ضبابيةُ أهدافِ الإنتفاضاتِ العربية وتَبِعاتُها، الطاهر المعز

ارتفع سعر الدّولار الأمريكي الواحد من 1500 ليرة (1700 ليرة في السوق المُوازِية) إلى أكثر من أَلْفَيْ ليرة لبنانية، مباشرة بعد مداخلة السفير الأميركي السابق في لبنان جيفري فيلتمان (وهو الذي أشرَفَ بشكل مُباشر، على إدارة شؤون تونس إثرَ فرار بن علي، ومصر، بعد إقالة حسني مبارك)، في مجلس النواب الأمريكي، أمام اللجنة الفرعية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا والإرهاب الدولي، بخصوص ما يجري في لبنان، واتّضحت الأهداف الأمريكية، ومؤشرات الصراع على الجبهة الإقليمية والدولية، من خلال هذه المُداخلة التي تندرج ضمن خطط توظيف الأحداث الداخلية والسّطو على الحركات والإحتجاجات الشّعبية العَفْوِيّة (في العراق ولبنان والسودان والجزائر وإيران…)، لخدمة “مشروع الشرق الأوسط الكبير”، وكذلك من خلال تصريحات وزير الخارجية الأمريكية “مايك بومبيو”، الذي أعلن  توظيف حركات الإحتجاج، ورَبْطِها بأهداف السياسة الأمريكية، عبر دعم أطراف سياسية منظمة ومنظمات “غير حكومية” (أو منظمات “المجتمع المدني”)، تخضع لتمويل أمريكي (أو “غربي”) وتُنفّذُ، دون وعي أحيانًا، أهدافًا مَرسُومة في مراكز البحث الأمريكية، ويتمتع بعض هذه المنظمات بموارد مالية أمريكية وخليجية هامة، وبتواطؤ وسائل الإعلام المُهَيْمِنَة، ولكن خَطَر تصريحات الوزير الأمريكي للخارجية يكمن في تنصيب الولايات المتحدة نفسها “مرجعية دولية” (بدل الأمم المتحدة، حيث أصبحت الصين وروسيا تُعارض بعض القرارات الأمريكية)، تُضفي الشرعية على احتلال فلسطين، سواء عبر اعتبار كافة الأراضي العربية والفلسطينية المحتلة، جزءًا من دولة الكيان الصهيوني (الجولان والقدس والضفة الغربية، إضافة إلى أراضي 48)، أم عبر “صفقة القرن”، التي باتت دُوَيْلات الخليج تُروّج لها، وتستعدُّ لتحَمُّل الجانب المالي “للصّفقة”، ضمن برنامج أمريكي أَوْسَعَ، يتمثل في تحالف عرب النفط مع الكيان الصهيوني، لمواجهة إيران، وحصار الصين وروسيا…

تُشير تصريحات “جيفري فيلتمان” ووزير الخارجية  الأمريكي “مايك بومبيو”، بوضوح لا لُبْسَ فيه، إلى التّدخّل الإمبريالي السّافر في شؤون الدّول، وفي الوطن العربي بالذّات، وتتدخل الإمبريالية الأمريكية عبر أشكال عديدة، منها الشكل العسكري (أفريكوم في إفريقيا والإحتلال المُباشر في أفغانستان وسوريا والعراق…) ودعم الأنظمة، عسكريا وسياسيا وإعلاميا، وكذلك عبر منظمات تدعي الدفاع عن حقوق الإنسان (مثل “هيومن رايتس واتش”) ومراكز البحث والمُبشِّرين الإنجيليين، وعبر مكاتب دراسات وتدريب الفئات المُستهدَفَة (مثل “ميبي”، ويوجد مكتبه الرئيسي في تونس والآخر في الإمارات)، وعبر تمويل منظمات غير حكومية، أو بالأحرى تمويل البرامج التي تنتقيها وتعرضها على هذه المنظمات لإنجازها، وتقديم تقارير عن مجتمعاتها، وتدرس مراكز البحث في واشنطن (أو في برلين وباريس وغيرها) هذه التقارير، لتُعدّ على ضَوْئِها خططًا للتدخّل، سياسيا أو عسكريا، وأظْهرت الإنتفاضات العربية، منذ انتفاضة تونس (نهاية 2010 وبداية 2011) إلى الإنتفاضات الحالية في العراق ولبنان والجزائر، دور مثل هذه المنظمات وبراعتها في اختطاف حركات المحرومين والفُقراء الغاضبين، وتحويلها إلى أداة تدخل وهيمنة أجنبية، امبريالية…

يكمن خطر بعض هذه المنظمات “غير الحكومية” في حَرْف الفُقراء، والمُتضررين من هيمنة رأس المال، عن أهدافهم الحقيقية، وهي (المنظمات) مُؤثِّرَة في بعض فئات الشباب المتعلّم، وعلى خريجي الجامعة العاطلين عن العمل، كما يكمن الخطر في تنظيمها المُحكم، وتوفُّر المال الذي يُمكنها من ترويج خطاب “جديد”، خلال المظاهرات أو عبر المنشورات ومواقع الشبكة الإلكترونية، يُعيد صياغة خطاب المُمَوِّلين، وقيمهم الإيديولوجية والإجتماعية والسياسية، عبر استخدام مُصطلحات ولغة وشعارات مُحدَّدَة، مثل نبذ العُنف الصادر عن الفقراء، وليس الصادر عن الدولة وعن رأس المال، والسّلام (مع المُحتل؟)، و”قُبُول الآخر” ( المُحتل الصهيوني أيضًا؟)، في مقابل شعارات تحرير الأراضي المحتلة أو إلغاء الدّيون أو إعادة توزيع الثروات، التي يعتبرها هذا الخطاب “الجديد” شعارات تجاوزها الزمن، ولا تتماشى مع عصر العَوْلمة الرأسمالية الليبرالية، القادرة على حلّ المشاكل الاجتماعيّة، شرط التزام شروط النشاط “المَدَنِي والسِّلْمِي”، وشرط المشاركة المُكثفة في عملية انتخاب “مُمثّلي الشعب”، بدل التظاهر في الشوارع ورفع شعار “إسقاط النظام”، والدّعوة إلى ممارسة “العنف الثوري” لتحرير الأرض والإنسان…

وردت تصريحات المسؤولين الأمريكيين، التي أشرنا إليها، بالتزامن مع تَوَصُل الإحتجاجات في عدد من بقاع العالم، في أمريكا الجنوبية، ضد غلاء الأسعار في تشيلي، كما في إيران، وضد التّدخّل الإمبريالي الأمريكي في بوليفيا، وضد الفساد في أوكرانيا، وضد هذه الأسباب مُجتمعة في الوطن العربي (الجزائر ولبنان والعراق) وسبق أن أشرفت الولايات المتحدة في معظم هذه البلدان، كما في غيرها، على انقلابات رجعية دَمَويّة، واحتلت بعض هذه البلدان، فيما نهبت الشركات الأمريكية ثروات جميع هذه البلدان، من النفط والمَعادن، إلى الإنتاج الزراعي، ولعب “جيفري فلتمان” دورًا هامًّا في فَرْض الإسلام السياسي في تونس وفي مصر، وكان سفير لحكومته في لبنان، قبل أن تُنصبه أمريكا أمينًا عامًّا مُساعدًا للأمم المتحدة…

أما “مايك بومبيو”، وزير الخارجية فيختزل في شخصه تاريخ أمريكا المُلطّخ بدماء الفُقراء والكادحين والشُّعُوب المُضْطَهَدَة، والواقعة تحت الإحتلال، فهو عسكري، ومُدير سابق لوكالة الإستخبارات الأمريكية، ورجل أعمال (أي رأسمالي ثَرِي) من الجناح اليميني (حزب الشاي) للحزب الجمهوري اليميني أصْلاً، وهو من “المسيحيين الصّهاينة”، الذين يدعون إلى شن الحرب المُستمرة، باسم القِيَم المسيحية، ضد الشرق المُسلم (والشرق، أو المشرق العربي مَهْد المسيحِيّة، ويضم مسيحيين قاوموا مع إخوانهم المُسلمين غَزوات الفرنجة لأوطانهم، أثناء ما سُمِّيَ “الحُروب الصليبية”) وأصبح وزيرًا للخارجية، منذ شهر نيسان/ابريل 2018، ورغم المنصب الدبلوماسي، لا يزال “بومبيو” يتصرف كعسكري، ويَدعو باسم الأُصُولية الإنجيلية، إلى الحرب الدائمة “للغرب المسيحي” ضد “المشرق الإسلامي”، وكان، ولا يزال، أحد السياسيين الأمريكيين الداعين لتجاهل الأمم المتحدة (التي تتحكم الولايات المتحدة في معظم قراراتها) والمؤيّدين لضم الكيان الصهيوني كافة الأراضي المُحتلّة سنة 1967…

تزامنت تصريحات “جيفري فلتمان” وزميله “مايك بومبيو” مع ذروة الإحتجاجات ضد صندوق النقد الدّولي، وضد الهيمنة الأمريكية، وعُملائها في أمريكا الجنوبية، وضد غلاء الأسعار في إيران، التي تُحاصرها الولايات المتحدة، وتفرض عليها عُقوبات غير مَشْرُوعة، وضد الفساد في العراق التي يحكمها عُملاء الإحتلال الأمريكي، وفي لبنان التي تُديرها الولايات المتحدة، عبر وُكلائها المحليين والخليجيين، وتتدخل أمريكا في سياساتها الدّاخلية، ضد من لا ترضى عنهم (حزب الله وميشيل عون…)، وفي الجزائر، حيث تحاول أوروبا (وخاصة فرنسا) والولايات المتحدة فَرضَ عُملاء لها من المنظمات المُسمّاة “غير حكومية” أو من “المجتمع المَدَني” المزعوم، عبر التعريف بهم في وسائل الإعلام، وعبر منحهم جوائز باسم “حقوق الإنسان”، أو باسم “دَعْم الأقليات”، وغير ذلك…

تمكنت الولايات المتحدة والقوى الإمبريالية من حَرْفِ مسار الإنتفاضات العربية، ومن إدارة فترة الإرتباك، عبر إزاحة رأس النظام، في تونس وفي مصر، واستبدال الرُّموز المفضوحة للنظام السّابق، برموز جديدة، موالية للولايات المتحدة ولأوروبا، أي موالية للإمبريالية، وتَتَبنّى السياسات الإقتصادية الرأسمالية الليبيرالية، ومن بين هذه الرّموز الجديدة “الإخوان المسلمون”، الذين يُتْقِنُون فُنون انحناء الظّهر، ليس بسبب ممارسة الصلاة، وإنما بسبب الخُنُوع عندما يجب النّضال والوقوف أمام العَدُو، وكان راشد الغنوشي قد غادر تونس، في بداية تسعينيات القرن العشرين، وأوصى “إخوانه” في حركة النهضة بما مفادُهُ “احْنِ ظَهْرَك، حتى تَمُرَّ العاصفة”، وأدّى استبدل الدكتاتورية في تونس ومصر، بالإخوان المسلمين، المتحالفين مع رجال الأعمال، وجزء من أنظمة الحكم السابقة، إلى بقاء جوهر النظام السياسي والإقتصادي على حاله، باستثناء بعض الحُرّيات التي يمكن قَضْمُها على مَرّ الزمن، وحصل كل ذلك، بسبب غياب إطار مُنظّم، قادر على تحويل الحركة العفوية إلى حركة واعِيَة، تَطْرَحُ بديلاً للنظام القائم، وتُرْسِي نظامًا نقيضًا له، في المجال الإجتماعي والإقتصادي والثقافي والسياسي…

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.