بعض عواقب اتفاقيات أوسلو، الطاهر المعز

يُشكل الإحتلال الإستيطاني الصهيوني لفلسطين، أرخص احتلال في التاريخ الإستعماري الحديث، أي منذ القرن التاسع عشر، عصر الإمبريالية، فقد استحوذ المُستعمرون (المُستوطنون) على الأرض والبيوت، والبُنية التحتية، مجانًا، بعد طَرْدِ أصحابها بالقوة، خارج وطَنِهِم، بدعم من الإمبرياليات الأوروبية، ثم الأمريكية، وحل مَحَلّهم، في أراضيهم ومساكنهم، مستوطنون قدموا من مائة بلد… بعد أوسلو، تمكن الإحتلال من التنصّل من واجبات المُحتل، ومن توفير الحدّ الأدْنى من وسائل العيش، وأصبحت سلطة الحكم الذاتي الإداري تتكفل بالمشاكل اليومية للسكان، وبالقمع الوقائي، لمنع أي إزعاج للمُحتَلِّين، وتتكفل أطراف خارجية بتمويل هذه الإدارة (“السّلطة”)، إضافةً إلى الضّرائب التي يُسدّدها أبناء الشعب الواقع تحت الإحتلال، فيما تتحكم سلطات الإحتلال بحركتهم (بما في ذلك حركة عناصر “السّلطة”)، عبر الحصار من البر والبحر والجو…

يُعتَبَرُ جميع من هاجروا إلى فلسطين، وكذلك أبناؤهم وسلالتهم، مُستعمِرِين، مُسْتَوْطِنِين، جاؤوا بغرض الإستيلاء على وطن وأرض ومُمتلكات غيرهم، عن وَعْيٍ ودراية، وتُعْتَبَرُ عملية البحْث عن مناهضين للإستعمار الإستيطاني، في مجتمع المُستوطنين، مضيعة للوقت، وبثًّا للأوهام في أوساط الشعب الواقع تحت الإحتلال، لأن مبدأ هذا النّوع من الإحتلال هو إنكار “الآخر” أي الشعب الأصلي، صاحب الأرض والوطن، والإدّعاء بأن فلسطين مِلْكٌ لأناس جاؤوا من روسيا أو من ألمانيا وأمريكا وغيرها…

رغم هذه الحقائق، ورغم اللُّحْمَة الإيديولوجية، ورغم اعتماد الإحتلال على القُوّة العسكرية، يُعتَبَرُ مجتمع المُسْتَوْطِنِين هشًّا، لأنه مجتمع تتّسع داخله الفجوة الطبقية، ويُعتبر 2,306 ملايين شخص أو نحو 26% من سكان الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 1948، يعيشون في حالة فقر، ومن بينهم أكثر من مليون طفل، أو ما يعادل 33,5% من إجمالي عدد الفقراء، بحسب تقرير منظمة “لاتيت” الصهيونية عن الفقر سنة 2019، وأن 35,3% من السكان غارقون في الديون، أي يجدون صعوبات في تسديد الدّيون، ويعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل تدهور الوضع المادي، وتعميق الفجوة الطبقية، وارتفاع أسعار المواد الأساسية، والرعاية الصحية، والأدوية والعلاج، وترتفع نسبة الفقر لدى الفلسطينيين (السكان الأصليين للبلاد)، بسبب سياسة التهميش وحظر العمل في أكثر من سبعين مهنة تعتبرها دولة الإحتلال “ذات علاقة بالأمن”، ومصادرة الأراضي وهدم البيوت، سواء في القدس أو في حيفا أو النّقب…

لكن لا يجب التّعويل على اتّساع الفجْوة الطّبقية، لانهيار كيان الإحتلال، فالفجوة الطبقية تكون عاملاً مُساعدًا للإنهيار، لو تكثّفت المُقاومة بشكل يجعل الإحتلال مُكلّفًا، للكيان نفسه وللإمبريالية التي تَدْعَمُهُ، وتحاول المنظمات والأحزاب والهيئات في الدّول الإمبريالية، وأتباعها من العرب ومن “ناشطي” المنظمات “غير الحكومية”، وَصْمَ المقاومة المُسلّحة ب”الإرهاب”، ودعوة الشعوب الواقعة تحت الإحتلال إلى استخدام بنود حقوق الإنسان والنضال السلمي، لمقاومة جيش وسلاح العدو الذي يعتقل ويغتال ويمنع تنقّل الأفراد في بلدهم، ويُداهم المنازل والأحياء، ويهدم البيوت ويُجرّف الأراضي، وغير ذلك من العمليات العدوانية، غير السّلْمِيّة بالمرة…

إن الشّعوب لا تختار شَكْلَ المُقاومة، بل يَفْرِضُ الوضع والسلطة والعدُوّ شكل المُقاومة، ولا حق لأحد، عربيًّا كان أو أعجميًّا، أن يُقرِّرَ شكل المُقاومة أو مكانَتها أو توقيتَها، مكان الفلسطينيين الفُقراء واللاجئين، ف”أهل مَكَّةَ أَدْرَى بِشِعابِها”، ولم يحدث في التاريخ أن أطاحت مُظاهرة أو إضراب بسُلْطَةٍ مَا، إذا لم تُوجَدْ قُوى ثَوْرِيّة تُحَوِّلُ الغضب وردّة الفِعْل إلى ثورة، وتُحوّل الإحتجاجات، والمطالب الآنية، إلى برنامج ثوري، طويل المدى… أما في فلسطين، فلا برنامج غير التّحرير الوطني (دُون إهمال الجانب الإجتماعي، أو ماهية المُجتمع البديل بعد التحرير)، ويتطلب إنجازُهُ استخدام كافة الوسائل المُتاحة حاليا، والوسائل الأُخرى التي يبتكرها الشعب الواقع تحت الإحتلال، ومن فضائل الكفاح المُسلّح، إدخال عامل الخوف في نفوس المُسْتَوْطِنِين الحاليين والمُستقبَلِيِّين، ودفع قسم منهم للعودة إلى بُلْدانهم، وخفض عدد وإيرادات السائحين، وخفض حجم وقيمة الإستثمارات الأجنبية، لأن رأس المال يبحث عن استثمار مُرْبِح، بأقل قَدْرٍ من المخاطر، بالإضافة إلى الشحنة المَعْنَوِيّة التي تَضُخُّها المُقاومة في أذهان المُضْطَهَدِين والمُسْتَعْمَرين، سواء في الجزء المُحتل سنة 1948 أو سنة 1967، واللاجئين، والشعوب العربية والشعوب الأخرى التي تُعاني من الإستعمار والإضطهاد…

أما التطبيع الذي بدأه النظام المصري، منذ 1977، والتنازلات التي بدأتها قيادات منظمة التحرير الفلسطينية، منذ أكثر من خمسة عُقُود، وخفض سقف الأهداف، من تحرير كل فلسطين، إلى دُوَيْلَة في جُزْءٍ من الضّفّة الغربية، فلم تخدم سوى الإحتلال، ولم تُؤَدِّ سوى لعودة الكيان الصهيوني إلى إفريقيا وإلى آسيا، واختراق مُعْظم الدول العربية، من المغرب إلى الخليج، بل أدّى ضُعْف المقاومة إلى اعتبار الخيانة وجهة نظر، وإلى استقبال شيوخ نفط الخليج للمجرمين الصهاينة، عَلَنًا، وإعلان حلف نفطي-خليجي-صهيوني، عسكري وسياسي، لِمُحاربة إيران المُحاصَرَة أمريكيًّا، بدل الحديث (مجرد الحديث) عن تحرير فلسطين…

أدّى التطبيع أيضًا إلى توسيع وتنويع علاقات العدُو الخارجية، السياسية والإقتصادية، وتذرعت حكومة الصين والعديد من حكومات إفريقيا، وأهمها أكبر بلدان إفريقيا، مثل جنوب إفريقيا (رغم دعم الكيان الصهيوني لنظام الميز العنصري)، ونيجيريا (رغم دعم الكيان الصهيوني للحروب الإنفصالية)، باعتراف قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بالكيان الصهيوني، لتعيد علاقاتها معه، ولتكثيف المبادلات التجارية، وتوسيع مجالات التّعاون، بما في ذلك التعاون العسكري والأَمْنِي…  

أعادَتْنا اتفاقيات أوسلو وتوابعها (مثل اتفاقية باريس الإقتصادية) عُقُودًا إلى الوَراء، وافتضح أمرها إلى درجة أن من دعموها وعدّدوا مكارم ياسر عرفات، خلال السنوات الأولى لتوقيعها، أصبحوا ينتقدونها، بعدما اتضحت الخديعة للجميع، ولا يكفي اليوم التّنْديد بها، بل وجب التفكير في إعادة بناء ما انْهارَ من صَرْح المُقاومة، وما خلقته اتفاقيات أوسلو من اتّكال وتخريب للإقتصاد المَحلّي ولنسيج المُجتمع الواقع تحت الإحتلال، بالإضافة إلى ارتفاع عدد المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، ستة أضعاف خلال 25 سنة، وما يعنيه هذا التوسّع من افتكاك أراضي ومصادر المياه، وغير ذلك…   

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.