صهاينة عرب النفط، الطاهر المعز

بعد توقيع ياسر عرفات “‘اتفاقيات أوسلو”، على خُطى أنور السادات، سارعت العديد من الأنظمة العربية (المغرب وتونس ودويلات الخليج…) إلى تبادل البعثات الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني، وافتتاح سفارات، تحت مُسمّيات مُختلفة، منتصف العقد الأخير من القرن العشرين، واضطرت إلى الإعلان عن إغلاقها، فيما بعد، بداية من 2002، ولكن العلاقات لم تنقطع، وظهر ذلك من خلال عدة مُؤشّرات، وآخرها إعلان دُوَيْلات الخليج التحالف مع الكيان الصهيوني، ضد إيران، بالتوازي مع دعم الخطّة التّصْفَوِيّة الأمريكية “صفقة القرن”، ومحاولة تصفية وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أنروا”، وغير ذلك من الخطوات التصفوية، ضمن البرنامج الإمبريالي الأمريكي المُسمى “الشرق الأوسط الكبير”، يهدف فرض هيمنة الكيان الصهيوني على المنطقة المَدْعُوّة “الشرق الأوسط”، وبدأت تظهر، من جديد، بوادر التطبيع الرسمي للعلاقات بين شيوخ النّفط الخليجيين والكيان الصهيوني، عبر مشاركة وُفُود رسمية صهيونية في ندوات وتظاهرات في مجالات الطاقة والرياضة وغيرها، وأعلن رئيس حكومة العدو الصهيوني، عن مُشاركة الكيان وشركاته في معرض “إكسبو 2020 ” بدُبَيْ، كمظهر من مظاهر التطبيع الرسمي مع الإمارات، وكتبت الصحيفة الصهيونية “يديعوت أحرونوت” أن الصهاينة سوف يدخلون الإمارات بجوازاتهم “الإسرائيلية” (بدل الجوازات الأوروبية أو الأمريكية وغيرها) بمناسبة معرض “إكسبو 2020” في “دُبَيْ”، الذي يدوم ستة أشهر، مرة كل خمس سنوات، وأكد أحد مسؤولي إمارة “رأس الخيمة” صحة هذا الخبر، باسم “التبادل الثقافي والمَعْرِفِي”، في خطوة تندرج ضمن مسيرة تطبيعية طويلة، بدأت سِرًّا منذ عقود، ثم أصبحت عَلَنِيّة واستفزازية وَوَقِحَة…

تعدّدت الزيارات العلنية لمجرمي الحرب الصهاينة، وفي مقدمتهم “نتن ياهو” إلى عُمان، ودُويلات الخليج (باستثناء الكويت)، ونَشَرت وسائل الإعلام صُوَرًا (يوم 29/10/2019) تُظْهِرُ وزيرة الثقافة والرياضة الصهيونية (ميري رغيف)، في مسجد “الشيخ زايد بن سلطان” في أبو ظبي، خلال زيارة رسمية عَلَنِيّة، بدعوة رسمية من الشيخ محمد بن زايد.

نشر وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد مقالة في مجلة “ذا سْبِكْتَتُورْ” البريطانية، تحت عنوان: “إصلاح الإسلام.. تحالف عربي إسرائيلي يتشكل في الشرق الأوسط”، كما نَشَر تغريدة على شبكة “تويتر”، تروّج لتطبيع العلاقات بين الكيان الصهيوني ودول عربية وإسلامية، وتصفية القضية الفلسطينية، فأعاد رئيس حكومة العدو الصهيوني “نتن ياهو” نشر التغريدة معربًا عن سعادته لما “يتمّ من تنسيق بين إسرائيل وبعض الدول العربية”، ومن بينها الإمارات والسعودية وعُمان والبحرَيْن وقَطر، بالإضافة إلى مصر والأردن، ومُعلِّقًا: “أرحب بالتقارب الذي يحدث بين إسرائيل والكثير من الدول العربية. لقد آن الأوان لتحقيق التطبيع والسلام”.، وَشَكَرَ وزير الخارجيةِ الصهيونيِّ “إسرائيل كاتس” عبد الله بن زايد، وكتب: “هذا هو الوقت الأفضل للتقدم باتجاه اتفاقية عدم القتال والتعاون الثنائي بين إسرائيل ودول الخليج العربي”.

من السعودية، التي ما اشتهرت يومًا بحرية التعبير عن الرّأي، كَتَبَ “محمد سعود”، الذي عُرِفَ بتغريداته التطبيعية: “فخامة رئيس الوزراء (نتنياهو)، أنه ليوم عظيم أن نرى بوادر السلام تتحقق، نعم شعوبنا تستحق الأفضل، بفضل إرادتنا جميعا سوف يحلّ السلام بين إسرائيل ودول الخليج العربي نعم لإقامة علاقات دبلوماسية بين دُوَلِنَا”.

لم تشتهر الأُسر الحاكمة في الخليج بممارسة ودعم الديمقراطية وحرية التعبير، ولكنها تمتلك عددًا هامًّا من الصحف ومحطات التلفزيون ومراكز البحث، وانتدبت عددًا هامًّا من الإعلاميين المُرتزقة العرب، لترويج دَعَوات التطبيع الكامل للعلاقات مع الكيان الصهيوني “الصديق والحليف”، لمحاصرة إيران “العدو الرئيسي”، بإشراف سياسي وعسكري أمريكي)، وأعلن “مُحلّل” سعودي: “إن دولة إسرائيل ديمقراطية، ولم تؤذِ الخليج أبداً”، لِيُبرِّرَ العلاقات غير المُعْلَنَة مع الإحتلال الصهيوني، منذ أكثر من ثلاثة عُقُود، وظهورَها للعَلَن، مع “صفقة القرن” الأميركية ـ الصهيونية، وبمناسبة إعلان الخطة الأمريكية الصهيونية، لإقامة حلف أمني واقتصادي إقليمي، يضم السعودية وقطر وعُمان والإمارات والبحرين، “لحماية المنطقة، والتصدِّي للعدوان الإيراني”، ولإنشاء قواعد صهيونية، إلى جانب القواعد الأمريكية، في مَشْيَخات الخليج، لِيُصْبِح الوجود الأمني العسكري الصهيوني، في البحرين والإمارات والسعودية وقطر، علنيا، بعد أن كان سِرِّيًّا و”يقْتَصِرُ” على التدريب والإستشارة، بحسب ما أورده موقع قناة “روسيا اليوم” ( 09/10/2019 )

أدى ضُعْف التّصدِّي الشّعْبي لقرارات وممارسات التّطبيع العَلَنِي، إلى تعدد زيارات الفنانين والرياضيين والكتاب والشعراء إلى الأراضي المحتلة سنة 1967، بإذن صهيوني، بذريعة الشوق والحنين لرؤية الإخوة الفلسطينيين، وفي مجال الرياضة، وتزامنًا مع ترويج آل سعود ل”صفقة القرن”، رحّب الجيش الصهيوني، يوم 13 تشرين الأول/اكتوبر 2019، بالبعثة الرياضية السعودية التي ضمت ما لا يقل عن 120 شخص، من بينهم مسؤولين سياسيين، كما رحبت بها سلطة الحكم الذاتي الإداري وقيادات حركة “فتح” في الضفة الغربية المُحتلّة، بينما اعتبرت اللجنة الوطنية للمقاطعة: “إن قُدُوم المنتخب السعودي إلى فلسطين المحتلة في هذا الوقت، تحديدًا، يأتي في سياق التطبيع الرسمي الخطير لنظام السعودية والإمارات والبحرين وعُمان وقطر وغيرها، ضمن محاولات تصفية القضية الفلسطينية، من خلال المشروع الأمريكي الصهيوني المُسماة صفقة القرن”، ونَشَرت وسائل الإعلام السعودية صورًا لأفراد البعثة السعودية، أثناء أداء الصلاة، في القدس، تحت حراسة الجيش الصهيوني، لمنع الفلسطينيين من رَمْيِهم بالأحذية والحجارة…

قبل ذلك، كانت الصحف الصهيونية قد نشرت، في تموز/يوليو 2019، خبر زيارة وزير خارجية العدو للإمارات، وفي أيلول/سبتمبر 2019، نشرت خبر لقاء بين وزير خارجية العَدُو، ووزير خارجية إحدى الدول العربية، على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، ثم نشرت، يوم الإثنين 02/12/2019، خبر محادثات في واشنطن، بشأن التوصل إلى اتفاق “عدم اعتداء” بين الكيان الصهيوني والأُسَر الحاكمة في الخليج، وبشأن مشروع السكة الحديدية الرابط بين فلسطين المحتلة (ميناء حيفا) والسعودية (بلاد الحَرَمَيْن ! ) والخليج، مُرُورًا بالأردن، بحسب إذاعة جيش الإحتلال (02/12/2019)…

أوردت “القناة 12 ” الصهيونية خبر زيارة وزير الخارجية الصهيوني، “بلاد الحرَمَيْن”، بعد انتهاء موسم الحج، وتباحث مع الأُسْرة المالكة للبلاد “سُبُلَ التّصَدِّي للعدو المشترك، إيران”، ورغم الأزمة السياسية في كيان العدو، تواصلت الزيارات والمُشاورات بين مشائخ الخليج والحكومة الصهيونية، بحسب نفس القناة التلفزيونية رقم 12، وكتبت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية أن حكومة الولايات المتحدة تُشرف على (وتدعم) “تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني بين دول الخليج وإسرائيل”، وسبق أن أعلنت وزارة خارجية العدو مشاركة الكيان الصهيوني، عَلَنًا، في معرض “إكسبو 2020″، ونشرت تقريرًا عن زيارة وفد إعلامي صهيوني “دبي” خلال شهر أيلول/سبتمبر 2019، وسيكون لدولة الإحتلال جناح، مفتوح لزيارة ما لا يقل عن مليونَيْ زائر، من مختلف أنحاء العالم، وذكرت نفس الصحيفة الصهيونية “يدعوت أحرونوت” أن شركات صهيونية تُساهم في تصميم وإنجاز البُنى التحتية، ومشاريع وبرامج في مجالات التكنولوجيا والأمن الإلكتروني، في السعودية، ويُساهم عدد من رجال الأعمال الصهاينة والشركات الصهيونية في تصميم وإنجاز مدينة “نيوم”، التي تندرج ضمن برنامج “رؤية 2030″، ويتوقع إنجاز بنائها، على مساحة 26 ألف كيلومتر مربع، على شاطئ البحر الأحمر قبل حلول سنة 2030، بقيمة خمسمائة مليار دولار أميركي، وأعلن وزير الخزانة الأميركي، في فلسطين المحتلة، منتصف شهر تشرين الأول/اكتوبر 2019 (قبل توجهه مباشرة من تل أبيب إلى الرياض) تشجيع الحكومة الأمريكية لمختلف المبادرات السعودية والخليجية، المُعبِّرَة عن “انفتاحها وسعة آفاقها”، وتدرس الولايات المتحدة إنشاء فريق عمل مشترك أمريكي صهيوني خليجي، لمتابعة تنفيذ الخطوات التي وقع الإتفاق على إنجازها، ضمن مسار تطبيع العلاقات، “لمجابهة التهديد الإيراني المشترك…” ونوهت الصحف الصهيونية بالحماسة التي تُبْدِيها الأُسَر الحاكمة في السعودية والإمارات والبحْرَيْن، بشكل خاص…

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.