الجزائر، خطوة إلى الأمام، خطوتان إلى الوراء؟ الطاهر المعز

تعهد الجيش الجزائري بضمان نزاهة وشفافية الإنتخابات الرئاسية المُقرّرة يوم 12 كانون الأول/ديسمبر 2019، بعد تأجيلها في مناسَبَتَيْن، ويتنافس خمسة مترشحين من أجل الفوز بمنصب الرئاسة، بينهما رئيسان سابقان للوزراء، ولكن هذه التطمينات لم تضع حدًّا للإحتجاجات الأسبوعية، للأسبوع التاسع والثلاثين على التوالي (منذ 22 شباط/فبراير 2019)، غير أن أعداد المتظاهرين انخفضت، باستثناء مظاهرة يوم الأول من تشرين الثاني/نوفمبر 2019، في ذكرى انطلاقة الكفاح المسلح ضد الإستعمار الفرنسي (الأول من تشرين الثاني/نوفمبر 1954)…

عوّلت السلطات على إرهاق المتظاهرين، وعلى غياب أحزاب تقترح بديلاً للوضع القائم، وحلولا لمشاكل البطالة والفساد، وتبذير عائدات المحروقات في استيراد الغذاء وجميع ما تحتاجه البلاد، كما تُعول السلطات على عدم تَجَانُسِ المجموعات المتظاهرة، التي ليست لها رُؤية مُشتركة أو تصور مُشترك لمستقبل البلاد، ورفضت قيادة الجيش تأجيل الإنتخابات مرة أخرى، مبررة قرارها بضرورة عودة مؤسسات الدّولة إلى نشاطها وتأدية مهامها، ولم تمنع الإحتجاجات والفراغ المؤسساتي الرئيس والبرلمان المُؤقّتَيْن من إقرار قوانين مصيرية (نتعرض لها لاحقًا) بشأن المؤسسات النقدية (المصرف المركزي) والمحروقات (شركة سوناطراك)، رغم معارضة قسم من المواطنين لهذه القرارات التي اتخذت في ظل وضع اقتصادي “كارثي”، خصوصًا بعد تراجع سعر برميل النفط الخام، الذي يُؤمِّن حوالي 95% من إيرادات الدّولة…

تتواصل المظاهرات، حتى كتابة هذه الفقرات (يوم الجمعة 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2019) وتتواصل معها الإعتقالات والأحكام بالسجن، ضد من يعتبرهم القضاء “انفصاليين”، رفعوا راية ترمز إلى دعوات انفصال منطقة من مناطق البلاد، وكذلك ضد المتظاهرين الآخرين والإعلاميين وغيرهم…

تتناول الفقرات الموالية أحد أوجه الإحتجاجات، ذات الطابع الإقتصادي والسّيادي…

تظاهر آلاف الجزائريين، يوم الأحد 13 تشرين الأول/اكتوبر 2019، في العاصمة، احتجاجا على مشروع قانون جديد للمحروقات، الذي عَدَّه بيان المتظاهرين “غير شرعي” واعتبره “تفْرِيطًا بالثروة الوطنية لصالح الشركات متعددة الجنسيات”، وصادقت الحكومة المؤقتة (مجلس الوزراء)، يوم 14/10/2019، على نص المشروع، رغم طابعها المؤقت (تسيير الأعمال) ولم تنشر السلطات القانون في الجريدة الرسمية، ما جعل المتظاهرين ينعتون أعضاء الحكومة ب”اللصوص الذين ينهيون ثروات البلاد”، وتُعتَبَرُ الجزائر ثالث أكبر منتج للنفط في إفريقيا وأحد أكبر 10 دول منتجة للغاز، لكن إنتاج البلاد من النفط انخفض من قرابة 1,4 مليون برميل يوميا، سنة 2005 إلى حوالي مليون برميل يوميا، بنهاية سنة 2018…

عللت الحكومة المؤقتة إقرار هذا القانون بأنه لا يتعدى مجال التعديلات الطفيفة على التشريع القديم، وبأنه لا يُغير الإتجاهات الكُبرى للدولة في استغلال الثروات الباطنية، التي تبقى ملكًا لها، ويقتصر القانون الجديد على تقديم بعض الحوافز للمستثمرين لمشاركة شركة المحروقات الوطنية – سونطراك – في الإستثمارات واستكشاف واستغلال الثروات الباطنية…”، وعند قراءة بعض التّسريبات التي نشرتها الصّحف الأجنبية، يظهر أن حكومة الجزائر تتَبَنّى توصيات صندوق النقد الدولي، بطرق ملتوية، إذ يجب على الشركة الوطنية للمحروقات (سونطراك) الرد خلال فترة قصيرة، على طلب الشركات الأجنبية، للمشاركة بِنِسَبٍ تصل إلى 30% من الإستثمارات الأولية، وفي حالة عدم الرد وتقديم ضمانات خلال تلك الفترة القصيرة، تُصبح الشركات الأجنبية، التي تتمتع بقدرة مالية هائلة، في حِلٍّ من الشروط الأخرى التي تتضمنها العُقُود، ويُخفِّضُ القانون الجديد من ضريبة الأرباح إلى 30%، ويُلغي الضريبة على الأرباح الإستثنائية للشركات متعددة الجنسية، ويُركّز بعض المتظاهرين على عدم شرعية الحكومة المؤقتة وعدم أهليتها لاتخاذ مثل هذه القرارات الإستراتيجية والمصيرية، خصوصًا بعد الشّبُهات التي أثارها وزير الطاقة، في بداية شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2019، بشأن محادثات سرية مع خمس شركات نفط عالمية كبرى بشأن “التغييرات التشريعية الضرورية لقانون المحروقات”، ويُجْزم بعض الباحثين الجزائريين والأجانب أن الشركات العابرة للقارات أعدّت مشروع القانون، وقدمته للحكومة المؤقتة، واعتُبرت هذه الخطوة الحكومية تراجعًا عن قرار 1971، لتأميم المحروقات، الذي جسّد سيادة الدولة على ثروات البلاد، أما إدارة الشركة الوطنية للمحروقات (سونطراك) فقد عللت القانون الجديد بتهالك البُنية التحتية لإنتاج النفط والغاز، وبانخفاض إنتاج معظم حقول النفط في البلاد، منذ أكثر من 15 سنة، ما يُحتم تخصيص استثمارات ضخمة (لا تستطيع سونطراك تحملها) لاستكشاف حقول جديدة، والمحافظة على مستوى الإنتاج، بل زيادته، مع زيادة الإستهلاك الدّاخلي، وانخفاض سعر النفط الخام في الأسواق العالمية، وانخفاض موارد الدّولة…

في هذا المناخ السياسي والإقتصادي المتوتر والمضطرب في البلاد، صوت البرلمان الجزائري يوم الخميس 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2019، بالأغلبية لصالح قانون المحروقات الجديد، الذي أعدّته الشركات الأجنبية، على مقاسها، ويسمح لها بالاستثمار في التنقيب عن حقول جديدة للنفط، وهو ما اعتبرَه المُحتجون، قبل شهر واحد، تبريرًا لبيع “الثروة الوطنية” للشركات متعددة الجنسيات، وتجمعوا في العاصمة، ورفعوا شعار “بعتم البلد أيها اللصوص”…

تزامنت المصادقة على القانون، مع قرار الرئيس المؤقت إقالة رئيس مجلس إدارة مجموعة “سونطراك”، يوم 14/11/2019، بعد سبعة أشهر فقط من تعيينه (نيسان/ابريل 2019)، وإقالة محافظ المصرف المركزي، خلال نفس اليوم، بحسب وكالة الأنباء الرسمية، وكان مجلس النّواب الجزائري قد صادق، يوم الخميس 14/11/2019، على مشروع قانون الماليّة للعام 2020 الذي “يسمح باللجوء إلى التمويل الخارجي من المؤسسات المالية الدّولية، وبتحسين مناخ الاستثمار”، بحسب وكالة الأنباء الجزائريّة (رسمية)، وبذلك ألغت الجزائر قاعدة 51% للشريك المحلي، مقابل 49% للشريك الأجنبي،  “في القطاعات غير الاستراتيجيّة”، وهو الشرط الذي تُعارضه الشركات العابرة للقارات (في كافة بلدان العالم) ويُعارضه صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، بذريعة “إنه يؤدّي إلى نُفُور الاستثمارات الأجنبيّة المباشرة”، كما توقع قانون المالية لسنة 2020 تراجُعَ احتياطي النقد الأجنبي من 194 مليار دولارا، بنهاية سنة 2014، إلى 51,6 مليار دولار بنهاية سنة 2020، أو ما يُعادل 12,4 شهرا من الواردات، كما يتوقع مشروع الميزانية انخفاض إيرادات الخزينة بنسبة 7% بسبب خفض ضريبة الشركات التي سبق ذكرها في فقرة سابقة…

 رفعت مجموعات من المتظاهرين شعارات تُندّدُ بهذه القرارات والقوانين، سواء يوم 13 تشرين الأول/اكتوبر أو يوم 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2019، لأن الجزائر خاضت معركة قاسية ضد الشركات العابرة للقارات، قبل حوالي خمسة عقود، من أجل بسط السيادة على ثرواتها، ورغم انتشار قوات الشرطة بأعداد كبيرة في شوارع وساحات العاصمة، احتشد الغاضبون والغاضبات، ورفعوا شعارات، من بينها: “هذا البلد ليس للبيع” ، “النواب غادرون وخونة” ، “لقد نهبتم هذا البلد”، و”إنه قانون مكتوب من قبل الشركات الأجنبية لمصلحتهم الخاصة، باعتراف الحكومة” (في إشارة إلى تصريح وزير الطاقة الذي ذَكرناه في فقرة سابقة)…

تُحاول القوى الرجعية الداخلية والخارجية استغلال الإحتجاجات العفوية، وتحويل وجهة المطالب المَشْرُوعة، لتنصيب عُملائها، وهو ما حصل في تونس وفي مصر، بشكل واضح، إذ انتفض الشعب من أجل مطالب شرعية ومشروعة، وانقضت قوى رجعية، معادية لمصالح الفقراء، لتُمسك بزمام السلطة، لأنها قوى مُنظّمة وتمتلك القدرات المالية والإعلامية، بدعم خارجي، من قَطَر أو الولايات المتحدة أو الإتحاد الأوروبي، ولا تُشكل الجزائر استثناءً، فشعبها غير مُحصّن، بل اخترقت المخابرات الأمريكية والأوروبية والكنائس الإنجيلية المُتَصَهْيِنَة صُفُوفَه منذ “العشرية السّوداء”، وخلال فترة الإستعمار المُباشر، انضم عدد من الفُقراء والأُمِّيِّين وغيرهم إلى فيالق “الحركيين” الذي حاربوا أبناء شعبهم، في صفوف الجيش المُسْتَعْمِر، وتحاول الإمبريالية (الأمريكية والفرنسية، على وجه الخصوص) إبراز بعض الأشخاص الذين حصلوا على تدريب وتمويل ودعم إعلامي أجنبي، وحصل بعض هؤلاء على “جوائز عالمية”، لكن الزعماء السياسيين الرسميين، في الحكومة والجيش والأحزاب”، ساهموا في إشاعة الفساد والرشوة، وحادوا عن مبادئ السيادة واستقلالية القرار التي ناضل من أجلها ثوار الجزائر من الأمير عبد القادر، إلى الوطنيين المُعاصرين…

في الجانب الإقتصادي، بقي اقتصاد البلاد ريعيا، حيث تشتري الدولة (النظام) الصمت والسّلم الإجتماعي، من خلال توزيع بعض الفتات، ولم تستثمر عائدات النفط في إنتاج الحاجات الأساسية، من غذاء وتجهيزات وأدوات، ولما انخفضت إيرادات النفط، ولم تعد الدولة قادرة على توزيع ذلك الفُتات، انتفض الفُقراء والأُجراء والفئات متوسطة الدّخل، من أجل توزيع عادل للثروة، كما دافع البعض عن حق الشعب والبلاد في السيطرة على الثروات، وعن عدم التّفريط فيها للشركات العابرة للقارات…

وردت البيانات المذكورة في برقيات وكالة الأنباء الجزائرية، ونشرات صحيفة “الوطن” (الجزائر)، ووكالة رويترز، والفرنسية (أ.ف.ب) وصحيفة “لوطون” السويسرية”… من 13/10 إلى 15/11/2019   

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.