الكراكي رواية شعرية: عن ناس ومكان .. كلها حب، رشاد أبوشاور

رواية حسن حميد الجديدة ( الكراكي) تأخذك على أجنحة الشعر، مع أشخاص أثيريين محبين ملتاعين، يعيشون ويتنقلون في أمكنة أليفة مقدسة تفيض حبا، وحبها هذا يتسرب في نفوس ناسها، ومنهم تمتح مزيدا من الحب والغنى، فهم والأمكنة نسيج واحد، وطيبة واحدة، وأغنيات، وتسامح، وألق إنساني نبيل، مجنح، محلّق، عال، خفّاق مثل طيور هذه البلاد المخلوقة في بيئتها، والآتية إليها لتتبارك بطهرها وأمانها ودفئها وخصوصيتها.

روح الرواية مكتوبة من إنسانية ابن مريم الفلسطيني الذي صلب، ولذا فثمة ما يهددها، فهناك شقر يقيمون الحواجز، ويفصلون بين الناس، أهل هذه الديار، من عمروها على امتداد قرون، ففاضت بالمحبة رغم كل ما مر عليها.

رواية غير تقليدية، كتبها حسن حميد شعرا، كقصيدة نثر، ولكن غنائيتها تجعلها أغنية حب للناس، والطبيعة، والطيور، والسماء، والتلال وينابيع المياه…

الأب الكنسي اسمه طنوس، وهو والد ماريا التي يعشقها عبودة، ولكن ماريا اكبر منه، وهي تحبه وتتلوع بهذا الحب، والأم تنتظر زوجها (عزيز) الذي مضى إلى البحر والميناء ليعمل هناك..والذي قيل إنه عشق امرأة أجنبيه وهاجر معها، ولكن أم عبودة تنتظره، ولا تشك بأنه سيعود، ثم تمضي إليه دون أن تخبر ابنها(عبودة)..وكذا ترحل ماريا المعشوقة حتى العبادة. إلى أين؟ واحدة سعيا لاستعادة الزوج الحبيب المنتظر، والأخرى هربا من الحب غير المتكافئ بين فتى وامرأة ناضجة!

في الرواية مقاطع شعرية تشكل كلها معا قصيدة رعوية تمجّد الحب، وتعلي من شأن عناصر الطبيعة، فطبريا تتكشف عن : طب..ريا، وعليك أن تلهث وراء حب ريا..وتتأمل مياه طبريا البحيرة المقدسة في الأرض المقدسة. 

في الطبيعة غجر محبون، ومحبوبون. قل: محبوبات فاتنات فاتكات يرمين عشاقهن صرعى ثم  يمضين، فهن لا يرتبطن بالأمكنة كذويهن الرحالة الذين لا بلاد ثابتة في حياتهم، فحيث يقيمون يكون وطنهم…

الزهروري واحد من شخوص الرواية، مشاعره جياشة، وحبه للغجرية فضة ساحر، وهو مأخوذ..وكما في كل قصص هذه الرواية :الحب ملوّع، مُعذب، لا يمضي إلى خاتمة الزواج..إنه حب للحب، حب يترك جراحا لا تندمل، ويبقى حكايات لمن سيأتون، وهو حب يكشف عن جوهر المحبين، وإخلاصهم لهذا الحب الجارح للروح.

فضة الفتاة العاشقة الغائبة المطاردة تلاحق، و..كما نتوقع تذبح، وتبقى حكايتها حسرة، ويبقى وجيه القرية الشعباني لائبا بين مباركة حب محكوم بالعقاب الفادح..ورحمة لا يمكن التوصل إليها، وابن العم المخذول يكلف بذبح ابنة العم التي تركته وهربت من حبيب هرب وخلفها للانتقام…

رواية غير تقليدية، مكتوبة ببناء شاعري يحلّق عاليا بأمكنته، وطيوره، وعشاقه،  شاعرية تعود بنا إلى واقع نراه يُذبح تحت أبصارنا..هناك في فلسطين وطن القداسة، والحب، التي غزاها شقر يذبحون، ويسرقون، ويفسدون…

رواية يكتبها ابن تلك الأرض، العارف بجغرافيتها، بروحها، بنبوتها، بمسيحها، بآذانها ومدنها المقدسة المتجاورة، المتداخلة بتاريخها، والضاربة الجذور في عمق لا يمكن اقتلاعه.

أسال نفسي: هذا البناء اللغوي المهيب، الشاعري، كيف يراكمه حسن حميد في روحه، ويبدعه نصا روائيا شامخا..يقرأ كقصيدة، لا كرواية تبني بحبكة تقليدية وبشخوص واقعيين مخترعين يؤدون أدوارا في الرواية ليقنعوا…

هذه رواية شخوصها بشر من نور وتراب وندى وعبق..وكلهم آتون من( سّر) هذه الأرض المعذبة و..الفيّاضة بوعود الحب، رغم كل ما اجتاحها..وكل ما يجتاحها يزول حتما، فبمثل هؤلاء البشر تبقى هذه البلاد: فلسطين.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.