العراق وماذا ثالثا، محمود فنون

في العراق وقبل وبعد الإنفجارات الشعبية تتسطح التناقضات ويتكشف عمقها حتى بانت جذورها .

إن هذا يساهم في استيضاح الرؤيا لأوسع قطاعات من الشعب وبتلاوينه المختلفة .

وكلمة شعب هنا تعني تحديدا الجماهير وقواها المتضررة من هذا الواقع المر والتي من مصلحتها تغييره ، طبقات شعبية عمال وفلاحين صغار وموظفين وباعة وكسبة طلاب شباب يعتز بكرامته وشرائح من البرجوازية الصغيرة وربما شرائح من البرجوازية المتوسطة  وعيا ومصلحة أو انحيازا  وكل من يعي حقيقة  ومخاطر الوجود الأجنبي.

ولكن ما هو حال الشعب العراقي :

إن كل المتضررين بحق وبغير حق من حكم البعث ممن جرى تهميشهم أو قمعهم طبقيا لأسباب تتعلق بمحاولات النظام الدفاع عن تجربته ومحاولات النظام الدفاع عن وحدة اراضي العراق جغرافيا ونظام حكم ببعده الإقتصادي الإجتماعي  ومحاولاته تكريس نهجه التقدمي – تأميم النفط والإصلاح الزراعي وتنمية الموارد والسعي للتكامل الإقاصادي، مما يوجب قهر وتصفية العدو الطبقي وذيول الأجنبي.

كل هؤلاء بوعي وبغير وعي في تناقض مع نظام حكم البعث  وجرى مع الإيام ركوبهم وتحميلهم على ظهور الدبابات ليكونوا من ضمن اللوحة السياسية في العراق كما أراد الإحتلال تشكيلها  .

لست هنا بصدد تصوير اللوحة السياسية الإقتصادية وعلاقات القوى في فترة حكم البعث التي لم تكن مستقرة والتي جرى خلالها تحقيق انجازات تقدمية في مستويات المبنى الإقتصادي الإجتماعي وفي مستوى الفكر والوعي والثقافة المفترقة عما قبلها وتقدمية بهذا المعنى وتعزز خلالها البعد العروبي والتحرري .

وكان في سياق هذه التجربة وارتباطا بما قبلها حالة من الصراع ولنقل أيضا المناكفة بين البعث والحزب الشيوعي العراقي  وكل منهما يتحمل مسئوليته في هذه العلاقة على قدره فيما لو قام مخلصون للمنهج العلمي في البحث وارتباطا بالحالة العينية التي عاشها العراق في خمسينيات وستينيات القرن الماضي ، فيما لو تقدموا باعادة دراسة هذه التجربة دراسة نقدية ومتبصرة .

ما يهمنا أن البعث وقد تفرد بالحكم قد قهر القوى الأخرى بما فيها قوى تقدمية كان من الممكن أن يتحالف معها لولا تاريخ من العداء والمناكفات ( أعني بالمناكفات أن القوى التي كان يتوجب أن تتحالف أمام مهمات التغيير وهي خارج السلطة كانت تتصارع في الشوارع والساحات كل دفاعا عن” قبيلته” ) وهذا عكس نفسه على العلاقات بعد الوصول للسلطة حيث استخدمت أداة السلطة هذه المرة لحسم الصراعات الحزبية والمناكفات ولم تتسع السلطة لتحالفات بناءة كان يتوجب أن تشد أزر العراق أمام مهمات تاريخية جسام .

ويهمني ان أثمن جرأة البعث في استلام السلطة وقيادة العراق في أجواء عاصفة عربيا ودوليا . وكان العراق ذاته في حالة اختمار للتغير على كل الصعد. حيث قامت قطاعات من الجيش مسيسة وطنيا حملت مهمة توصيل البعث لقيادة المجتمع . هذا ما حصل .وانتقل العراق نسبيا إلى الإصطفافات العروبية و التحررية في العالم القائمة في ذلك الوقت.

وكان الواقع مختلفا حيث كان ثقل الإتحاد السوفييتي يحمي الحراك التحرري في كل دول وشعوب العالم .

حينما سقط حكم البعث تراكض جميع المتشفين والعملاء والقوى الطبقية المقموعة  والقوى الدينية الرجعية مع الأفواج التي حملتها الدبابات الأمريكية وكأن بوابات العراق فتحت  ، ليتكرس في العراق واقع جديد .

المهم هنا أن كل أشكال التعبئة السياسية والثقافية والفكرية  والدعائية قد انفتحت معادية لصدام وفترة حكم البعث . كان هذا جزءا من القوّة المفرطة التي استخدمت ضد نظام الحكم من جهة ولكنها كانت تمهيدا للوضع الجديد وحاملا له وبهمروجة وايقاعات متناغمة كلها تحت يافطة العداء لصدام وحكم البعث مما ساهم في تفكيك الإنجازات الثقافية والرؤية التحررية التي كانت انجزت خلال حكم البعث، الفترة القصيرة المدا والغنية جدا بالأحداث الجسام .

لقد تغلبت هذه الدعاية على كل شيء حتى على تدمير وسرقة المنجزات التي كانت قد تحققت وعلى فترة الإستقرار النسبي التي عاشها المجتمع العراقي قبل فترة 1991 – 2003م

فانهيار السلطة حمل قليلا من الأسف على فقدانها في ظل هذه الفترة و إزاء الدعاية الهائلة وغطرسة القوة رغم أن مقاومة مسلحة وفعالة انطلقت منذ البداية وعادت وأذرتها الرياح هي أيضا .

ربما كان الموقف من المقاومة العنيفة ضد الإحتلال الأمريكي والبريطاني

مقتصرا على مجموعات محددة بينما تشبع الباقون بالدعاية الجارفة التي انطلقت من فوهات المدافع الأمريكية التي دمرت العراق ، وحملتها القوى الجديدة الموصوفة أعلاه وهي قوى ضعيفة وليس لها امتدادات شعبية ولكن فوهات المدافع كرست وجودها، وتدخلت التوجهات الطائفية والإثنية  والتضليل والفساد ليكرس وجود هذه القوى وتحكّمها في مقادير العراق ومصيره.  وتدخل الإنهيار المجتمعي والخوف والهجرة الواسعة وفقدان الحماية امام الهجوم الإستعماري لتكون كلها أرضية مساهمة في تصفية الحساب مع فترة حكم البعث.

 الهزيمة بكل معانيها هي التي حلت بالعراق . حلت بالعراق ، بكل العراق ولكن الحال الجديد مكن من اظهارها على انها هزيمة لحكم البعث ومن أجل اسقاط صدام الديكتاتور البغيض وإقامة حكم ديموقراطي  .

لقد حصل العراق على “مكسب ” ديموقراطية صناديق الإقتراع بدلا من صناديق التأمينات المجتمعية وكل ثروة العراق التي تم ويتم نهبها.

كانت هذه هي الدعاية الجارفة والتي سادت تماما ولا تزال . وكما قلت هذا جزء كبير من قوة العدوان ومن اسباب أو دواعي استقرار الحكم الجديد وفعله التدميري لكل الإنجازات التي تحققت للمجتمع.

ولكن الزمن لا يتوقف والأحداث تتتالى وتعود رؤيا جديدة لتشق طرقها في وعي الجماهير . فتصفية الحساب مع فترة حكم البعث قد تمت وديموقراطية صناديق الإقتراع قد جربت وقوى وأحزاب جديدة ظهرت وبان كل ما لديها ، وتمظهرت تماما الأبعاد الجهوية والإثنية والقومية ، والحال الإقتصادي قد بان تماما . وفي كل هذا لا يوجد مكاسب للشعب بمعناه المشروح أعلاه .ظل كل ما نتج عن غزو العراق قائما .ظل التهجير قائما وتفسيخ المجتمع ووحدة الوطن والشعب قائما والسلب والنهب قائما وإفقار الجماهير قائما والخوف وتفسخ الحالة الأمنية قائما ، بل واضيف لها الصراع بين مكونات الشعب طائفي وديني وتفجيرات الجوامع والأسواق والقتل والسلب والنهب بل والسبي والترحيل .

أي كل ما يدعو الحالة الشعبية للمراجعة . فالحالة الشعبية هي التي حملت وتحمل كل الأعباء المترتبة عن هذه الحالة بمجملها من أول يوم دخول الغزاة لأرض العراق وحتى اليوم ، ومن أول يوم تسلط القوى المحلية والمستوردة الجديدة وحتى يومنا هذا .

لقد فهم الناس كل الأبعاد التي أدت لغزو العراق وتحويله من بلد حر إلى مستعمرة  وبلد متفسخ ،ولكن من خلال لسع السياط على جلودهم وبفعل فئات وشرائح ومثقفين حاولوا دفع الناس لاستعادة الوعي المستلب والثروات المستلبة وإدراك حقيقة القهر والظلم والفقر وغياب المقدرات ونقص القدرات الشرائية ومشاكل الماء والكهرباء اليومية والغلاء .

كما أن العراقيين استعادوا ويستعيدون تعاظم الإحساس بكرامتهم أما حكم العدوان وأتباعه .

لذلك خرجوا للشوارع.

وإلى المقال التالي عن الحراك وعن الثورة المطلوبة.  

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.