض شروطها، وهذا الحراك يفرض واقع جديد.

المطلوب من القوى الوطنية التقدمية والمؤسسات الوطنية لضمان انتصارها النهائي:

1:- صياغة مشروع التغيير القائم على تغيير النهج الاستهلاكي الريعي السائد لصالح بناء دولة الانتاج ومجتمع الانتاج، أي التوافق على آليات تنمية قوى الانتاج الوطني، ولبنان والقوى الوطنية يزخر بالعقول والكفاءات القادرة على صياغة هذا المشروع، نخب لبنان كانت المساهم الرئيس في نهضة العرب أواخر القرن التاسع عشر.

2:- إعادة بناء المؤسسات الوطنية الجامعة الموحدة على أسس وطنية وثقافة الانتاج: النقابات العمالية والمهنية ومنظمات المجتمع الوطني، الاتحادات والجمعيات بكافة اشكالها، لتشكل في النهاية “الحامل الاجتماعي لمشروع التحرر الاجتماعي” المطروح اليوم على جدول أعمال النضال اللبناني.

3:- المطلوب من القوى صاحبة المصلحة في التغيير، الإنخراط في هذا الحراك، وتأطيره لصالح التغيير، الإبقاء على وهم تحالف الطوائف والمذاهب ضمان لأمن المقاومة، وهم قاتل، شروط انتصار المقاومة هو الانتقال إلى مرحلة التحرر الاجتماعي، اي حل معضلة تواجهها هي ذاتها تناقض البنية والوظيفة، البنية المذهبية والوظيفة الوطنية، والحالة القائمة اليوم في لبنان فرصة لإحداث هذا التحول.

  • صياغة مشروع التغيير وبناء الحامل الاجتماعي لهذا المشروع.
  • التفكير الجدي في حل التاقض القائم داخل الأحزاب ، تناقض البنية المذهبية والوظيفة الوطنية.
  • الانخراط الفعلي في هذا النضال ، وليس التعالي عليه بحجة المؤامرة، وتطوير “رد الفعل الجماهري” إلى “فعل التغيير” في هذه اللحظة التاريخية، هكذا لحظات تأتي مرة واحدة في فترة قد تقصر أو تطول.
  • على قوى التحرر الوطني واجب المساهمة في هذه اللحظة التاريخية.

 

” كلكم للوطن والوطن لكم”

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.