عادل سمارة

(1) هُزال نظريات ما بعد الاستعمار

(2) حزب الله … واحزاب شتى

(3) لحظات ختام المشهد

● ● ●

(1)

هُزال نظريات ما بعد الاستعمار

يتحدث الكثير من المفكرين ولا سيما مفكرو التنميةعن استقلال بلدان العالم الثالث/المحيط بأنه فقط استقلال سياسي وليس اقتصادي. وهذا تقييم سليم، ولكنه ناقص، أو بمعنى آخر مساوم والأهم ان فيه خلط نظري خطيربما انه يفصل ويكرس فصل الاقتصاد عن السياسة وهوفصل يخدم الطبقات الحاكمة ويشرعن تبعيتها للإمبريالية على حساب الطبقات الشعبية فيها ومن ضمن هذا الخلط تشجيع الحكام على الفساد.
لنقل بأن هذا الكلام أعلاه هو تقدير نظري. ولكن تجارب الأمم وخاصة بعد “استقلالات” بلدان المحيط تشير إلى ان هذه البلدان لم تدخل حقا مرحلة ما بعد الاستعمار مما يكشف عن خطورة هذا المصطلح.
وإذا كان الكثير من الأنظمة التابعة تخفي تبعيتها للمركز الإمبريالي، اي خيانة شعوبها، فإن البلدان العربية قد وصلت حد عدم إخفاء هذه التبعية. لعل نموذجي لبنان والعراق الآن هما الأوضح. فكلا النظامين ينتظر الأمر الأمريكي في تشكيل الحكومة والأمريكي لا يكتفي بالاتصالات السرية بل يرسل مندوبيه الساميين لتكريس اوامر ومصالح امريكا.
من هنا يعجب المرء من الحديث عن استقلال، سيادة، راية، عرض عسكري…الخ. مما يؤكد أن هذه المظاهر هي لتخدير وتخويف الشعب وفي النهاية تكريس التبعية.
ولعل النموذج الأكثر انكشافا إلى حد الفضيحة هي انظمة النفط العربية خاصة حيث تقوم بحروب لصالح الولايات المتحدة كالحرب على سوريا وليبيا واليمن، ومؤخرا تصطف في جبهة العدو الصهيوني ضد فلسطين.
لا ينفع الإعلام لكشف هذه الأنظمة وكشف هشاشة مزاعم الاستقلال. فالأداة الوحيدة لهذا هي القوى الثورية التي تهدق إلى كنس هذه الأنظمة.
ولو شئنا المقانة في هذا الصدد، فإن الأنظمة المستقلة في العالم الثالث ربما لا تتعدى النظام الكوبي والكوري الشمالي.
أما المفارقة الأشنع فهي حال أوروبا. ففي ستينات القرن العشرين وخاصة خلال ثورة ايار 68 طُرحت شعارات من اليمين واليسار بأن موقف أوروبا يجب ان لا يكون بيد واشنطن او موسكو. وتم بناء على ذلك تعزيز الاتحاد الأوروبي الذي لحسن الحظ يتفكك الآن. وحتى خلال صعوده لم يخرج عن اتحكم الأمريكي. أما الشيوعيون في اوروبا فقد أصدروا تخريجة “الشيوعية الوروبية” والتي في النهاية كانت خروجا على موسكو ولكن ايضا خروجا عن الشوعية.
وبالطبع على غرار الشيوعيىة الأوروبية نتجت في المحيط شيوعيات تابعة وصل بعضها حد التبعية للولايات المتحدة. أما التيار التروتسكي فإن الزمن يكشف أكثر عن ارتباطه منذ إعلانه كأداة للإمبريالية.

(2)

حزب الله…واحزاب شتى

في حديثه الأخير ذكر السيد حسن نصر الله عدة أمور، أود تناول امرين بالملاحظة:


الأول: تحدث في البداية عن الثورة المضادة في لبنان، وهنا يجدر التوضيح بان الثورة المضادة موجودة تحت جلد البلد بل الوطن العربي بمعنى أنها موجودة قبل الثورة والمقاومة وليست فقط من الخارج. ولأنها تحت الجلد، بل في لبنان فوق الجلد فهي دائما جاهزة للانقضاض على قوى الثورة والمقاومة. فليس إرهاب قوى الدين السياسي مجرد مُستجلبين من الخارج، كما ليست الفاشية في لبنان من تصنيع الصين ناهيك عن مجموعات الأنجزة (التي كوادرها محليون وتمويلها غربي وخليجي وخاصة إماراتي) والحديث عن الدمقرطة والدولة المدنية كما يدعو الكثير وخاصة حزب نحاس (مواطنون ومواطنات في دولة-ترجمة غير مباشرة لدولة لكل مواطنيها لعزمي بشارة) وكأن لبنان دولة عسكر- وهذا مقصود به حزب الله، فالدولة في لبنان مدنية ولكن تحكمها تحالفات برجوازية الطوائف بارتباطاتها التابعة.فالفاسدزن مدنيون والعملاء مدنيون والطائفيون مدنيون …الخ.


والثاني: الخيارات الأربعة لتشكيل الحكومة (تكليف وتاليف). وكما لوحظ فقد أُخذ على الحزب هذه المرونة تجاه الحريري وكأنه لا يرى سوى هذا مؤهلا لرئاسة الوزارة. لا زلت أعتقد أن حزب الله أكثر من أصيب بأذى من التطورات الأخيرة. ولا نقصد هنا أن امريكا وأوريا ومختلف الأنظمة العربية والكيان ضده فهذا من نافل القول، ولكن أقصد أن موقع الحزب الطبيعي هو احتضان الحراك والسير ب لبنان في طريق آخر. ولكن المشكلة أن هذا يعني انفجار البلد وربما المنطقة. وهذا يفسر مرونة الحزب تجاه أداة الثورة المضادة أي الحريري تحديداً. لأن استثناء الحريري قد يدفع امريكا لتحريك تنوعات عملائها في لبنان لانفجار واسع. ولا يهم امريكا كم من القتلى من ادواتها وكم من خراب في لبنان لأن المهم هو إغراق حزب الله في ملحمة لا يريدها ولكنها في خدمة الكيان حتى لو لم يتدخل في الصراع مباشرة.
وكأننا نقول، بأن الحراك في لبنان قد لا يؤدي إلى مكاسب شعبية حقيقية، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن مناخ الحراك قد سمح لقوى وادوات الثورة المضادة لإرباك محورالمقاومة لعل وعسى يكسبون جولة ما. تجدر الإشارة بأن الحراك لم يثمر بعد. وهذا تساؤل كبير.
بقي الانتظار اليوم وغدا فيما إذا تم تكليف الحريري، وهذا ما نتمناه كي يكون الصراع بين الثوة المضادة والحراك ولكي يتضح اذا كان الحراك قد تمكن من بلورة قيادة ومشروع. لعل أحد اسباب “تغنجات” الحريري أنه يعلم بان التجربة المقبلة ستحرقه نهائيا. وربما لهذا ايضا يدفعه حزب الله للحكومة كي يُستنفذ هذا التيار. لذا، بقاء الحراك في الشارع ضروري، ولكن تجذيره أكثر ضرورة.

(3)

لحظات ختام المشهد


من يقرأ لبنان بعيدا عن فلسطين فهو احول ذهنيا على الأقل. ومن يقرأ فلسطين بعيدا عن محور المقاومة فهو أعمى تماماً. ومن يقرأ امريكا واوروبا والخليج بغير عين أنهم أعداء، فهو في موقع شبهة الخيانة إن لم يكًن كذلك حقاً.
لم يُخطىء الذين رأوا محدودية أنفاس حراك لبنان بعد اليوم الثالث، وأخطأ من صبغوه بالأحمر اللبرالي ليساهموا في تشويه المقاومة ولكن في نفس الوقت في كشف هوياتهم وتمويلهم واندساسهم سواء بالقلم أو بإغلاق الطرق.
ليست مصادفة أن تُعلن امريكا صفقة القرن قبل يوم من مجيء سيد لبنان الحالي ديفيد هيل. هذا مع أن مضمون الصفقة لم يكن خافياً على حتى متوسطي القدرة الذهنية.
بعد أن تمكن الحريري من هز كاريزما رئيس الجمهورية وبشكل مقصود كما وجهه معسكر الثورة المضادة، وبعد أن كان مضمون خطاب السيد نصر الله من نمط “في فمي ماء” ترسل أمريكا سيد لبنان الأمريكي ليقول لكل لبنان الغير لبناني جوهريا: ” هدفنا لا يتوقف عند منع حزب الله من المشاركة في الحكومة، بل هدفنا كسر ظهر المقاومة عبر راسها الفاعل وصولاً إلى تصفية القضية الفلسطينية. هذا ما يجب أن يحصل لتصبح إسرائيل آمنة إلى يوم الحشر”.
إذن، لا يمكن للكيان الصهيوني ان يصبح مندمجا إندماجا مهيمنا في المنطقة دون كسر ظهر المقاومة وخاصة في لبنان. هذا مختصر ما تريده امريكا من معركة لبنان.
محزن جداً ما ثرثر به محللون كُثر في العامين الأخيرين بأن “المجتمع الدولي” يريد استقرار لبنان! وليس لنا سوى القول بأن كثرة من هؤلاء هي أدوات تقول ما يُقال لها من اسياد ما. كل قطر عربي، بالميزان الأمريكي، له قيمته قياسا وبناء على توظيفه لخدمة الكيان وقيمة الكيان بناء على وظيفته في خدمة الإمبريالية المعولمة في نهب هذا الوطن أكثر من اي وطن آخر.
يأتي ديفيد هيل ليقول لتلاميذه : أنتم وبلدكم في خدمة مشروعنا، وأما اليوم فقد حان موعد ذبح “خنزير العيد” يجب أن تدخلوا الحرب مع حزب الله ونحن معكم، وحتى لو قضيتم، فلا مشكلة لأنكم في خدمة الرب الأعلى واهب المال. فأنتم شهداء المشروع الأمريكي، وهل من شرف أعلى!
وهذا يفتح على كشف الفلسطينيين الأمريكيين. لقد صار الزمن قصيرا جدا، لم تعد هناك مساحة للمناورة وعنتريات “سلام الشجعان” إنه سلام راس المال، وراس المال هو الكيان وواشنطن، وأي لاعب آخر يعتبر نفسه ذا قرار هو أراجوز صغير إحتمى بالمناورة، لكن سيد المال لم يعد يطيق الانتظار، فهو متلهف على يوم الزفاف.
المسافة بين الجد واللعب تتقلص بما يقارب الانتهاء. وهذا يعني أن لبنان سيكون، إن لم تتراجع الثورة المضادة، مسرح دمٍ.
وإن كان المرء لا يريد خراب لبنان، ولكن كما يبدو فإن أفضل مصير للغابة هو حرقها كي تنبت مجدداً. وبهذا المعنى، فإن لبنان المشبوه، يلعب في دمه طالما يقدم نفسه قرباناً لسادته.
لن يتردد محور المقاومة في التصدي، وسينتصر، رغم وجود ثغرات ما، ورغم أن خرابا سيعم الوطن، ولكن الوطن يستحق كل هذا ليتجاوز نصف الخراب وصولاً إلى ما يجب أن يكون عليه.

ضحكت قليلا حيث تذكرت: ذات يوم قال لي فلسطيني أمريكي من عشاق ترامبو ومؤيدي أوسلو: “سترى قريبا أن ترامب صاحب مشروع لتصفية إسرائيل”!

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.