حول الكلونيالية ونمط الإنتاج الاستبدادى، سيد البدري

مدخل فى نقد المنتقد
عودة على بدء

بصرف النظر عن سقطات مهدى عامل البنيوية الا انه أسهم بقدر ما – رغم تناقضات رؤيته – فى فهم بعض خصائص العلاقة بين بنية التبعية من ناحية والإمبريالية من ناحية أخرى ، وهذا على الأرجح نتيجة تاثره ببنيوية التوسير المتاثرة بدورها بالرؤية الماوية فى مرحلة ما .
ولكن لكى نكتشف عدم دقة تعبيرات مهدى عامل ، يجب علينا محاكمة تعبير البرجوازية الكلونيالية الذى شيد عليه الجزء الأكبر من رؤيته ، وانا افرق هنا بين لفظ الكلونيالية وبين دلالته التى يمكن إيجاد جزء منها ضمن مفهوم بنية التبعية ، هذا التعبير مأخوذ من ليفى شتراوس والذى قدمه فى رؤيته النقدية لمفهوم الايدلوجيا لدى المستشرقين ، وهو مفهوم ادبى بالمقام الأول يعكس ذهنية الاستتباع و لا يعكس بنية مجتمعات الاستتباع الطبقية فهو مفهوم له دلالاته من حيث علاقته بالايدلوجيا الإمبريالية وليس بعلاقات انتاجها ، ولا طابع انتاجها ولا خفايا قوانينها الذاتية ، لماذا؟
بداية فان مفهوم البرجوازية كما قدمه ماركس يشمل كامل الطبقات البرجوازية سواء الصغيرة أو المتوسطة منها والكبيرة على حد سواء ، وذلك ضمن إطار فهم المجتمع الرأسمالى وعلاقات الملكية فى بدايات تشكل الرأسمالية فى أوروبا، والتى لم تكن بعد قد اتخذت طورها الاحتكارى والامبريالى الذى عالجه لينين فيما بعد.
ومهدى عامل تعامل معها كلها ككتلة واحدة متجانسة وهذا منافيا للفهم الماركسى ذاته ، اللهم من زاوية مسألة الملكية فقط ، فضلا عن إغراقها كطبقة واحدة فى نمط انتاجى واحد ، متجاهلا لينين احيانا، ومغرقا فيه احيانا أخرى، فهو تارة يتعامل مع الرأسمالية كبرجوازية فى ذاتها وكان الإمبريالية لم توجد بعد ، وتارة أخرى يعاملها ككتلة تابعة يشترط وجودها العلاقات البنيوية مع الإمبريالية، وهنا تحديدا يكمن تناقض مهدى عامل مع ذاته أو مع مفهومه الذى شيد عليه رؤيته الخاصة ، فنجده يعامل علاقات الإنتاج السابقة على الرأسمالية فى مجتمعات الأطراف كانها وجدت لكى تشكل وحدة واحدة من الكلونيالية بطابعها العام ، والذى نتفق معه فى كون محدده خارجى، اما طابعها الخاص – والذى يثبت العام ولاينفيه- فلا نجده عند مهدى عامل ، فهو يهرب منه ويعود إليه ليس بمفهوم علاقات الإنتاج ماقبل الرأسمالية، بل ضمن مفهوم البرجوازية الكلونيالية ، وكان هذا المفهوم هو الثقب الأسود الذى يبتلع كل مكونات التشكيلة الاجتماعية للمجتمعات الطرفية، أن عدم تحديد طابع كل من شرائح الرأسمالية الإنتاجى وتقسيمها الطبقى سواء من حيث الحجم أو النشاط يجعل فهم علاقة الإمبريالية بالراسماليات الطرفية التابعة لها مستغلقا عليه .
اذا وعلى الرغم من أن مهدى عامل يعد أبرز مفكرى الشام الذين اهتموا ببنية البرجوازية فى علاقتها بالامبريالية الا انه اغفل بسبب من قصور منطق البنيوية الكلى -حيث انه كلما زادت عوامل التفاعل الجدلى بين الداخل والخارج اصيب نموذجها المعرفى بالتشتت- وهو ما لم تقع فيه الماركسية التى تربط عند سمير أمين القوانين العامة بالخاصة، والمركز بالاطراف ضمن رؤية جدلية ، بل إن سمير أمين ومدرسة النظام العالمى أسسا لقوانين الرؤية الجديدة المادية التاريخية المخالفة لاطوار المراكز ، وهو ما لم يكتشفه مهدى عامل وحال بينه وبين تبيان تحليل البنية الاجتماعية، فلا الطوائف ولا الايدلوجيا الدينية الا شكلا خاصا من أشكال التعبير عن تلك البنى.

نمط الإنتاج الاستبدادى.
مرة اخرى يلجا مهدى عامل الى ثقب اسود اخر ، بسبب عجز بنيويته عن تتبع واستكناه طبيعة التشكيلات ماقبل الراسمالية فى الشرق ، فهو يهرب من الوصف المادى التاريخى لعلاقات الانتاح ، ويستبدلها بشكل هيمنتها او حكمها ، فهو يهرب من وصف الخراج ويسميه بنمط الإنتاج الاستبدادى، ليس هذا فحسب، بل وجعله لنمط الإنتاج الاقطاعى اساس الشرق وهو عكس الواقع وما يثبته التاريخ تماما .
فى اعتقادى أن مهدى عامل كان من الممكن أن يتجاوز هذا التناقض المنهجى لو انه تحرر من سطوة النمذجة البنيوية ، بقى زمانه تشكلت مدرسة النظام العالمى ، واجابت عن أسئلة كثيرة كانت مستغلقة، وتطورت لتصل لرؤية دقيقة وعلمية عن فائض القيمة المعولم تعامى عنه مهدى عامل ، وفضل نحت مفاهيم اعاقته عن رؤية العالم كوحدة تحليل وعن الواقع الطرفى الذى يمثل الخصوصية التى تثبت العمومية.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.