تلكؤ العهد وحزب الله يُضعف شعبيتهما، عادل سمارة

وقد يجدد مناخ التطييف

تلقيت تساؤلات بصيغة الاعتراض على ما كتبته (في كنعان يوم 14 نوفمبر الجاري)  في الحلقة الثانية عن الاقتصاد اللبناني من باب كيف يمكن الحديث عن اقتصاد لكل طبقة، أو اقتصاد الحزب، واقتصاد الحماية الشعبية، والانسحاب إلى الداخل…الخ  وتعارض هذا وذاك مع الاقتصاد الوطني؟ طبعا وطني صفة سياسية تُطلق على الكمبرادور كما تطلق على المُنتِج مثل تشويه الشهيد بإطلاق الوصف على عملاء.  لأن الصحيح اقتصاد محلي. كما ان الاقتصاد المحلي هو متفارق طبقياً. كما تم التساؤل :هل الحماية الشعبية تصلح كعلاج فوري ومباشر؟

 مقتل الاقتصاد التابع ومنه اللبناني أن الرأسمالية هناك ذهبت باتجاه الاستثمار في المستوى المالي وليس الإنتاجي، وحققت ارباحا اكثر طبعا. الاستثمار في اجتذاب دولارات من الخارج سواء بتصدير قوة العمل وخاصة المتعلمة أو بإغراء أجانب بالادخار والسياحة في لبنان بما هو بلد مستقر اكثر من بلدانهم، في فترة ما ، وبالطبع اعطت فوائد عالية للخارج وأقرضته
داخليا بفوائد اعلى وبالليرة. وضمن تلك الإغراءات ان اللبنانيين في الخارج حولوا دولارات كثيرة إلى لبنان إثر ازمة 2008 المالية الاقتصادية إلى لبنان كملاذ من جهة، وللحصول على فوائد أعلى من جهة ثانية.

أي هي لم تستثمر في الإنتاج مثلاً فتح مشاريع محلية تحفظ  قوة العمل من الرحيل لكي تُنتج بما:
·       يموِّن السوق المحلية ، فتحول دون نزيف العملة الصعبة وحتى نزيف قوة العمل إلى الخارج.
·       ويصدر سلعا لا بشراً.

بل إن سياساتها قوَّضت مشاريع إنتاجية.

 تُذهل حين تعلم أن لبنان يستورد ب 250 مليون دولار مواد غذائية من الصحراء السعودية و ب 70 مليون دولار زهور من هولندا، هذا بغض النظر عن كونها زهورا من إنتاج الكيان الصهيوني! وهذه امثلة من كثير.طبعا بوسع لبنان إنتاج المواد الغذائية أو مثلا استيرادها من سوريا.

بسياسة كهذه تنكسر العلاقة المحلية الوطنية إلى علاقات طبقية تجمعها سيطرة و/أو هيمنة الدولة كسلطة في خدمة طبقة. ولكن بالمقابل، فإن الطبقات الشعبية بقيت تابعة أو على هامش أداء اقتصاد البرجوازية، اي لم تجترح طريقا أخرى لها أي التنمية بالحماية الشعبية. وعليه، فإن ما كان سائدا هو: تخارج الراسمالية وخضوع الطبقات الشعبية وهو ما يُسمى الاستقرار الذي يقوم على حالة كاريكاتورية: الفقراء بدل ان ينتتجوا يأكلون مستوردات من السعودية والبرجوازية تتمتع بزهور من الكيان!

ولكن، والأزمة اللبنانية عالقة بعد، يبقى التحدي قائماً وخاصة بمعنى ما العمل فورا كمقدمة لما العمل على مدى أطول، أي ان المطلوب مستويان من العلاج:
·       مستوى مباشر له ملموسية شعبية
·       ومستوى طويل بمعنى إعادة بناء البلد على اسس مختلفة.

فالذين خرجوا إلى الميادين لا يسألون عن خطة استراتيجية شاملة بقدر ما يسألون وخاصة بعد اربعين يوما، عن حقهم في التدبر اليومي. ولا يكون السؤال عن التغيير الشامل سوى في حالة ثورة بقيادة ثورية لها رؤيتها وبرنامجها وهذا لم يتبلور بعد، وتزداد الخشية عليه يوما بعد يوم.

 هناك حديث عن تشكيل حكومة تكنو-سياسية، وتشكيل جهاز قضائي جريىء ونظيف، واستعادة المال المنهوب وتجريد اللصوص من ما نهبوا والبعض يطالب بدولة مدنية ، وآخر يطالب بالذهاب إلى الشرق…الخ. هذا دون أن نذكر المنادين بدولة أمريكية، تعترف بالكيان الصهيوني وتدير حربا ضد المقاومة…الخ. ولكن، وبعد أكثر من اربعين يوماً لم تُتخذ إجراءات عملية بعد.

كيف ومتى تتم الاستعادة؟ فما يحصل في الجزائر قد يكون مثابة تحدٍّ للبنان. فبعد ايام تبدأ محاكمة الفاسدين واللصوص بغض النظر إن كان التوقيت  لتشجيع المشاركة في الانتخابات. فهل لبنان مرشح لخطى كهذه؟ ما ذكره السيد ونواب حزبه في البرلمان أنهم هم وغيرهم وضعوا بين ايدي القضاء ملفات كثيرة عن الفساد منذ سنوات قبل حراك 17 اكتوبر ، ولم يحصل شيئاً؟ وقد يكون هذا نفسه أساس المشكلة، اي ان اللصوص وحتى العملاء  محميون، بل هم في السلطة! لكن قضايا المجتمع لا تُحل ب: “اللهم قد بلغت”!

دعنا نقول بأن الحريري ناور اربعين يوما لعدة اهداف اهمها:
·       تمكين اللصوص من تهريب ما يمكنهم تهريبه خارج البلاد وبهذا كان هو نفسه في السلطة “حكومة تصريف الأعمال” وهو نفسه ضد البلد في فرملة السلطة كي يتم التهريب أي كان دور حكومة تصريف الأعمال”حكومة تهريب الأموال”.
·       دفع مصرف لبنان سندات دين وفوائدها بقيمة 1580 مليار ليرة للدائنين الخارجيين والداخليين ومنهم مصارف، فيما تلك المصارف، بالرغم من حصولها على 380 مليون دولار من مصرف لبنان، لا تسمح للمودعين وأغلبهم من محدودي الدخل بالحصول على أكثر من 300 دولار أسبوعياً من مدخراتهم. النتيجة اليوم أن الدين مقدّس، أما أموال الناس وحقوقها فتلك ليست سوى وقود.

وهذا ما يمكننا تسميته تأميم الديون بنهب فلوس الأكثرية الشعبية بعد أن تم تامين أموال الطربوش البرحوازي الفاسد.

فماذا الآن بمعنى الإجراءات المباشرة أولاً قبل الخطة التي وضعها هذا الفريق او ذاك كما نشرت الأخبار اي خطة إعادة هيكلة الدولة؟

ففي الحد الأدنى، بإمكان رئيس الجمهورية القطع بتكليف وتشكيل وزارة حتى قبل إعلان الحريري القطعي بعدم العودة للوزارة. هل تريُّث الرئيس مرده فقط إلى المشاورات أم الحيرة؟

فالمطلوب في لبنان وعلى ضوء الحراك بشقه الحقيقي هو استعادة المنهوب ولكن من ايدي الناهبين الذين هم في السلطة وفي الحراك معا! وهذا يضع الرئيس وحزب الله في مأزق اي قرار يجب اتخاذه؟ اي التقاط هؤلاء وتخليص مباشر لبعض مما لديهم لكي يرى الشعب خطى حقيقية. صحيح أن هذا سوف يدفع فريق بعضهم للتخريب وإغلاق الشارع، ولكن لكل شيء إيجابي ثمناً. وبغير هذا تتآكل شعبية المقاومة ولو ببطء!

في المستوى الدولي، هل السلطة الحالية من الجرأة بمكان كي تأخذ قرار رفض دفع الديون ؟ أي بعكس ما فعله الحريري.  وهذا أخذا بالاعتبار لأمرين:
الأول: أن هناك سوابق ناجحة في هذا الرفض، وإن كان ينقص لبنان ما توفر لغيرها بمعنى أن السلطة في لبنان هي نفسها أي وريثة من ورطوها في الديون وليست سلطة تغيير ثوري.
والثاني: أن سوابق إعفاء أو شطب ديون في حالات كثيرة لا تعني أدباً حسن نية الدائنين ولا خسارات قرروا تقبلها، بل لأنهم كانوا قد استردوا راس المال وأكثر.

إن مجرد إعلان رفض دفع الديون، سوف يريح الحراك ويرغم المصارف على التوقف عن  احتجاز مدخرات الناس أو التقنين على اصحاب الأموال وخاصة الطبقة الوسطى وبعض الطبقات الشعبية إن كانت لها توفيرات.

من اللافت اللعبة/الخلاف بين حاكم المصرف المركزي واصحاب المصارف. فبينما يعلن مصرف لبنان استعداده لبيع الدولار للمصارف، فضلاً عن عرضه إقراضها بفائدة 20 في المئة. إلا أن معظم المصارف تمتنع عن ذلك، تفادياً لدفع نسبة العشرين في المئة المحددة من قبل المصرف المركزي.

وهذا يطرح السؤال: من هي السلطة في لبنان؟ هل حاكم المصرف المركزي ورجال المصارف في مكان غير البلد؟  أليس الطبيعي أن يرغم البنك المركزي على رهن قراراته بقرارات السلطة. وبالطبع، هذا سيكشف  عن ما هو لدى المصارف والمصرف المركزي، لأن ما قاله الاقتصاديون اللبنانيون متفارق بين تأكيد وجود الأموال أو عدم وجودها.

هل يمكن للسياسات الثلاث أن تعمل كل واحدة بمفردها:

1)  السياسة الاقتصاديّة، وهي الأساس، وتتعلّق بقطاعات الإنتاج، هي السياسة العامة للبلد وهذه بيد السلطة التنفيذية وهي التي تُحدَّد للمدى الطويل بالمعنى الاستراتيجي إن لم نقل التنموي.وعنها
2) تتفرع السياسة الماليّة، أي سياسات الدولة في توزيع مجالات الإنفاق على القطاعات الاقتصادية ووضع حجومها وتقدير نموها  وبناء نظام ضريبي للبلد. وطبعاً في بلدان ذات نظام تنموي، يكون الشتغيل أو توفير التشغيل من أهم اهداف السياسة الإقتصادية للدولة، مثلا: قطاع عام قوي وواسع.

3) وثالثاً وظيفة المصرف المركزي في وضع السياسة النقديّة كتثبيت سعر صرف العملة.

إذن، كل ما سبق يعني وجوب وجود سلطة محلية قوية إن لم نقل ثورية. أما التشاغل ببقاء الحريري وعدم بقائه، فهو يبين كأن السلطة لا ترى :
·       لا الأزمة الاقتصادية التي تتحول إلى سياسية اجتماعية
·       ولا ترى الحراك والذي يمكن أن يذهب/يرتد  إلى الانفجار الطائفي كما تعمل الفاشية على ذلك وخاصة حين يضيق الخناق عليها.

حتى الان، فإن السباق بين مافيا لبنان الفاشية والتابعة للغرب والنفط وبين تحالف السلطة لا يزال لصالح الطرف الأول والذي إذا وجد نفسه في دائرة الاستهداف سوف يمتص غضب الحراك ويعيد كثيرا من الغاضبين إلى قاعدتهم الطائفية. أي انه كلما تأخر الشغل الجذري من السلطة فالزمن/وهو بالطبع ايام أو اسابيع هو لصالح الثورة المضادة.

وإذا كانت المقترحات أعلاه صعبة التحقيق او المباشَرَة بها، فهل يمكن للسلطة اللبنانية تقليد حكومة أوباما أو سياسات المصرف  الدولي في الأرض المحتلة 1967؟ أي البدء بتشغيل مؤقت وربما بشكل دوري للعاطلين عن العمل أي ثلاثة أو ستة اشهر لكل عدد من العمال في توسيع الطرق مثلا  إلى أن يتم توفير فرص عمل ثابتة، هذا إلى جانب الفرض على المصارف تحرير أكثر للمدخرات من اجل دفع الجور والرواتب…الخ وتوفير الخدمات الأساسية، صحة، تعليم…الخ  مع ان هذا يعني درجة من التخطيط التأشيري الاقتصادي الذي يتناقض مع إيديولوجيا السوق المتبعة في لبنان. اي حتى هذا مرهون بقرار
جريىء وجديد رغم تواضعه الكبير.

لكن كل هذه لا تعني بديلا للحماية الشعبية للاقتصاد بل يمكن ادراجها في خانة الضغط على النظام الاقتصادي القائم كي يقترب من متطلبات ويخدم منطق الحماية الشعبية.

وهذا يردنا إلى بداية التساؤلات، اي الشق النظيف ، اي العمل بمقتضى منطق التنمية بالحماية الشعبية.  فإن هذا لو حصل، لا بد ان يأخذ بعض الوقت بين قطاع أو نشاط وآخر. فالتركيز على الإنتاج الزراعي يتراوح بين موسمي للخضار وبضع سنوات للأشجار. بينما المصانع يمكن حقن بعضها سريعا كي يعود للعمل أو يوسع طاقته الإنتاجية والبعض يمكن تاسيسه ليأخذ عاماً أو أكثر. وكل هذا يتطلب سلطة ذات توجه إنتاجي استقلالي في حده الأدنى تبني موديل إحلال الواردات وهذا غير متوفر في سلطة لبنان الحالية. وربما هذا ما يجب أن يُشرح للقطاع الأوسع من المجتمع اي الفقراء  المشاركين في الحراك والمنتظرين في البيت كي ينتقلوا من الاحتجاج إلى بلورة مشروع عملي ليواجهوا به السلطة.

إن جرعة ثقة ملموسة هي المطلوبة كحد أدنى وبشكل مباشر سواء كانت التكليف والتأليف الفوري للحكومة وتدخل الدولة في المصرف المركزي، وتحرير موجودات الناس، وتنفيذ استعادة محلية ما امكن من المال المنهوب ، وهذا يتوازى مع التحري عن حسابات اللصوص في الخارج، ومحاولة استعادتها، وقيام الدولة بالتحكم في التجارة الخارجية.  وإذا ما تم إنجاز هذه الخطوة الأولى يصبح من الممكن الشغل على ما هو أوسع وابعد.

هل السلطة الحالية من الجذرية بمكان كي تتجاوز شروط الحريري ومن ضمنها “حقه” بفرض من يحل محله؟ وتضع يد  السلطة على المصرف المركزي وإرغام المصارف على تسييل أموال الناس.

وحتى بغض النظر عن تمتع السلطة بقلب الأسد، فإن السؤال يتجه إلى حزب الله من باب: اين يقف الحزب من الحراك؟ فإذا لم يبلور الحراك قيادة له، لماذا لا يتحالف الحزب علانية مع الحراك وذلك حفظا لجذرية الحزب وجذرية الحراك وهو ما يساعد الحراك على التبلور.

لا يجب تذويب فاعلية الحراك ولا تسهيل تطييفها بما هي تجربة فريدة، وهذا يعني أن على حزب الله أن يأخذ حلفاءه باتجاه الحراك حتى لو ذهب وحده لأن تشكيل جبهة المقاومة والطبقات الشعبية هي وحدها التي بوسعها تحقيق كل من المطالب العاجلة للحراك والتغيير البنيوي في البلد.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.