مصرف لبنان: الحديث التقني/مكانك عُدْ وليس الحماية الشعبية (حلقة 1)، عادل سمارة

نشرت بالإنجليزية، في اليوم الأول من نوفمبر الجاري، مجموعة من الإقتصاديين والخبراء السياسيين والحقوقيين من لبنان تعمل بإسم” المركز اللبناني لدراسة السياسات” ما اسمته خطة إنقاذ عاجلة ” كمقترحات لمعالجة الأزمة الاقتصادية في لبنان جاء فيها: إيجاد
“ إدارة متأنية للانخفاض السريع في الاحتياطيات الأجنبية ، للدفاع عن قيمة LBP ألليرة اللبنانية ،”
هذا صحيح من حيث المبدأ ويتضمن منع خروج الدولار، ولكن كيف يمكن تفعيل هذه الإدارة بآليات تضبط الوضع طالما أن حاكم المصرف المركزي رياض سلامة أبقى فرصة للمصارف لإخراج الدولار إلى الخارج؟(أنظر ادناه). فمن الذي يضبط قرارات الحاكم إذا كانت له خلافات مع المصارف (كما قيل في لقاء سلامة مع الرئيس عون) في هذا الشأن، إن كان خلافا حقيقياً،؟
فقد أتى حديث سلامة بعد اجتماع مع الرئيس عون ما يلي:
” … في اجتماع بعبدا المالي، تمثّل في الرعاية الرئاسية للمصالحة بين حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وجمعية المصارف، بعدما تناوب الطرفان على الشكوى الى المراجع الرئاسية، على خلفية ان جمعية المصارف تشتكي من ان حاكم مصرف لبنان لا يتجاوب مع طلباتها لتأمين سيولة اضافية، بينما يقول رياض سلامة انه على المصارف ان تستخدم ما لديها من سيولة (بالإضافة إلى ودائعها في الخارج المقدرة بنحو 9 مليار دولار) وعدم طلب المزيد بهدف زيادة ارباحها في الاستثمار على الازمة ولا سيما مسألة فارق سعر صرف الدولار في السوق الحرة، وهذا ما يفسّر ورود عبارة التعاون بين مصرف لبنان وجمعية المصارف اكثر من مرة في البيان الرسمي الذي صدر، وهذا ما شدد عليه عون في مداخلته أمام المجتمعين”.
هذا يتضمن أن سلامة يطالب المصارف بإعادة تسييل ودائعها من الخارج! فهل هذا ممكن بعلاقات التمني عليها ذلك؟
ولكن سلامه نفسه والذي طالبها عند الرئيس بذلك، هو نفسه الذي كان قوله في مقابلته مع قناة العربية 11-11-2019 واضحاً بأن ترك للمصارف استثناء يسمح لها ليس فقط بعدم إعادة المدخرات بل حتى بإخراج الدولار.
والسؤال هنا، هل حقا هناك خلاف بين حاكم المركزي والمصارف؟ وبأن هذا الخلاف لم يظهر سوى الآن بعد ثلاثين سنة؟ ومع ذلك، فإن حاكم المركزي قد ترك الباب مواربا للمصارف كما اشرنا أعلاه.
وورد في ورقة الاقتصاديين :”إجراء تعديل نقودي مع خطط موثوقة لمحاربة الفساد”. وهذا ربما لم يقدم مدخلا عمليا لمعالجته سوى ما عرضه السيد نصر الله بان يبدأ البحث عن الفساد في أوساط حزب الله عبر ازدواج القضاء والحكومة السياسية السيادية (سنناقش هذا في مقال آخر). علماً بأن تقديم نائب حزب الله ملفات الفساد وغضه الطرف عن طويها لا يعفيه ابداً من المسؤولية، وقد كان الإضل له (محمد حسين فضل الله) أن يقول لقد تغاضينا كي لا ينفرط تحالفنا في السلطة، وبهذا يكون أكثر صدقاً مع عدم تبرئته من الخطأ.

وورد في مقترح الخبراء كذلك وضع: “…سياسات اجتماعية جديدة لحماية المتضررين من الأزمة الحالية”. لكن هذا ليس واضحا سواء من حيث طبيعة الحماية، أي هل هي توفير إعانات مالية او غذائية أو صدقاتية كما انه لا يحدد ايضا المدى الزمني لوضع سياسات فعلية للحماية مثلا توفير فرص عمل. هذا علاوة على ان حماية كهذه تشترط وجود سلطة سيادية سياسية تتبنى ولو بالحد الأدنى موديل التنمية بالحمايةالشعبية. فالأمر ليس مسألة عمل خيري.
وورد كذلك: وضع “…آلية مراقبة تسمح للسكان بالضغط على تنفيذ هذه الإصلاحات ، في حين يتم تعزيز آليات الرقابة الحكومية”. وهذا صحيح، لكن من غير السلطة السياسية السيادية المدعومة بالقضاء الذي يمكنه ضمن ذلك، وهو أمر تركته اللجنة عائماً.
هذا إلى أن كان حديث حاكم مصرف لبنان مع قناة العربية 11 نوفمبر الجاري. أما اختيار الفضائية نفسها فهو أمر إشكالي. فالمفترض أن يكون الحديث مع فضائية محلية، وهناك فضائيات في لبنان لا تختلف من عنه توجهاتها!
لكن أهم ما يلفت في حديث سلامه وهو يفنِّد تراكم التطورات السلبية في الاقتصاد والسياسة لثلاثين سنة أنه لم يقل لنا إن كان حاول حاكم المصرف التدخل او النقد أو التعديل في كل هذا؟ بمعنى أنه إما أعفى نفسه ووقف مراقبا أو أنه كان راض، إن لم يكن، مهندساً لتلك السياسات؟
هل يُعقل أن مؤسسة المصرف تخلو من اقتصاديين، يعرفون بأن فقاعة دفوقات الريع يمكن أن تنفجر بالمعكوس بمعنى أن تنكمش حتى تنتهي كلياً؟ ، ولذا لم تدفع باتجاه حماية مواقع الإنتاج وتطويرها بدل خنقها باموال التحويلات الآتية بناء على تحويل الإقتصاد إلى قوة طاردة لقوة العمل إلى الخارج.
لم يفسر حاكم المصرف هشاشة تمتع لبنان بمعدل 8% هبط إلى 2%، وبان هذا النمو هو انتفاخي اساسا أي بناء على التحويلات وليس الإنتاج، وبالتالي ان ثباته ليس مؤكدا، ليس فقط على ضوء الأزمة الاقتصادية المعولمة منذ 2008 بل وكذلك بضغوطات سياسية مقصودة من دول تشغيل قوة العمل المغرَّبة. بل إن هذا النمو الانتفاخي كان يجب توظيف تحويلاته إلى تسهيلات لمواقع الإنتاج المحلي. بينما ما حصل كان متاجرة في فوارق أسعار الصرف ونسب الفوائد.
يذكرنا نمو 8% بما قيل في الأردن عام 1985 تفاخراً بالنمو العالي للاقتصاد، وهو نمو طبعا جراء دفوقات تحويلات العمال في الخليج ومساعدات أنظمة الفائض لأنظمة العجز، وهي الحالة التي تدهورت إثر هبوط اسعار النفط.
صحيح أن البلد كان بحاجة لدخول الدولار، ولكن السؤال عن أساس هذا الدخول: هل هو من الريع (إن صح تسمية التحويلات ريعا بما هي شغل ابناء البلد في الخارج) وربما هي عائدات غير منظورة، أو أن تدفق الدولار كان نتيجة للتصدير. اي هل مولدها الريع أم البيع؟

يقول سلامه بأن: ” المصرف دعم بالمليارات صناعة سياحة بيئة”. ربما، ولكن الدولة منعت استيراد الإسمنت من السوق الدولي رغم أن سعر الطن 35 دولارا، بينما يبيعه جنبلاط في السوق المحلية ب 100 دولار ويصدره للخارج ب 25 دولارا!
قد يكون مصنع جنبلاط من بين الصناعات المدعومة؟ مما يعني ان هناك آلية خاصة للدعم أقل مساوئها أنها تُضر باقتصاد البلد رغم أن القروض من أموال البلد. وبالطبع هل كان جنبلاط يصدر للخارج بأقل من سعر السوق الدولي لولا أنه:
إما يدفع أجورا هابطة وخاصة بسبب البطالة والعرض العالي لقوة العمل أو يغطي عجز البيع في الخارج من الربح العالي الذي يجنبه محلياً، وهذا بالطبع غير وارد.
لكن بيت القصيد هو في سياسة الباب المفتوح في مجمل الاقتصاد اللبناني مما يجعل القطاع الخاص هو الإبن المدلل للسلطة من جهة ويجعل دور البنوك كالصرافين تماما :يبيع ويشتري عملات”.
ومما ورد في حديث سلامة أن : “… سحب الليرة إزداد بشكل كبير في ايلول 2019، فارتفع الدولار عند الصرافين، حيث تهافت الناس على اقتنائه”. وهذا كان يجب ان يقود إلى تدخل المركزي لحماية الليرة وصد قانون غريشام “العملة الرديئة تطرد الجيدة من السوق”. ثم كيف نعرف ان سحب الليرة كان ورائه حيتان يلملموا الدولارات ويرسلونها للخارج حيث لهم قروناً استشعارية تمكنهم من توقع الأزمة التي ربما ساهموا في تصميمها.
يقول حاكم المصرف، بوسع المصارف الاستدانة من المركزي بالدولار ولكن لأنها اموال مصرف لبنان ممنوع تحويلها للخارج، حيث اخذتها من المركزي على 20% وعليهم إستعمالها في لبنان”
لكن هذا لا يمنع حصول المصارف على فائدة أعلى سواء اقرضتها داخليا، وهذا يعيق النمو، لا نقول التنمية، او خارجيا، وهناك تبقى الأرباح في الخارج.
لكنه يعود لوضع استثناء ينسف المنع “…إن عليهم استعمالها فقط في لبنان إلا بتفاهم البنك مع زبائنه (المستثمر في الخارج) وبين بنك وبنك ” . وبالطبع فإن المستثمرين في الخارج ليسوا من ملايين الفقراء في الميادين! اي ان فرصة التحويل للخارج بقيت مفتوحة ولكن برشاقة!
أما الاقتراض بين بنك وبنك، فهذا يعيدنا إلى المدرسة الأم لمصرف لبنان، فقد دفع مصرف الاحتياطي الفدرالي الأمريكي مع بدء ازمة 2008 ، بل في المرة الأولى وحدها أكثر من 800 مليار دولار على ان تقوم المصارف ب:
• تقديم قروض للقطاع الخاص
• تقرض بعضها البعض
لم يحصل لا هذا ولا ذاك حيث كان كل مصرف يخشى أن يُقرض آخر قد يفلس غداً
وقد حصر حاكم المركزي إذونات الاستيراد بالضروريات: ” البنزين والقمح والدواء”. وهذا يعني أنه كان بوسعه حصر ذلك على مدار 30 سنة. ولم يحصل. أليس لأن الاقتصاد من جهة مدولر ومن جهة مفتوحا، اي يتم تأجيل التدخل إلى أن يُحاط العنق بالحبل، وهذه هي مدرسة الاقتصاد البرجوازي والتوازن الذاتي للسوق ، أو اليد الخفية إن شئت، حيث يُحكى عن الإقتصاد بشكل مجرد بمعزل عن كون ازمته جحيما على الفقراء، وربما هنا يكمن الفارق بين الاقتصاد كأرقام وبين الاقتصاد السياسي.

ليس جديداً القول بأن الدولرة هي آلية لتسهيل الاستيراد، وهذا يعني بالضرورة شل الإنتاج والبحث عن آليات استقبال الدولار عبر تحويلات العمالة في الخارج، أو الاستدانة التي كلما تراجعت التحويلات زادت بدورها اي الاستدانة.

يضيف سلامة، “…ليست كل فلوس مصارف لبنان عند المركزي. لديها اموال موظفة في الخارج، ومع الدولة وفي الخاص”.
أليس من واجب المصرف المركزي مثلا الضغط على المصارف بان تفتح نافذة تنموية كنسبة من قروضها، كتسهيلات للقطاع الزراعي مثلا بدل أن تتصرف المصارف بدافع الربح اللامحدود وطبقاً للمحسوبيات والعلاقات. فمن عجائب لبنان أنه بلد زراعي يستورد الألبان من صحراء السعودية؟ ومعروف ان كافة المنتجات الزراعية في السعودية مدعومة بشكل باذخ وخاسرة سوقيا.
لم يتحدث حاكم المصرف عن الريوع السوداء التي تتدفق على منظمات الأنجزة وعبر السفارات. ربما لأن هذه تحويلات عملة صعبة تزيد سيولة الدولار وتقوي مركز الليرة. ولكن هذه القنوات هي نفسها جزء من شبكة الفساد في البلد التي هي من معاقل الثورة المضادة وتحديدا ضد المقاومة. وبالطبع لا يمكننا سؤال سلامة عن هذا لأن المركزي هو نفسه الذي خضع لضغوطات محاصرة حسابات من يُزعم أنهم انصار حزب الله. اي اصطف ضد قطاع كبير من الشعب.
طبعا لا يمكن ان يرقى الرجل الى رفض الديون.؟ وهو القائل:”… نعمل منذ سنوات في بيئة صعبة ومررنا بمراحل تعثّرت دول كبيرة فيها وتمكّنا من الحفاظ على استقرار صرف الليرة، واتخذنا العديد من الإجراءات لإبقاء لبنان منخرطًا في العولمة المصرفية بعد العقوبات”.
ملاحظة: جرى إسقاط حكومة رابين في الكيان الصهيوني عام 1975 حينما أُكتشف أن لزوجته حسابا بالدولار في الخارج.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.

مصرف لبنان: الحديث التقني/مكانك عُدْ وليس الحماية الشعبية

(حلقة 1)
عادل سمارة


نشرت بالإنجليزية، في اليوم الأول من نوفمبر الجاري، مجموعة من الإقتصاديين والخبراء السياسيين والحقوقيين من لبنان تعمل بإسم” المركز اللبناني لدراسة السياسات” ما اسمته خطة إنقاذ عاجلة ” كمقترحات لمعالجة الأزمة الاقتصادية في لبنان جاء فيها: إيجاد
“ إدارة متأنية للانخفاض السريع في الاحتياطيات الأجنبية ، للدفاع عن قيمة LBP ألليرة اللبنانية ،”
هذا صحيح من حيث المبدأ ويتضمن منع خروج الدولار، ولكن كيف يمكن تفعيل هذه الإدارة بآليات تضبط الوضع طالما أن حاكم المصرف المركزي رياض سلامة أبقى فرصة للمصارف لإخراج الدولار إلى الخارج؟(أنظر ادناه). فمن الذي يضبط قرارات الحاكم إذا كانت له خلافات مع المصارف (كما قيل في لقاء سلامة مع الرئيس عون) في هذا الشأن، إن كان خلافا حقيقياً،؟
فقد أتى حديث سلامة بعد اجتماع مع الرئيس عون ما يلي:
” … في اجتماع بعبدا المالي، تمثّل في الرعاية الرئاسية للمصالحة بين حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وجمعية المصارف، بعدما تناوب الطرفان على الشكوى الى المراجع الرئاسية، على خلفية ان جمعية المصارف تشتكي من ان حاكم مصرف لبنان لا يتجاوب مع طلباتها لتأمين سيولة اضافية، بينما يقول رياض سلامة انه على المصارف ان تستخدم ما لديها من سيولة (بالإضافة إلى ودائعها في الخارج المقدرة بنحو 9 مليار دولار) وعدم طلب المزيد بهدف زيادة ارباحها في الاستثمار على الازمة ولا سيما مسألة فارق سعر صرف الدولار في السوق الحرة، وهذا ما يفسّر ورود عبارة التعاون بين مصرف لبنان وجمعية المصارف اكثر من مرة في البيان الرسمي الذي صدر، وهذا ما شدد عليه عون في مداخلته أمام المجتمعين”.
هذا يتضمن أن سلامة يطالب المصارف بإعادة تسييل ودائعها من الخارج! فهل هذا ممكن بعلاقات التمني عليها ذلك؟
ولكن سلامه نفسه والذي طالبها عند الرئيس بذلك، هو نفسه الذي كان قوله في مقابلته مع قناة العربية 11-11-2019 واضحاً بأن ترك للمصارف استثناء يسمح لها ليس فقط بعدم إعادة المدخرات بل حتى بإخراج الدولار.
والسؤال هنا، هل حقا هناك خلاف بين حاكم المركزي والمصارف؟ وبأن هذا الخلاف لم يظهر سوى الآن بعد ثلاثين سنة؟ ومع ذلك، فإن حاكم المركزي قد ترك الباب مواربا للمصارف كما اشرنا أعلاه.
وورد في ورقة الاقتصاديين :”إجراء تعديل نقودي مع خطط موثوقة لمحاربة الفساد”. وهذا ربما لم يقدم مدخلا عمليا لمعالجته سوى ما عرضه السيد نصر الله بان يبدأ البحث عن الفساد في أوساط حزب الله عبر ازدواج القضاء والحكومة السياسية السيادية (سنناقش هذا في مقال آخر). علماً بأن تقديم نائب حزب الله ملفات الفساد وغضه الطرف عن طويها لا يعفيه ابداً من المسؤولية، وقد كان الإضل له (محمد حسين فضل الله) أن يقول لقد تغاضينا كي لا ينفرط تحالفنا في السلطة، وبهذا يكون أكثر صدقاً مع عدم تبرئته من الخطأ.

وورد في مقترح الخبراء كذلك وضع: “…سياسات اجتماعية جديدة لحماية المتضررين من الأزمة الحالية”. لكن هذا ليس واضحا سواء من حيث طبيعة الحماية، أي هل هي توفير إعانات مالية او غذائية أو صدقاتية كما انه لا يحدد ايضا المدى الزمني لوضع سياسات فعلية للحماية مثلا توفير فرص عمل. هذا علاوة على ان حماية كهذه تشترط وجود سلطة سيادية سياسية تتبنى ولو بالحد الأدنى موديل التنمية بالحمايةالشعبية. فالأمر ليس مسألة عمل خيري.
وورد كذلك: وضع “…آلية مراقبة تسمح للسكان بالضغط على تنفيذ هذه الإصلاحات ، في حين يتم تعزيز آليات الرقابة الحكومية”. وهذا صحيح، لكن من غير السلطة السياسية السيادية المدعومة بالقضاء الذي يمكنه ضمن ذلك، وهو أمر تركته اللجنة عائماً.
هذا إلى أن كان حديث حاكم مصرف لبنان مع قناة العربية 11 نوفمبر الجاري. أما اختيار الفضائية نفسها فهو أمر إشكالي. فالمفترض أن يكون الحديث مع فضائية محلية، وهناك فضائيات في لبنان لا تختلف من عنه توجهاتها!
لكن أهم ما يلفت في حديث سلامه وهو يفنِّد تراكم التطورات السلبية في الاقتصاد والسياسة لثلاثين سنة أنه لم يقل لنا إن كان حاول حاكم المصرف التدخل او النقد أو التعديل في كل هذا؟ بمعنى أنه إما أعفى نفسه ووقف مراقبا أو أنه كان راض، إن لم يكن، مهندساً لتلك السياسات؟
هل يُعقل أن مؤسسة المصرف تخلو من اقتصاديين، يعرفون بأن فقاعة دفوقات الريع يمكن أن تنفجر بالمعكوس بمعنى أن تنكمش حتى تنتهي كلياً؟ ، ولذا لم تدفع باتجاه حماية مواقع الإنتاج وتطويرها بدل خنقها باموال التحويلات الآتية بناء على تحويل الإقتصاد إلى قوة طاردة لقوة العمل إلى الخارج.
لم يفسر حاكم المصرف هشاشة تمتع لبنان بمعدل 8% هبط إلى 2%، وبان هذا النمو هو انتفاخي اساسا أي بناء على التحويلات وليس الإنتاج، وبالتالي ان ثباته ليس مؤكدا، ليس فقط على ضوء الأزمة الاقتصادية المعولمة منذ 2008 بل وكذلك بضغوطات سياسية مقصودة من دول تشغيل قوة العمل المغرَّبة. بل إن هذا النمو الانتفاخي كان يجب توظيف تحويلاته إلى تسهيلات لمواقع الإنتاج المحلي. بينما ما حصل كان متاجرة في فوارق أسعار الصرف ونسب الفوائد.
يذكرنا نمو 8% بما قيل في الأردن عام 1985 تفاخراً بالنمو العالي للاقتصاد، وهو نمو طبعا جراء دفوقات تحويلات العمال في الخليج ومساعدات أنظمة الفائض لأنظمة العجز، وهي الحالة التي تدهورت إثر هبوط اسعار النفط.
صحيح أن البلد كان بحاجة لدخول الدولار، ولكن السؤال عن أساس هذا الدخول: هل هو من الريع (إن صح تسمية التحويلات ريعا بما هي شغل ابناء البلد في الخارج) وربما هي عائدات غير منظورة، أو أن تدفق الدولار كان نتيجة للتصدير. اي هل مولدها الريع أم البيع؟

يقول سلامه بأن: ” المصرف دعم بالمليارات صناعة سياحة بيئة”. ربما، ولكن الدولة منعت استيراد الإسمنت من السوق الدولي رغم أن سعر الطن 35 دولارا، بينما يبيعه جنبلاط في السوق المحلية ب 100 دولار ويصدره للخارج ب 25 دولارا!
قد يكون مصنع جنبلاط من بين الصناعات المدعومة؟ مما يعني ان هناك آلية خاصة للدعم أقل مساوئها أنها تُضر باقتصاد البلد رغم أن القروض من أموال البلد. وبالطبع هل كان جنبلاط يصدر للخارج بأقل من سعر السوق الدولي لولا أنه:
إما يدفع أجورا هابطة وخاصة بسبب البطالة والعرض العالي لقوة العمل أو يغطي عجز البيع في الخارج من الربح العالي الذي يجنبه محلياً، وهذا بالطبع غير وارد.
لكن بيت القصيد هو في سياسة الباب المفتوح في مجمل الاقتصاد اللبناني مما يجعل القطاع الخاص هو الإبن المدلل للسلطة من جهة ويجعل دور البنوك كالصرافين تماما :يبيع ويشتري عملات”.
ومما ورد في حديث سلامة أن : “… سحب الليرة إزداد بشكل كبير في ايلول 2019، فارتفع الدولار عند الصرافين، حيث تهافت الناس على اقتنائه”. وهذا كان يجب ان يقود إلى تدخل المركزي لحماية الليرة وصد قانون غريشام “العملة الرديئة تطرد الجيدة من السوق”. ثم كيف نعرف ان سحب الليرة كان ورائه حيتان يلملموا الدولارات ويرسلونها للخارج حيث لهم قروناً استشعارية تمكنهم من توقع الأزمة التي ربما ساهموا في تصميمها.
يقول حاكم المصرف، بوسع المصارف الاستدانة من المركزي بالدولار ولكن لأنها اموال مصرف لبنان ممنوع تحويلها للخارج، حيث اخذتها من المركزي على 20% وعليهم إستعمالها في لبنان”
لكن هذا لا يمنع حصول المصارف على فائدة أعلى سواء اقرضتها داخليا، وهذا يعيق النمو، لا نقول التنمية، او خارجيا، وهناك تبقى الأرباح في الخارج.
لكنه يعود لوضع استثناء ينسف المنع “…إن عليهم استعمالها فقط في لبنان إلا بتفاهم البنك مع زبائنه (المستثمر في الخارج) وبين بنك وبنك ” . وبالطبع فإن المستثمرين في الخارج ليسوا من ملايين الفقراء في الميادين! اي ان فرصة التحويل للخارج بقيت مفتوحة ولكن برشاقة!
أما الاقتراض بين بنك وبنك، فهذا يعيدنا إلى المدرسة الأم لمصرف لبنان، فقد دفع مصرف الاحتياطي الفدرالي الأمريكي مع بدء ازمة 2008 ، بل في المرة الأولى وحدها أكثر من 800 مليار دولار على ان تقوم المصارف ب:
• تقديم قروض للقطاع الخاص
• تقرض بعضها البعض
لم يحصل لا هذا ولا ذاك حيث كان كل مصرف يخشى أن يُقرض آخر قد يفلس غداً
وقد حصر حاكم المركزي إذونات الاستيراد بالضروريات: ” البنزين والقمح والدواء”. وهذا يعني أنه كان بوسعه حصر ذلك على مدار 30 سنة. ولم يحصل. أليس لأن الاقتصاد من جهة مدولر ومن جهة مفتوحا، اي يتم تأجيل التدخل إلى أن يُحاط العنق بالحبل، وهذه هي مدرسة الاقتصاد البرجوازي والتوازن الذاتي للسوق ، أو اليد الخفية إن شئت، حيث يُحكى عن الإقتصاد بشكل مجرد بمعزل عن كون ازمته جحيما على الفقراء، وربما هنا يكمن الفارق بين الاقتصاد كأرقام وبين الاقتصاد السياسي.

ليس جديداً القول بأن الدولرة هي آلية لتسهيل الاستيراد، وهذا يعني بالضرورة شل الإنتاج والبحث عن آليات استقبال الدولار عبر تحويلات العمالة في الخارج، أو الاستدانة التي كلما تراجعت التحويلات زادت بدورها اي الاستدانة.

يضيف سلامة، “…ليست كل فلوس مصارف لبنان عند المركزي. لديها اموال موظفة في الخارج، ومع الدولة وفي الخاص”.
أليس من واجب المصرف المركزي مثلا الضغط على المصارف بان تفتح نافذة تنموية كنسبة من قروضها، كتسهيلات للقطاع الزراعي مثلا بدل أن تتصرف المصارف بدافع الربح اللامحدود وطبقاً للمحسوبيات والعلاقات. فمن عجائب لبنان أنه بلد زراعي يستورد الألبان من صحراء السعودية؟ ومعروف ان كافة المنتجات الزراعية في السعودية مدعومة بشكل باذخ وخاسرة سوقيا.
لم يتحدث حاكم المصرف عن الريوع السوداء التي تتدفق على منظمات الأنجزة وعبر السفارات. ربما لأن هذه تحويلات عملة صعبة تزيد سيولة الدولار وتقوي مركز الليرة. ولكن هذه القنوات هي نفسها جزء من شبكة الفساد في البلد التي هي من معاقل الثورة المضادة وتحديدا ضد المقاومة. وبالطبع لا يمكننا سؤال سلامة عن هذا لأن المركزي هو نفسه الذي خضع لضغوطات محاصرة حسابات من يُزعم أنهم انصار حزب الله. اي اصطف ضد قطاع كبير من الشعب.
طبعا لا يمكن ان يرقى الرجل الى رفض الديون.؟ وهو القائل:”… نعمل منذ سنوات في بيئة صعبة ومررنا بمراحل تعثّرت دول كبيرة فيها وتمكّنا من الحفاظ على استقرار صرف الليرة، واتخذنا العديد من الإجراءات لإبقاء لبنان منخرطًا في العولمة المصرفية بعد العقوبات”.

ملاحظة: جرى إسقاط حكومة رابين في الكيان الصهيوني عام 1975 حينما أُكتشف أن لزوجته حسابا بالدولار في الخارج.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.