العراق وماذا اولا؟ محمود فنون

إن أحداث العراق شديدة الخصوبة والتداخل مما يجعل تحليلها بالضرورة وفق المنهج العلمي في البحث ، لتشخيص الوضع وبالتالي تحديد الأهداف وبالضرورة تحديد مهام العملية الثورية وبالتالي أيضا التأشير على القوى الأمينة على العراق والأمينة على شعارات التغيير والمرتبطة بها والحريصة على تحقيقها مهما غلت التضحيات .

العراق يخضع لاحتلال الأجنبي وهيمنة على مجمل الوضع بما فيه المبنى السياسي وتراكيبه الطائفية ومبناه القانوني وكل مركبات الحكم والمبنى الثقافي كذلك .

والعراق يخضع للتراكيب الطائفية المتفاهمة على المحاصصة والمتصارعة فيما بينها والتي ساهمت بتفسيخ العراق اجتماعيا وسياسيا وروحيا  وثقافيا  وحرب متواصلة على الروح الوطنية ووحدة العراق .

والعراق شبه مقسم بين الطوائف والإثنيات التي تتناهشه وتكرس التبعية للاجنبي.

وبشك ابرز هناك مشكلة الكرد وطرائق التعبير عنها من خلال تداخلات اعداء العراق الذين كرسوا ويكرسوا مشكلة الكرد ليس كمسلأبة قومية بل كخنجر في قلب العراق النازف .

هناك كذلك ثروات العراق المنهوبة من نفط ومستخرجات معدنية متعددة ، وكذلك بما يشمل كل ثروات المجتمع المادية التي كان يتمتع بها الشعب العراقي قبل الحرب الثلاثينية عام 1991 وقبل غزو العراق عام 2003م .

يضاف الى ذلك ايضا الدمار الذي لحق بالبنية الإجتماعية الإقتصادية نتيجة الغزو وما صاحبها من ترحيل وقتل وملاحقة للكادر المجتمعي عموما والعلمي خصوصا ، ورحيل كم كبير من الكفاءات الضرورية للمجتمع والتي يصعب تعويضها في وقت قصير .

بعد ذلك ما جرى من تدمير للقطاع العام ومؤسساته وما جرى ويجري من نهب وسلب للمال العام بسبب الفساد الموجه والناتج عن بنية الحكم المتفسخة والموالية للغرب الإستعماري أو متعددة الولاءات .

وما حصل لقطاع النفط من نهب وتبديد من قبل السلطات الأمريكية والبريطانية وبمعاونة الحكم الفاسد والخانع  وما يجري من سرقات وتهريب في السوق السوداء بعد ان كان تحت سيطرة الدولة المركزية .

لقد جلب الإحتلال الأمريكي للعراق دمارا هائلا وتفسيخا للمجتمع وتخريبا للاقتصاد ودمارا هائلا للقطاع العام وقطاع الخدمات الموجهة للجمهور  وما فيها من مؤسسات التأمينات متعددة الأشكال والأهداف .كما وتفسيخا للبنية والحياة الروحية والروح الوطنية التي تمتع بها العراق، مستذكرين أن العراقيين ومنذ اليوم الأول لاحتلال العراق بدأوا بالمقاومة المسلحة بكل أنواعها

لقد كانت حياة الشعب العراقي أكثر يسرا وانتظاما وأمنا بحيث لا يمكن مقارنة أو مقاربة الأوضاع بعد عدوان 1991 وما صاحبه من حصار وزاد الأمر سوءا على سوء بعد الإحتلال البريطاني الأمريكي للعراق عام 2003م.

هذا غيض من فيض.

واليوم هبت جماهير العراق في الشوارع بعد أن انهكتها الحالة التي يتحكم فيها محليا نظام المحاصصة الطائفية  والجهوية والإثنية ،والفساد والخنوع للأجنبي ، وبعد أن سلطت عليها داعش  والقوى الظلامية التي لا زالت تعمق الإنهاك والتردي.

إن أول مهمة يطرحها هذا الواقع على العراق هي مهمة التحرر الوطني من كل تدخل أجنبي .

ومهمة بناء اقتصاد وطني مستقل عن التبعية ويستعيد ملكية النفط والقطاع العام ويعيد بناء مؤسسات خدمة الجمهور في مجالات الصحة  المجانية والتعليم المجاني بكل مستوياته وخدمات الإسكان  وغيرها . ويعيد المؤسسات الإستهلاكية التي كانت تؤمن الكثير من الإحتياجات للطبقات الشعبية باسعار مدعومة.

مهمة توجيه الإنتاج الزراعي ودعمه وتأمين توزيعه وتصنيعه  وتوزيع مزيد من الأراضي على الفلاحين وتأمين مستلزمات استثمارها وفق خطط موجهة .

مهمة تنمية وحماية الثروة الحيوانية وتطوير رعايتها ودعمها وحمايتها .

إعادة بناء الصناعة واستثمار المواد الخام من كبريت ومعادن ، وتصنيع النفط .

إعادة بناء محطات توليد الكهرباء والطاقة ومحطات ضخ المياه ومعالجتها .

إعادة بناء البنية التحتية بمختلف تنوعاتها بما يؤمن سير الحياة العادية ويؤمن لوازم الصناعة والزراعة .  

إعادة بناء الحياة الروحية والثقافية وتنمية العداء للمحتل وأدوات حكمه التي هي وسيلته في استمرار تسلطه ووجوده واستمرار الدمار الداخلي المتواصل .

والتخلص من الطائفية السياسية البغيضة  ومختلف اشكال التقسيمات وتوحيد المجتمع العراقي على قاعدة المواطنة والعلمانية وتحييد الدين نهائيا .

ما العمل؟

وإن أول مهمة يتوجب انجازها هي بناء أداة الثورة المسلحة بالفكر الثوري والثقافة الثورية والتي تضع نصب عينها انجاز المهام الثورية برؤيا وآفاق الإشتراكية العلمية ورؤيا إعادة بناء ما تهدم في العراق .ليعود العراق حرا أبيا قادرا على حماية مواطنيه واستعادة المهاجرين والمهجرين واستعادة ثروات العراق المنهوبة وتجنيدها في عمليات إعادة البناء.

وهنا لا بد أولا من تحديد معسكر أعداء العراق الذين يتوجب أن توجه السهام لهم . أعداء الخارج والأعداء الطبقيين والفاسدين في الداخل بوصفهم أدوات الظلم الخارجي والداخلي والذين يجب كنسهم. وذلك دون مواربة من جهة ودون خلط من جهة أخرى.

وتحديد القوى التي من الممكن أن تدعم قوى التغيير مهما كانت درجة التحالف ( فاليوم لا يوجد اتحاد سوفييتي).

وتحديد القوى  الداخلية التي من الممكن التحالف معها من أجل انجاز مهمة التحرر من الأجنبي ومهمة تحرير الإقتصاد وإعادة بناءه بما يخدم الشعب العراقي، أي انجاز ما يسمى بالجهة الوطنية أو الشعبية إن جاز القول .

إن الأمر جد كبير ومتشابك ومعقد  وفي نفس الوقت ضروري جدا كمهام تاريخية يطرحها الواقع الحي المعاش .

إن المهمة المطروحة لا تقف عند حدود إقالة رئيس الوزراء وحكومته مع بقاء الحال على حاله كما حصل في تونس ومصر . مع ان تصعيب الأمر على الحكم وزعزعته من الخطوات الهامة وربما مقدمة لكنسه فيما إذا استمر الضغط من أسفل بشعارات التغيير .

وإلى مقال آخر.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.