عَن المُستَعمَرَة الكُبرى والقَرار الأمريكي، محمد كناعنة*

*عضو الأمانة العامة لحركة أبناء البلد

إنَّ المُستَعمرة الأكبَر وغير الشَرعيّة هي التي يَجب أن نُدين إستِمرارها وَنَعمَل على تَفكيكها“.

(الرابِع من يوليو/ تَموز من العام 1776 هو يَوم إعلان “استقلال” الولايات المُتّحدَة الأمريكية، وهذا الإعلان جاءَ على حِساب ملايين من السُكان الأصليين من الهُنود الحُمر الذينَ تَمَّ إبادَتهم على أيدي عِصابات بلاد “التنوير” الأوروبي، مَجازِر بَشِعَة وقَتل وتَمثيل بالجُثَث وإبادَة جَماعِيّة للسُكان الأصليين هُناك، وَهكذا قامَت الدَولة العُظمى، أمريكا، قِبلَة “الثُوار” الكَتَبة والمُرتَزَقَة على طولِ وَعرضِ المَعمورة، من فلسطين إلى أمريكا اللاتينِيَّة، من إيران إلى فيتنام وكوريا وَليسَ انتهاءً بالعِراق).

المُضحِك المُبكي اليَوم أن نَرى حَملَة من بيانات الشَجب والاستنكار على المُستَوى الفلسطيني، بعدَ تَصريحات وزير الخارِجية الأمريكي “مارك بومبيو” مساءَ الاثنين 18 نوفمبر الحالي، بأنَّ الولايات المُتّحدَة إياها: “لَم تَعُد تَعتَبر المُستَوطَنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المُحتَلّة مُخالفَة للقانون الدُولي”، هذا الإعلان الذي يأتي مُتماشيًا مَع “قانون القومية” (قانون أساس: إسرائيل – الدولة القومية للشعب اليهودي) والذي أُقِرّ بتاريخ 18/7/2018، والقرار الأمريكي هذا هو بِكُلِّ الأحوال مُناقِضًا أو نافِيًا لِتوجيهات وزارَة الخارِجيّة الأمريكية من العام 1978 في عَهد الرئيس الأمريكي “جيمي كارتر” بأنَّ المُستَوطنات في الأراضي المُحتَلة من العام 1967 تُخالِف القانون الدُولي، (من المُهِم الإشارَة إلى أنَّ هذا القرار من العام 1978 لَم يتلوه خُطوَة واحِدَة باتجاه جَعلِهِ ذا صيغَة عَمَلِيَّة نافِذَة على الأرض، وَلَم يَكُن ما سُمّيَ بينَ الأعوام 1990 – 92 بتجفيف المُستَوطنات غيرَ أداة ضَغط على حكومَة شامير في حينِهِ لِأنَّها لَم تَعُد تَتَماشى مع توجيهات المنُستَعمَرَة الأم، ففي هذه الأعوام وَمَع تَرَأس إسحق شامير للحكومَة ازدادَت وازدَهَرَت حرَكة الاستيطان وَتَمَّ بناء عَدد جَديد من المُستَوطنات وهذا ما تَنافى في حينِهِ مَع مَسعى الإدارَة الأمريكية التي كانَت تُخَطِّط لِضَرب العِراق وإنهاء دَورهِ الإقليمي والسَيطَرة عليه، وفي مُقابِل ذلك أطلَقت إدارَة جورج بوش الأب مُبادَرَة تحت مُسَمّى “إحياء عَمَليَّة السلام في الشرق الأوسَط”، وكانَ وزير الخارجية في إدارة بوش، جيمس بيكر، قَد قالَ مُخاطِبًا مُنَظّمة “الايباك” الصُهيونِيّة، في 22 أيار/مايو عام 1989 “بأنَّهُ على إسرائيل أن تَتَخَلَّى عن سياسَتها التَوَسُعية”، وفي الثلاثين من أكتوبر عام 1991 حتى الأوَّل من نوفمبر من ذات العام عُقِدَ مؤتمر مَدريد، وفي فَلَكِهِ تَمَّ حياكَة اتفاق أوسلو الكارِثي لِشَعبنا وقضِيّتنا الوطنِيّة.

 وَفي هذا السِياق يَأتي تَصريح ما يُسَمَّى بِ “الرئاسَة الفلسطينية” بأنَّ تَصريح وزير الخارِجية الأمريكي بِشأن المُستَوطنات هو قرار مُدان وَغير شَرعي، هذا يُذَكّرُني بِتَصريحات المُفاوِض الأشوَس الوحيد على مَدارِ ما يُقارب الثَلاثَة عُقود من الطَرف الفلسطيني صائِب عريقات والذي لَم يَخبَر من الحَياة غَيرَ أنَّها مُفاوَضات، بَعدَ كُل قَرار صَهيوني بِبناء جَديد من المُستَوطَنات أو توسيعها أو الإعلان عَن نِيَّة ضَم مَناطِق وأجزاء من الضِفَة الغربية إلى سُلطَة “إسرائيل” السِياسية والمَدَنيّة، فَيخرُج عَلينا صائِب عريقات بِتَصريحات نارِيّة بأنَّ الجانِب الفِلسطيني سَيوقِف المُفاوَضات وسيَتَوَقَّف عَن التَنسيق الأمني، هذا التَنسيق الذي لَم يَتَوَقَّف يَومًا ما، وَسَيَرُد بِقُوَّة على استئناف بناء المُستَوطنات. سنَة وراء أخرى تَزداد المُستَوطنات تَوَسُّعًا ويَزداد عَدَد المُستَوطنين ومعها تَزداد تَهديدات عريقات لِ”إسرائيل”، فَهذه المُستَوطَنات قَد تَضاعَفَت منذُ بِدايَة التسعينِيات وَمَع انطلاق مؤتَمر مَدريد وحتى اليَوم بأكثَر من أربَع مَرات؛ مَباني وَسُكان مُستَعمِرين وَمَرافِق اقتصادِية وتَعليمية وبُنى تَحتِيّة، هذا تَمَّ في ظل حكومات حزب العَمل وحزب الليكود وبإتلافات من مُختَلف أطراف الطَيف الصُهيوني بلا إستثناء.

تَقول الرئاسَة الفلسطينية في بَيانِها بأنَّ الإدارَة الأمريكية “غَير مُؤَهَلَة أو مُخَوَّلَة بإلغاء قَرارات الشَرعِيّة الدُولَيّة وَبأنَّها فَقَدَت كل مِصداقِيَّة وَلَم يَعُد لَها أي دَور في عَمَلِيَّة السَلام”، وهذا يَعني فيما يَعنيه بأنَّ هذه الرِئاسَة كانَت تَعتَبر بأنَّ أمريكا تَلعَب دَورًا إيجابِيًا في ما يُسَمَّى بِ”عَمَلِيَّة السَلام”، وهي تدرِك تَمَامًا الدَور الفاعِل والناشِط والايجابي جدًا للولايات المُتّحدَة الأمريكِيَّة على مُختِلف إداراتِها في دَعم كِيان الاستعمار الصَهيوني وكل قَضاياه وَمطالِبَهُ على حِساب الشَعب الفلسطيني وحُقوقِهِ العادِلَة والمَشروعَة، هذا الدَعم والتَعاوُن يَأتي في سياق طَبيعي بينَ مَشروعَين إستعمارِيّيَن كولونيالِيّين إمبريالِيّين، وأنَّها هي من مَنَعَت تَنفيذ عَشرات أو مِئات القَرارات الدُولِيَّة ضِدَّ “إسرائيل” كَدَولَة إحتلال/استعمار؛ قَرارات لَها علاقَة بِحق العَودَة للاجئِين، بِوقف الاستيطان في المناطِق المُحتَلّة عام 1967، وقَرارات ضد العُدوان على غَزّة ولُبنان وَسوريا، وأخرى تَمُس انتهاك سُلطَة الإحتلال الصَهيوني للأماكن والمواقع الدينية والأثَرية والتاريخية في فلسطين، بحيث لَم تَلتَزم “إسرائيل” بأي من هذه القَرارات ولَم تَقف في وَجهِها الولايات المُتّحِدَة.

ولِلتذكير فَقَط: ألَم تَعتَرف الولايات المُتَّحدَة في السادس من كانون أول عام 2017 بالقُدس كَ”عاصِمَة مُوَحَّدة لإسرائيل”؟ ألَم تُغلِق مكتب منظمة التّحرير الفلسطينيّة في واشنطن، (مُخزي وجود مكتب ثَورة في واشِنطن)؟ ألَم تَعتَرف بأنَّ الجولان العربي السوري المُحتَل “جزء من دَولَة إسرائيل”؟ ألَم تَقطَع المساعدات عن وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين “الأنروا” بِهَدَف شَطب قضيّة اللاجئين وحق العَودَة؟ ألَم توقِف المُساعَدات والمِنَح للسُلطة الفلسطينيّة؟ فَعَن أي دَور ايجابي مَمكن أن نَتَحَدَّث هُنا.

نعم مُمكِن، مُمكن ذلك لَو أردنا أن نَلعَب بقضايانا الوطنية والمَصيرِيّة، لو أردنا أن نَخوض في متاهات السِياسَة، والشَرعيّة الدُوَليّة، وما إلى ذلك، هذا لا يَعني عَدم الإدانَة أو شَجب واستنكار، ولكن هذا يجب أن يَكون في سِياق قراءَة عَميقَة وَواقِعيّة ثَورِيّة لِلصراع، لا أن يَكون في إطار العَلاقات العامَّة مع الاستعمار وَتحتَ وَطأة التَمويل والمِنح والبترودولار.

بِإيجاز، خَلِفِيّة الاستيطان وَسَيرورَتِهِ التاريخِيّة:

الاستيطان اليهودي الصَهيوني في فلسطين يَعود إلى سنة 1859، وَقد تَعود بَعض المُحاولات إلى قبل ذلك بِسنَوات، ففي ذلك العام اشترى اللورد مونتفيوري قِطعَة أرض خارِج أسوار القدس ، وبدأ البناء فيها لتكون حيًا لليهود. وسُمِّي هذا الحي باسمه. ثم تمكن من بناء سبعة أحياء أخرى حتى سنة 1892.

وفي سنة 1870 تَأسَّست مدرسة “مكفيه يسرائيل” الزراعية بالقرب من بلدة يازور على حَوالي 2600 دونم، بتمويل من البارون إدموند دي روتشيلد والبارون موريس دي هيرش.

وكانت جمعية الهيكل الإنجيلية الألمانية باشرت نشاطها الاستيطاني في سنة 1869 بعد صدور قانون عثماني في سنة 1867 يبيح للأجانب تملّك الأراضي في الدولة العثمانية. وتمكن الهيكليون من بناء مستعمرة في حيفا، والمَعروف حتى اليَوم بِ”حَي الألمانية”.

في 1/8/1882 قامَت حَركَة “أحِباء صُهيون” بِوضع حجر الأساس لمستعمرة “ريشون لتسيون”، أي الأولى لصهيون، على أراضي قرية عيون قارة الفلسطينية بِالقُرب من مَدينَة يافا، وبَعدها تَم إقامَة مُستَعمَرَة “روش بينا” على أرض قرية “الجاعونة” بالقرب من مَدينَة صفد ومن ثُمَّ مستعمرة “بيتح تكفا” أو (بوابة الأمل) التي أقيمَت على أراضي قرية ملبِّس الفلسطينيّة، وَتوالى بَعدها الاستيطان من “زخرون يعكوف” على أرض زَمّارين حتى “نيس تسيونه” على أرض صَرفند و”عين زيتيم” على أراضي عين الزيتون على حدود مدينَة صَفد.

وَقَد كانَت هذه المستعمرات في بِدايات الاستيطان الصَهيوني في فلسطين عِبارَة عن نقطة ارتكاز للاستيطان، إذ كانَت تَعتمد بالأساس في بداياتها على المساعدات الخارجية من يهود أوروبا، خصوصًا من البارون روتشيلد، وَقد بَلغَ عَدَد المستوطنات في فلسطين مع عَقد المؤتمر الصَهيوني الأول عام 1897 في مَدينَة بال السويسرية، 17 مستوطنة تمتلك 140 ألف دونم من الأراضي.

استَمَرَّ الاستيطان الصَهيوني يَتوالى تحتَ رِعايَة بريطانيا وتَآمُر الغَرب وخِيانَة الأنظِمَة العربية وَتآمُرها، خاصّة نظام آل سعود العميل في شبه الجزيرَة العربية، واستَمَرَّ هذا الاستيطان الاستعماري حتى قيام المُستَعمَرى الكُبرى “إسرائيل” تحتَ حِمايَة الغَرب والولايات المُتّحدَة الأمريكية وخيانَة الأنظمة العربية وتآمرُها حتى هذا اليَوم، حتى هذا اليَوم لَم تَتَوَقَّف أمريكا عن مَدّ هذه المُستعمَرة بِكُل ـسباب الحَياة ولم تَتَوَقَّف كَذلك عن مُعاداة الأمّة العربية والشعب الفلسطيني، وَهكَذا تحتَ وَطأة ما يُسَمَّى “بالواقِعيّة” و “فن المُمكن” تَوالَت الاعترافات بالمُستعمَرة الإرهابية والأكثر دَمَويّة في التاريخ الحديث حتى أصبَحَ رَفض الاعتراف بِشَرعِيّتها ضَربًا من الجُنون والمُزاوَدَة وَيَتصَدّى لهذه المَواقف ليسوا غَير “مُثَقفي وسياسيّي” الاعتراف. تَوالَت الاعترافات من العَرب والفلسطينيّين، حتى الإطار الذي من المُفتَرض أن يُحَرِّر فلسطين المُحتَلّة عام 1948 وهو منظمة التحرير الفلسطينية اعترفت بحق “إسرائيل” في الوجود كَتَجسيد لِحَق تَقرير المَصير لليهود في فلسطين، ونحنُ نُدين وَنَستَنكر تَصريحات وزير الخارِجيّة الأمريكيّة بِشأن مُستَوطنات الضفة الغربية المُحتَلَّة!

الغَريب في الأمر أن مُسَلسَل التنازُلات مُستَمِر، التَفريط لا يَتَوَقَّف، التَنسيق الأمني على  قَدَمٍ وَساق، مُصادَرَة الأراضي وتجريفَها، اقتلاع أشجار الزيتون، قَتل الأطفال والشباب، والنِساء والشيوخ، الاعتداء على حُرُمات البُيوت يَومِيًا، انقسام بينَ شَطرَي جُزء من الوَطَن، قَصف وحِصار وتَجويع مُستَمِرّ لِقطاع غَزَّة، حَرب إعلامِيّة وحتى قَد تَصل للأمنية بينَ طَرَفَي الانقسام، كل هذا أخطَر من التَصريح الأمريكي على القضية الفلسطينية وثَوابِتها ومسيرتها نحو العَودة والحُرّية والتَحرير.

 مع انتهائي من كتابَة هذا المَقال قَرأت خبَر التَصويت الكاسِح في الأمم المُتحدة لِصالِح تقرير المَصير للشعب الفلسطيني، طَبعًا القَصد عن “جيراننا” في الضفة الغربية وقطاع غزة”؛ 165 دَولَة صَوّتت لِصالِح هذا القَرار، وفي تَعليق لِرياض المالكي، وزير خارِجيّة دَولَة سُلطة أوسلو يَقول وَيُشَدِّد: “إنَّ الدبلوماسِيّة الفلسطينية سَتُسقِط كل مُحاولات تَقويض حُقوق شَعبنا في الاستقلال وَتَجسيد دَولَتهِ المُستَقَلّة وَعاصِمتها القُدس، وَعودَة اللاجئين إلى دِيارِهم”. تَصريح فارِغ عَبَثي لِمَن لا يَملُك حُرّيتِهِ الشَخصية في التَحرُك، هو بَيع أوهام لا أكثَر، فهذا القَرار الدُولي المُهم لا يَضُر بِهِ أكثَر من دِبلوماسِيّة المالكي وأضرابِهِ الذين أهانوا مَعنى النِضال الفلسطيني بتنسيقهم الأمني مع المُستَعمِر، من بَعدَ أن كان أيقونَة النضال حَول العالم.

:::::

“بوابة الهدف”

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.