أمريكا “ديمقراطية” السّلاح، أو دَوْلَة العُنف المُسلّح، وثقافة القَتْل، الطاهر المعز

بعد حوالي ثلاثة أشهر من المداولات وجلسات الاستماع، اتهم نواب الحزب الديمقراطي الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” بعرقلة عمل المجلس (الكونغرس)، وسوء استخدام السلطة في فضيحة “أوكرانيا غيت”، ومساومة الرئيس الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي” على “مساعدات” أميركية بقيمة أربعمائة مليون دولار، مقابل “خدمة”، تتمثل في فتح تحقيق ضد منافسه في الإنتخابات الرئاسية “جو بايدن”، من الحزب الديمقراطي، ونائب الرئيس الأميركي السابق، واتهامه بالفساد المالي والتربح، في قضية شركة “بوريزما” للغاز الطبيعي، التي تعود إلى سنة 2014، عندما كان ابنه (ابن المُنافس الديمقراطي) “هانتر بايدن”، عضواً في مجلس إداراتها…

يعلم قادة الحزب الديمقراطي أن عَزْلَ الرئيس، مسألة عسيرة التحْقِيق، بسبب صعوبة الحصول على العدد الضروري من الأصوات لإقرار عملية العَزْل، في مجلس الشيوخ، ويستهدفون إضعاف “دونالد ترامب” وتشويه سمعته لدى الناخبين والرأي العام الأمريكي، لكن هذه العملية خَدَمَتْ طُموحات الرئيس الملياردير الذي زادت شَعْبِيّتُهُ، مع الأيّام، وتمكّن مُؤيّدُوه (ومن ضمنهم وُعّاظ الكنيسة الإنجيلية الصهيونية) من توسيع نطاق الحملة الدعائية المكثفة وتجذيرها (نحو اليمين المتطرف) ضد الحزب الديمقراطي، لمصلحة دونالد ترامب، وأنشأوا “صندوق الدّفاع ضد العزل”، وجمعوا تبرعات بعشرات ملايين الدولارات، في عدة ولايات…

أعلن الرئيس “دونالد ترامب”، في تغريدة بتاريخ 29 أيلول/سبتمبر 2019، أن عَزْلَهُ (إن تحَقَّقَ) سوف يُؤدّي إلى اندلاع صدامات مسلحة، وإلى نُشُوب حرب أهلية، وفي الحين بدأ رجال الكنيسة في تيار المسيحيين الإنجيليين (الصهاينة) يُحرّضُون رُوّاد الكنائس (خاصة في ولايات الجنوب حيث تنتشر التيارات اليمينية والعُنْصُرية) على التّحرّك لحماية الرئيس، وجمع التبرعات في خدمة هذه الحَمْلَة، وبدأت “الجمعية الوطنية للدراجات النارية”، والتي تضم نحو ثلاثمائة ألف عضو، حملة “لحماية الرئيس ترامب”، وأعلنت استعدادها لتعطيل الحياة في العاصمة واشنطن، للإحتجاج على إجراءات العزل، وأعلنت منظمة “حُرّاس القسم”، اليمينية المتطرفة أنها تَضُم حوالي 25 ألف عضو مُسلّح، معظمهم من الجنود السابقين، ومن عناصر الشّرطة، المُدَرّبين على القتل (قتل السكان السود، بشكل خاص)، وجميعهم متأهّبون لنُصْرَة الرئيس “ترامب”، عبر خوض الحرب الأهلية ضد “اليسار غير الشّرعي” (ويقصدون الحزب الديمقراطي)، في حال عَزْل الرّئيس…

يُقدّر عدد قطع السلاح الناري الفردي في العالم بنحو تسعمائة ألف قطعة، وقَدّرَ تقرير الوكالة الإتحادية لتنظيم الكحول والتبغ والأسلحة الفردية، عدد الأسلحة الفردية التي يمتلكها الأمريكيون بنحو 423 مليون قطعة سلاح، أي أكثر من عدد السكان، ومليارات مخازن الذخيرة، وأن انتشار السلاح يُشكّل “خطراً على الأجهزة الأمنية وعلى سلامة الشعب الأميركي”، وأدّى ارتفاع عدد ضحايا المَجازر التي يرتكبها المُسلّحُون، ومعظمهم من العُنْصُرِيِّين ومن اليمين المتطرف، في الفضاء العمومي، وفي مُؤسسات التعليم، إلى احتدام الصراع بين المُدافعين عن حرية اقتناء وحمل السلاح، ومعارضيهم، وأعلنت بعض الحركات الإنفصالية في بعض ولايات الجنوب، ومن بينها مثل كاليفورنيا وتكساس ومريلاند وكولورادو دعم الرئيس دونالد ترامب…

قدر مركز “بيو” للدراسات أن الأمريكيين يحتلون المرتبة الأولى عالميا في حيازة الأسلحة الفردية، ونَشأ حوالي نصف الشعب الأمريكي في مسكن تتوفر به الأسلحة الفردية، واستخدم أكثر من 72% من الأمريكيين السلاح الناري، وقدّرت منظمة العفو الدولية عدد ضحايا الأسلحة النارية سنة 2016 في الولايات المتحدة، بنحو 38 ألف قتيل، من بينهم 1673 طفل، وحوالي 116 ألف مُصاب بجروح، ولا يُشكّل الأمريكيون سوى حوالي 4% من إجمالي سُكّان العالم، ولكنهم يمتلكون نحو 46% من قطع السلاح الفردي التي يمتلكها المدنيون في أنحاء العالم، وأشار تقرير نشره “مرصد الأسلحة الصغيرة” أن كل مائة أمريكي، يمتلكون 120 قطعة سلاح، لأن 66% من مالكي الأسلحة، يمتلكون أكثر من سلاح واحد، وأن عدد محلات بيع الأسلحة الفردية يفوق 65 ألف محل في مختلف الولايات الأمريكية، مما جعل السلاح، من مُقومات “الهوية الأمريكية”، وأفضَتْ حوادث إطلاق النار إلى قتل حوالي 1,4 مليون أمريكي، خلال خمسة عُقُود، أي بمعدّل حوالي 12 ألف قتيل سنويًّا، وبلغ أحيانًا 33 ألف قتيل، بحسب مركز ( Every Town Research )، الذي يربط ارتفاع عدد القتلى بسهولة الحصول على السّلاح، ولكن الرئيس الأمريكى “دونالد ترامب” يرفض أي نقاش بشأن أي تشريع يفرض قيودًا على حيازة وحمل السلاح، بتأييد من حوالي 55% من الأمريكيين، رغم ارتفاع عدد حوادث إطلاق النار في مؤسسات التّعليم، وقدّر تقرير منظمة العفو الدّولية، أن 58,5% من ضحايا حوادث إطلاق النار، سنة 2016، هم من المواطنين السّود، ليكونوا عُرضة لإطلاق النار ضدهم بنسبة تفوق الأمريكيين البيض (من أُصُول أُوروبية) بعشرين ضِعْفًا، ما يُؤكّد الطابع اليميني والعُنْصُرِي لمسألة الدفاع عن “الحق الدّستوري” في اقتناء وحمل السّلاح الناري الفَرْدِي، مع الإشارة إلى أن الأرقام المذكورة لا تتضمّن عمليات القتل التي تنفذها الشرطة بالأسلحة النارية، لأنها “جرائم قتل مُبرّرة”، لا تُدرج في إحصائيات جرائم القتل الرسمية، وفقاً لبيانات وكالات إنفاذ القانون، الذي أوردته معظم الدراسات حول حوادث إطلاق النار بالأسلحة الفرديّة، وأظْهرت بيانات منظمة الصحة العالمية، امتلاك الولايات المتحدة أحد أعلى معدلات الوفاة الناتجة عن استخدام الأسلحة النارية في العالم، وأشارت بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بين 2010 و 2016، إلى أن الأمريكيين أكثر عرضة للقتل بالطلقات النارية بمقدار 51 مرة، مقارنة برعايا بريطانيا، فيما ترتفع حالات الانتحار باستخدام الأسلحة النارية بثماني مرات عنها في الدول الأخرى…

ارتفع عدد المواطنين الذين قُتلوا في الولايات المتحدة، بسلاح ناري، من قِبَلِ مواطنين أمريكيين آخرين، مع انتشار “ثقافة القَتْل”، ومع تَعَدّد الحُروب العدوانية، التي تخوضها أمريكا في أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا وبلدان إفريقية أخرى، فضلاً عن دعم الإنقلابات والمجموعات اليمينية المتطرفة والمليشيات المسلحة في أمريكا الجنوبية، وفي أوروبا أيضًا (جورجيا وأوكرانيا…)، ما شكّل أرضية خصبة لنمو المجموعات اليمينية المُسلّحة، من المُؤمنين بتفوق ذوي الأصول الأوروبية (البيض) على غيرهم من سكان العالم، فارتفع عدد جرائم إطلاق النار والمَذابح التي يُبرِّرُها مُرتكبوها بِدَوافع عنصرية، وتظهر “ثقافة العُنف” الأمريكية في بعض الأرقام التي أوردها تقرير الأمم المتحدة بشأن العنف، ومن بينها أن 56% من جرائم الاعتداء، و30% من السرقات، و39% من جرائم الاغتصاب، و65% من جرائم القتل التي سجلتها الشرطة، بين سنَتَيْ 2014 و 2017، ارتُكِبَتْ باستخدام السلاح، من قِبَلِ أشخاص سبق أن استخدموا السلاح في تنفيذ جرائم مُماثلة…

نشرت دورية “أمريكان جورنال أوف بريفنتيف ميدسين” دراسة أعَدّها باحثون من جامعة “إنديانابوليس” الأمريكية، وأظهرت الدراسة الإرتباط الوثيق بين امتلاك الأسلحة النارية وارتفاع معدلات ارتكاب العُنف وجرائم “القتل الأسري”، ومعظم ضحايا هذه الجرائم، من النساء والأطفال، واعتمد الباحثون على البيانات الواردة في تقارير مكتب التحقيقات الفيدرالي، التي تضم حوالي 90% من جميع جرائم القتل التي ارتُكبت في جميع الولايات الأمريكية خلال مدة الدراسة (1990-2016)، واستنتجت الدراسة، أن الأفراد الذين يمتلكون السلاح (بمن فيهم أفراد الشرطة) يشكلون خطرًا على أفراد الأسرة، ومعظمهم من الذكور الذين يشكلون خطرًا على حياة النساء والأطفال، داخل الأسرة…   

تُشكل “الرابطة الوطنية الأمريكية للسلاح”، ومُجمّع الصناعات العسكرية، مجموعات ضغط (لوبي) قوية جدًّا في الولايات المتحدة، وتُساهم بتمويل الحملات الإنتخابية لعدد هام من النواب، من الحِزْبَيْن، وتمنح أموالاً، بأشكال مُتشعّبة، للعديد من النّواب، مقابل رَفْضِ أي تعديل لقانون حيازة السلاح، بحسب مؤسسة “صن لايت فاونديشن” (04/08/2019)، وهي هيئة أمريكية تنشر تقارير عن “الشفافية في الولايات المتحدة”، كما نشرت صحيفة “غارديان” تقريرًا مماثلا (بتاريخ الثامن من آب/أغسطس 2019 ) أثْبَتَ أن “غالبية نواب مجلس الشيوخ الذين رفضوا تعديلات القانون تلقوا تبرعات من لوبيات الأسلحة”، ويُعتبر “دونالد ترامب” أحد أهم المدافعين عن حرية بيع وامتلاك السلاح، ورَفَضَ، خلال كلمة في مؤتمر “الرابطة الوطنية الأمريكية للسلاح”، في أيار/مايو 2018، تشديد قوانين حيازة الأسلحة، رغم حادثين متتاليين لإطلاق الرصاص في مؤسسات التعليم، وعشرات القتلى من الشباب، وبدل تشديد القوانين، طالب ترامب بتسليح المعلمين في المدارس…

إن هذه الدّولة الفاسدة من أساسها، والتي قامت على العُنْف المُسلّح، عبر الإبادة والمجازر الجماعية لعشرات الملايين من السّكّان الأصليين، والإستيلاء على أرضهم ووَطَنِهِم، وعلى اختطاف عشرات الملايين من سُكّان إفريقيا، وتحويلهم من أفراد أحرار إلى عبيد، تسمح لنفسها، بفضل القُوّة العسكرية وترسانة أسلحة الدّمار الشامل التي تمتلكها، باحتلال بلدان أخرى وتقتيل الملايين من البشر، باسم الدفاع عن الديمقراطية، والحُرّيات وغير ذلك من الأكاذيب، ولذلك فإن الولايات المتحدة، كدولة امبريالية مُهَيْمِنَة، تُشكل أكبر خطر على شعوب العالم…

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.