قمة لندن لحلف شمال الأطلسي (ناتو): سبعة عُقود من العدوان، الطاهر المعز

تأسس حلف شمال الأطلسي، بزعامة الولايات المتحدة، سنة 1949، قبل سبعين سنة، ويضم حاليا 29 دولة، جميعها أوروبية، باستثناء الولايات المتحدة وكندا، وحاولت بعض دول المجموعة الأوروبية، بعد انتهاء الحرب الباردة تشكيل تحالف عسكري أوروبي، لكن فشلت الفكرة والمُحاولة، وتعزز نفوذ الحِلْف، بسبب تبعية أوروبا العقائدية والسياسية للولايات المتحدة، وبسبب اقتصار مؤسسات الإتحاد الأوروبي على توحيد معايير الإقتصاد والسّوق، وعدم تأسيس كيان سياسي موحّد، ولأن الإتحاد الأوروبي كُتْلَة أو تَجَمُّع رأسمالي، تهيمن عليه ألمانيا ثم فرنسا، ويُقِرّ بالولاء للإمبريالية الأمريكية كزعيمة للرأسمالية الإحتكارية العالمية، ولا يُعارض زعماء الإتحاد الأوروبي هيمنة القُطْب الواحد (بزعامة أمريكا وحلف شمال الأطلسي)، بل يَنْضَوُون تحت لوائه، ضد الصين وروسيا وإيران وفنزويلا والشعوب العربية والإفريقية، رغم بعض الخلافات ورغم الخسائر الإقتصادية للشركات الأوروبية، لأن هؤلاء الزعماء الأوروبيين يعتبرون هذه الخسائر “أضرارًا جانبيةً”.

انطلق في لندن، يومي الرابع والخامس من شهر كانون الأول/ديسمبر 2019، مؤتمر قمة مجلس حلف شمال الأطلسي (ناتو)، بمشاركة رؤساء الدول والحكومات الأعضاء، بعد لقاء وزراء خارجية الدول الأعضاء في “بروكسل”، حيث يوجد مقر الحلف، بمناسبة مرور سبعين سنة على تأسيسه (1949)، بنهاية الحرب العالمية الثانية (1945)، التي كَرّست الإتحاد السوفييتي كقوة عسكرية وسياسية، هزمت النازية والفاشية، اعتمادًا على قواها الذاتية، وبدون أي مساعدة خارجية، وأنتجت الحرُ تَوَسّع نطاق الدول التي تُعْلِن تبني النظام الإشتراكي، إلى أوروبا الشرقية والوسطى، وبمناسبة الذكرى السبعين لتأسيس الحلف، ادّعى أمينه العام، “ينس شتولتنبرغ” أن حلف شمال الأطلسي يُشكل “التحالف الأكثر نجاحًا ونجاعة في التاريخ البَشَرِي”، وكان قادة دول هذا الحلف العسكري العدواني يَدّعُون أنه حلف عسكري دِفاعي، وكان في واقع الأمر حلفًا عدوانيا وهجوميا، ولم يخُضْ أي حرب دفاعية طيلة وجوده، وظَلّتْ حُرُوبه العدوانية مدعومةً بآلة إعلام ودعاية إيديولوجية هائلة، معادية للشيوعية، كفكرة وكعقيدة، أوّلاً، وكنظام اقتصادي وسياسي ثانيا، وكنظام حُكم مُغاير (أو نقيض) للرأسمالية، ثالثًا، ولكن، وبعد انهيار الإتحاد السوفييتي (مُمثل أو رمز الشيوعية، بحسب الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي)، وبعد حل الحلف الدّفاعي لأوروبا الشرقية، أي حلف “وارسو”، لم تضع أمريكا وحلفاؤها حَدًّا لوجود حلف شمال الأطلسي (ناتو)، بل بالعكس، تَعَزّزَ نفوذ الحلف، وتوسعَ، خلافًا لاتفاق سابق بين حكومتَيْ أمريكا والإتحاد السوفييتي، وضمَّ معظم دول أوروبا الشرقية، بداية من 1999، فارتفعَ عدد أعضائه من 16 إلى 29 دولة (إضافة إلى “مقدونيا، التي أصبحت العضو رقم ثلاثين)، وأصبحت الأسلحة الإستراتيجية والنّووية الأطلسية (الأمريكية أساسًا) مُوجّهة نحو روسيا، انطلاقًا من الدول المُجاورة لها، وأهمها “بولندا”، التي كانت عاصمتها تحتضن مقر حلف “وارسو”، وتوسّعت رُقعة عدوان قوات حلف شمال الأطلسي ضدّ الشعوب والبلدان والدّول، من أفغانستان إلى غرب إفريقيا، مرورًا بغرب آسيا، والمشرق العربي، وشرق إفريقيا، وكان العدوان على سوريا من المواضيع التي أُدْرِجت، على هامش مؤتمر قمة لندن، في لقاءات الرئيس التركي (أردوغان) مع قادة أوروبا، في محادثات ثُنائية، وجماعية، كما تَوسّع مجال عمل “الأطلسي” إلى عَسْكَرَةِ الفضاء (بعد عَسْكرَة الشبكة الإلكترونية، وجميع شبكات الإتصالات) حيث وقّعت منظمة الحِلْف عقدًا بقيمة مليار دولار، مع الشركة الأمريكية “بوينغ”، بهدف تطوير طائرات تجسُّس من طراز “أواكس”، لتصبح مركز تجسّس (عبر الرادار) ومراكز قيادة جوية، وهو برنامج انتهت من إعدادِهِ وزارة الحرب الأمريكية (بنتاغون)، منذ شهر آب/أغسطس 2019، ووقع التّكتّم عن التداعيات السياسية والعسكرية لمِثل هذه الخطط العدوانية، واسعة النطاق، لكن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” أعلن إن هذه البرنامج يتمثل في “فَرْض الهيمنة الأمريكية المُطْلَقَة على الفضاء، للدفاع عن مصالحنا الحيوية، في كافة أنحاء العالم”، وتمكّنت الولايات المتحدة من فَرْضِ زيادة مساهمة الدّول الأعضاء (خاصة الدول الأوروبية) في ميزانية الحلف، لتدعيم قطاع الصناعات العسكرية الأمريكية، ولتمويل البرامج والخطط العسكرية الأمريكية، إذ بلغت الميزانية العسكرية الأمريكية، المُعلنة من وزارة الحرب الأمريكية 730 مليار دولارا، سنة 2019، وسوف تؤدّي زيادة ميزانيات الحرب، إلى خَفْضِ الإنفاق على الصحة والتعليم والإسكان وخلق والظائف، في ظل تباطؤ أو انكماش النمو الإقتصادي، وللتذكير فإن ميزانية الحرب السنوية الأمريكية تفوق عشرة أضْعاف الميزانية العسكرية الرّوسية، فيما يتجاوز الإنفاق العسكري السنوي لحلف “ناتو”، تريليون دولارا، وفقًا للبيانات الرسمية، التي تُشير أن هذه الميزانية لا تتضمّن مختلف الخطط العسكرية، كما لا تتضمن ميزانية السلاح النّووي، التي تبقى سرّيّة…

ظروف انعقاد مؤتمر كانون الأول/ديسمبر 2019:

بمناسبة مرور سبعة عقود على تأسيس الحلف، فَرَضَت الولايات المتحدة، محتوى جدول أعمال المؤتمر، ومحتوى البيان النهائي، والقرارات التي تتناسب مع المصالح الإستراتيجية للدولة وللشركات الأمريكية، ولتذهب مصلحة باقي الدول الأعضاء إلى الجحيم، وظهرت الخلافات بين الأعضاء بشأن تقويم حقيقة التهديد الذي قد تُشكّلُهُ روسيا والصين على أوروبا وعلى العالم، ولكن الخلاف بقي بين حلفاء امبرياليين ورجعيين، ولا يمكن انتظار حدوث شُرُوخ تستفيد منها الشعوب المُضْطَهَدة والشعوب المُسْتَعْمَرَة، وعُمال وكادحو وأُجَراء العام…    

 شكّلت “مكافحةُ الشيوعيةِ والإتحاد السوفييتي”، المُبرّرَ الرّسميَّ والعَلَنِي لتأسيس منظمة حلف شمال الأطلسي “ناتو” سنة 1949، ويُفْتَرَضُ أن يَنْتَفِيَ هذا المُبَرِّر، بانهيار الإتحاد السوفييتي، رسميًّا وعلنيًّا، سنة 1991، ولكن الولايات المتحدة، القائد الفِعْلِي والأوحد، لهذه المُنظّمة، وسّعت الحلف من 16 إلى 29 دولة، وطالبت من الدّول الأعضاء زيادة ميزانية الحرب لتُشكّل نسبتها 3% من الناتج المحلي الإجمالي لكل دولة، لتمويل برامج عسكرية أمريكية، بعتاد وأسلحة وآليات أمريكية تصنعها شركات أمريكية، وارتفعت حدّة الخلافات بين الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي، من أجل الهيمنة على الأسواق الخارجية، وأُجْبِرت المصارف والشركات الأوروبية على تسديد غرامات بقيمة عشرات المليارات من الدّولارات، فَرَضَتْها أجهزة القضاء الأمريكي، الذي يتصرف قُضاتُهُ وكأنهم أعضاء محاكم دولية، يمتدّ نفوذها خارج الولايات المتحدة، بسبب الهيمنة العسكرية، وهيمنة الدّولار، وأجهزة الإعلام، وتستخدم الولايات المتحدة هذه القوة النقدية والعسكرية والإعلامية لسَحْقِ الخُصُوم، وللهيمنة على الحُلفاء (باستثناء الكيان الصهيوني)، وظهرت خلافات عديدة بين قيادات الدولة في الولايات المتحدة وفي الإتحاد الأوروبي، بشأن السياسات الخارجية، والعلاقات التجارية في مجال الطاقة مع روسيا، كما بشأن الخطط العسكرية والسياسية للحُروب العدوانية المتعددة في أنحاء العالم، وغير ذلك من القضايا، وما هذه الخلافات سوى نتيجة مَنْطِقِيّة لوثيقة الإستراتيجية الأمريكية، الصادرة سنة 2017، والتي تعتبر أن المهمة الرئيسية للسياسة الخارجية الأمريكية تتمثل في فَرْضِ الهيمنة الأمريكية على العالم، وإزاحة العراقيل، التي تُمثلها القوى الأخرى (الإتحاد الأوروبي أو روسيا أو الصين)، والتي قد تُؤَخِّرُ أو تُعطِّل إنجاز هذه المُهِمّة، واستخدام أمريكا الأسلحة النّوَوِيّة ضد القوى التي قد تُعرقل إنجاز هذه المهمة، إذا اقتضى الحال…

أثارت اللهجة العدائية الأمريكية، ضد دول الإتحاد الأوروبي، رُدُود فعل “مُعتدلة”، ورجعية وعُدوانية في جوهرها، ضد شُعُوب أوروبا والشعوب الواقعة تحت الهيمنة الإمبريالية، لكنها، مع ذلك تُغضب القادة الأمريكيين، وعاد الحديث، في حُكُومتَيْ ألمانيا وفرنسا، عن ضرورة إعادة تسليح أوروبا (وكأنها تحتاج إلى مزيد من السلاح في هذه الفترة، فترة التقشف المفروض على الشعوب)، وتوسيع هامش استقلالها عن الولايات المتحدة، ودعم الشركات الأوروبية لصناعة السلاح، بدل دعم الشركات الأمريكية التي تفرضها حكومة الولايات المتحدة… أما اليونان وإيطاليا، فانخرطت حكوماتهما في مشروع “طريق الحرير الجديد” (أو الحزام والطريق)، وتعمل حكومة الصين على إدماج المزيد من الدول الأوروبية في هذا البرنامج التجاري الإستراتيجي…

هذه بإيجاز، ظروف انعقاد مؤتمر قمة منظمة حلف شمال الأطلسي “ناتو” يوم الرابع من كانون الأول/ديسمبر 2019.           

حلف شمال الأطلسي، منظمة عسكرية عدوانية أمريكية، بغطاء دولي:

ضغطت الولايات المتحدة على حلفائها الأوروبيين، المُنهكين من الدمار والخراب الذي خلّفته الحرب (ونتيجة القصف الأمريكي “الحَلِيف” في العديد من المُدُن)، منذ تأسيس الحلف، لكي ترفع هذه الدّول حصة التسليح في ميزانياتها، بغرض الدّفاع عن مصالح أمريكا خارج حدودها، وفق ما أشار له وزير الحرب الأمريكي “جون فوستر دلس”، منذ سنة 1953، وبعد رُبع قرن، أعلن الرئيس جيمي كارتر “وجب زيادة مساهمة الحكومات الأوروبية في ميزانية الناتو”، ثم كرر الرئيس كلينتون دعوة أوروبا لزيادة المُساهمة في نشاط الحلف، أثناء الحرب العدوانية التي أدّت إلى تخريب وتفتيت يوغسلافيا، وهاهو دونالد ترامب يُكرر نفس الأمر، ويُهدّد الحكومات الأوروبية، بعبارات بذيئة، ولا تهدف الولايات المتحدة الدّفاع عن أوروبا ضد أي هجوم خارجي (كما ورد في ميثاق الحلف عند تأسيسه) وإنما توريط أوروبا (وغيرها، مثل أستراليا والأنظمة العربية) في حُروب أمريكية عدوانية، لا تنتهي، وتنظيم الإنقلابات ضد مؤسسات وهيئات منتخَبَة، دفاعًا عن مصالح أمريكا “الجيوستراتيجية” والإقتصادية، ومصالح شركاتها العابرة للقارات، في أوروبا وفي هايتي وفي أفغانستان والعراق وليبيا وسوريا…

سبق أن أثار الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” جدلاً، اجتماع قمة “ناتو” في بروكسل (مقر الحلف) خلال الفترة من 11 إلى 12 تموز/يوليو 2018، بسبب استفزازاته التي تعددت تجاه الإتحاد الأوروبي، وخصوصًا ألمانيا، بشأن علاقات الإتحاد الأوروبي التجارية، وخصوصًا بشأن شراء الغاز الطبيعي من روسيا، ولا تزال الولايات المتحدة تمارس الضغوط بهدف زيادة حصتها من السوق الأوروبية للطاقة، بعد عودة أمريكا لتصدير الطاقة، وبعد ارتفاع إنتاج أمريكا من النفط والغاز الصّخْرِيّيْن، وأثار الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، في قمة حلف شمال الاطلسي، سنة 2018 “احتمال انسحابنا من الحلف في حالة عدم زيادة الدول الأعضاء الأخرى معدلات إنفاقها العسكري”، في عملية ابتزاز للدول الأوروبية التي تعيش أزمات اقتصادية متتالية، منذ 2008، ويهدف الرئيس الأمريكي رَدْعَ أوروبا عن التفكير في توسيع هامش استقلاليتها عن أمريكا، وفرضت حكومات الولايات المتحدة على الحكومات الأوروبية، منذ عقود، تمويل برامج عسكرية أمريكية مرتفعة الكلفة، وغير مُجْدِية، مثل منظومة الدفاع الجوي “باتريوت” وطائرات “إف 35″، وقبلها طائرة التجسس “أواكس”، ونجح الإبتزاز الأمريكي، بسبب غياب مشروع أوروبي مُستقل، وربما بسبب صعوبة وجود قُطْبَيْن مُستقلَّيْن يتفقان في الجوهر ويختلفان في الوسائل وفي التفاصيل، ورضخت كافة الدّول الأوروبية للضغوط الأمريكية، وزادت من ميزانياتها العسكرية، بالتوازي مع خفض الإنفاق الحكومي، وخفض ميزانيات الخدمات الإجتماعية، وميزانيات التعليم والصحة، وغيرها، رغم تذمّر بعض رموز الأنظمة الأوروبية، من ذلك إعلان الرئيس الفرنسي (ممثل الرأسمالية الليبرالية ورأس المال المالي في فرنسا وأوروبا) الموت الدماغي لحلف “ناتو”، وهو تصريح يُعبّر عن توتّر مناخ انعقاد قمة لندن، كما يُعبّر عن الخلافات حول استراتيجية الحلف، و”هوية الأعداء” (أعداء الناتو)، لأن عبارة “الحرب ضد الإرهاب”، فضفاضة، ويمكن حشر مجموعات (خلقتها ودعمتها أمريكا) أو دول، أو أحزاب وحكومات لا تَرََى عنها الولايات المتحدة، ورغم التوتر والتذمر، رضخت الحكومات الأوروبية للإبتزاز، وأعلن دونالد ترامب بافتخار، زيادة مساهمة الدّول الأعضاء، وجَمْعِ 130 مليار دولار إضافية، على مدى أربع سنوات، من كندا وأوروبا، كما رضخت أوروبا للإبتزاز الأمريكي وطبّقت الحَظْر والعُقُوبات على روسيا (وهي دولة أوروبية)، ضد مصالح الشركات الأوروبية، في العديد من المجالات، وأهمها قطاع الطاقة والمحروقات، وأيد الإتحاد الأوروبي نصب الصواريخ والأسلحة الإستراتيجية الفتاكة، ومن بينها الأسلحة النووية، أو الصواريخ القادرة على حَمْل رُؤُوس نووية، في أوروبا، وعلى حدود روسيا، كما اصطفت دول الإتحاد الأوروبي وراء الولايات المتحدة بشأن الصين، التي لا تُهدد أوروبا، بل تريد زيادة حصتها من الأسواق والتجارة في أوروبا والعالم، وبذلك يكون حلف شمال الأطلسي، حلف عسكري وسياسي، يكاد يقتصر وجوده على خِدْمَةِ المصالح الأمريكية…

الناتو عدو للعرب، ولشعوب العالم:

على الصعيد العربي، ينعقد مؤتمر حلف شمال الأطلسي في ظروف سيئة، حيث لا تزال قوات حلف شمال الأطلسي (ومليشيات عملائها المدعومة من أنظمة مصر والخليج وتركيا) تُهيمن على ليبيا وعلى مواردها، وموقعها في البحر الأبيض المتوسّط وفي إفريقيا، كما لا تزال الولايات المتحدة (باسم “تحالف دولي”) وتركيا (عضو ناتو) تحتل أجزاء من سوريا والعراق، بالإضافة إلى فلسطين والأراضي العربية التي يحتلها الكيان الصهيوني…

أما الجديد في الأمر فيتمثل في التطبيع العَلَنِي للأنظمة العربية مع الكيان الصهيوني الذي استغل الوضع لزيادة مساحة الأراضي المُصادَرة والمباني المُهدّمة وزيادة القمع والإعتقالات والإغتيالات والحصار الإقتصادي، ويناقش الحليفان الصهيوني والأمريكي، شروط “معاهدة الدفاع المشترك”، التي يجري التباحث في شأنها في الكواليس…

لكن المشاريع الصهيونية لا تقل خطورة عن مشاريع تركيا، التي انتمت إلى حلف شمال الأطلسي يوم 28 شباط/فبراير 1952 بعد ثلاث سنوات على تأسيسه، وهي لا تقع على ضفاف الأطلسي، لا في شماله ولا في جنوبه، وتكمن خطورة انتمائها لهذا الحلف العدواني، في موقعها الجغرافي، على حدود سوريا والعراق وإيران، وفي تاريخ علاقات تركيا (وريثة الدولة العثمانية) مع دول آسيا الوُسطى وعلاقاتها العدوانية مع العُرُوبة، ومع الدول العربية التي احتلتها تركيا لفترة أربعة قُرون وأكثر، واتخذت حكومة تركيا موقفًا عدائيًّا تجاه الفكر القومي العربي، وتجاه النظام الناصري، خصوصًا عندما كان “عدنان مندريس” رئيسًا للحكومة (1950 – 1960)، حيث شاركت تركيا في العدوان على كوريا وتقسيمها، وانضمّت في عَهْدِهِ تركيا إلى “حلف بغداد” الإستعماري سنة 1953، وأصبحت تركيا حليفاً استراتيجياً لأميركا والغرب وللكيان الصهيوني الذي اعترفت به سنة 1949، وجاهرت الحكومة ووسائل الإعلام التركية بالعداء للتيارات القومية العربية، وعزّزت تركيا الأطلسية تواجدها العسكري على حدود سوريا (صيف 1957) وزرع الجيش التركي حوالي مليون لغم على هذه الحدود… كما لعبت القواعد العسكرية الأطلسية المتواجدة في تركيا (خاصة قاعدة إنجرليك) دَوْرًا هامًّا في العدوان على منطقة جغرافية تمتد من أفغانستان إلى ليبيا، مرورًا بسوريا والعراق ولبنان، ودورًا كبيرًا في إنجاز المهمات العدوانية للحلف في آسيا وأوروبا وحوض البحر الأبيض المتوسّط، وشكّلت تركيا حلقة رئيسية في صياغة وإنجاز الخطة الإمبريالية الأمريكية المعروفة باسم “الشرق الأوسط الكبير” (أو الجديد)، ورغم الخلافات بين تركيا والولايات المتحدة وأوروبا، يبقى دور تركيا (ثاني أكبر جيش في الحلف) أساسيا، في العُدْوان على الشعوب، وفي ترويج العقيدة الإستعمارية، خاصة في الوطن العربي، الذي كان تحت الهيمنة التّركية (باسم الدولة العُثْمانية) قبل احتلاله من قِبَل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا…

ارتفعت المخاطر باكتشاف الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط، على سواحل فلسطين ولبنان ومصر وقبرص واليونان، ويقدر احتياطي الغاز في شرق المتوسّط، على سواحل مصر وفلسطين ولبنان وسوريا وقبرص بحوالى خمسين تريليون متر مكعب، واستولى الكيان الصهيوني على الغاز المنهوب من فلسطين، لِيُصدِّرَهُ إلى مصر والأردن، ويحاول (بدعم من أمريكا وشركاتها) الإستيلاء على الغاز من سواحل لبنان وسوريا، فيما تُهدّد تركيا اليونان وقبرص، التي تحتل الجزء الشمالي منها منذ 1974، أو أكثر من 30% من مساحة الجزيرة، دون رادع، ودون اتخاذ أوروبا أي عقوبات ضد تركيا، التي تحتل جزءًا من قبرص المُنْتَمِيَة للإتحاد الأوروبي، وتنهب تركيا جزءًا من محروقات ليبيا وسوريا والعراق، ولها علاقات متطورة مع قَطَر، التي ترعى الإخوان المسلمين في العام، وتحتل قاعدة جوية أمريكية واحدة نصف مساحة أراضيها، كما تُحاصر تركيا جزيرة قبرص بالبوارج الحربية، وتُهدّد الشركات الأوروبية للتنقيب وإنتاج الغاز والنفط، ومن بينها شركة “أيني” الإيطالية و”توتال” الفرنسية و”بي بي” البريطانية…

خاتمة:

بادر حلف شمال الأطلسي، منذ انهيار الإتحاد السوفييتي إلى تفتيت يوغسلافيا واحتلال أفغانستان (وتمويل وتسليح وتدريب عناصر ومجموعات إرهابية) وشن الحرب في مُناسبَتَيْن على العراق خلال ثماني سنوات (1991 – 2003) قبل احتلالها، واحتلال ليبيا وتقسيمها إلى عدد من الدُّوَيْلات التابعة جميعها للقوى الأجنبية، وتخريب وتفتيت سوريا واحتلال جُزئها الذي يضم الثروات المعدنية (المحروقات) والأراضي الزراعية الخصبة، وإطلاق يد تركيا، ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي، لتضم أراضي سورية، بالإضافة إلى ما وهبته لها الإمبريالية سابقًا (مثل لواء اسكندرون)، والتعاقد مع السعودية والإمارات وقَطَر وغيرها من الأنظمة الرجعية العربية وغير العربية (كالحبشة وكينيا وأوغندا) لتخريب اليمن والصومال والسودان، وتجدر الإشارة أن الكيان الصهيوني يستفيد من كافة امتيازات أعضاء حلف شمال الأطلسي (وكذلك من امتيازات أعضاء الإتحاد الأوروبي) دون تحمل “السلبيات” ودون تسديد أي نفقات، ودون الخضوع لأي من الضوابط أو أي نوع من المُحاسَبَة…

ازدادت خُطورة حلف شمال الأطلسي، بعد انهيار الإتحاد السوفييتي، وبعدَ حَلِّ “حلف واسو” (حلف فرصوفيا) الذي تأسس ردًّا على تأسيس حلف شمال الأطلسي (ناتو)، ولم يكن سابقًا له، كما تُرَوّج الدّعاية السياسية الأمريكية والأطلسية، وأصبح هذا الحلف العدواني يُخطّط للإطاحة بالأنظمة التقدّمية، أو التي تتفق مع استراتيجيات الولايات المتحدة، عبر تشجيع وتمويل منظمات رجعية، وفِئَوِيّة وعشائرية، ودينية وطائفية، بهدف تقسيم الشعوب الواقعة تحت الهيمنة، وتعمل هذه المنظمات تحت ستار “حقوق الإنسان” أو حقوق فئة معينة من المجتمع، وتُدْرِجَها الجهات المُمَوِّلَة تحت فَصْل أو باب “المُنظّمات غير الحُكُومية” أو “المُجْتَمَع المَدَنِي”، وتحظى بدعم إعلامي وسياسي قَوِي في أوروبا وأمريكا الشمالية، العامود الفقري لحلف شمال الأطلسي…

نتج عن كل عدوان يشنه حلف شمال الأطلسي، خراب ودمار هائليْن للبنية التحتية وللإقتصاد، ولنسيج المُجتمعات، ونزوح وهجرة، وتهجير للخبرات والكفاءات التي ضحّت الدول والشعوب لتعليمها وتأهيلها، وهي خسائر لا يزال يُعاني منها الشعب العراقي والشعب السورين ناهيك عن الشعب الفلسطيني (وهو واقع تحت احتلال من نوع آخر)، وتًهيِّء طائرات وصواريخ الحلف الأطلسي (أو أعضائه، كالولايات المتحدة وكندا وأوروبا) المناخ الإقتصادي (أي الخراب) ليتدخّل صندوق النّقد الدّولي، عبر سلاح من نوع آخر، ويفرض شُرُوطه لاستعباد الشعوب والبلدان، وبسط نفوذ الشركات متعددة الجنسية على ثروات البلاد (نموذج العراق)، وعلى مواقعها الإستراتيجية (نموذج الصومال)، وأثبتت التجربة أن تدخل صندوق النقد الدّولي لم يُنقذ اقتصاد أي بلد في العالم، بل أدّى (بدون استثناء) إلى تدمير القطاع العام، وخصخصة الصحة والتعليم والنقل والموانئ والطرقات وقطاع الإسكان، وانتشار الرشوة والفساد ونهب المال العام، وارتفاع نسَب البطالة والفَقْر، بسبب خفض الإنفاق الحكومي وإلغاء دَعْم السّلع والخدمات الأساسية، والتّأمينات الإجتماعية…  

يُمثّل وجود الحلف الأطلسي، ناهيك عن توسُّعِهِ، خطرًا كبيرًا على شعوب العالم، فهو بمثابة عصابة من الدول التي تمتلك أسلحة الدّمار الشامل، وتُهدّد شعوب العام وبأشكال متعددة، منها الإعلامي والسياسي، ومنها العدوان العسكري، الذي يَلِيه تدخّل صندوق النقد الدّولي، والشركات العابرة للقارّات، ومعظمها ذات مَنْشأ أمريكي وأوروبي… 

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.