أمريكا “عَسْكَرَة” السياسة الخارجية والإقتصاد، الطاهر المعز

نُسِبَت إلى الرئيس الأمريكي “ثيودور روزفلت” (1858 – 1919) والذي حكم بين 1901 و 1908، ما سُمّيت “إيديولوجيا العصا الغليظة” أو ( Big Stick Ideology )، للتعامل مع من تُصنّفهم الولايات المتحدة “أعداء مُحْتَمَلِين”، ولخّص “روزفلت”، سنة 1905، هذه العقيدة بحمل عصا غليظة، مع الحديث بهدوء ( Speak softly but carry a big stick )، ومُنْذُ نشْأَتِها، تعاملت الولايات المتحدة مع جميع دول وشُعوب العالم بهذه العقلية، ووِفْقَ هذه العقيدة، لكن العصا الغليظة أصبحت قنابل نَوَوِيّة سنة 1945، في هيروشيما وناغاساكي (اليابان)، ويورانيوم مُنَضّب في العراق، وأسلحة دمار شامل، في كافة البلدان التي استهدفتها الإمبريالية الأمريكية، وكانت هذه البلدان ضحية لموقعها الجغرافي الإستراتيجي، أو لثرواتها، أو لسبب آخر، خصوصًا منذ انهيار الإتحاد السوفييتي، لتتحول وزارة الخارجية الأمريكية إلى وزارة دعاية (برُوبَغَنْدَا) هدفُها تهْيِئة الرأي العام الدّاخلي والخارجي لدَعْمِ لحروب المُقْبِلَة، لتصبح الدّبلوماسية أداة حَرْب، بدَل أن تكون أداة حِوار لِتَجَنُّب الحُرُوب والخراب والدّمار، فالعُنْف من المُكَوّنات الأساسية لنشأة الولايات المتحدة الأمريكية، سواء على الصعيد الداخلي ( راجع: أمريكا “ديمقراطية” السّلاح، أو دَوْلَة العُنف المُسلّح، وثقافة القَتْل – الطاهر المعز 22/12/2019 )، أو على صعيد العلاقات الخارجية، مع بقية دول وشعوب العالم، رغم محاولات التّعْمِية، عبر الدّعاية الإعلامية ومؤسسات مثل “يو إس آيد” (الوكالة الأمريكية للتعاون الدولي) وتمويل منظمات مُصَنّفَة “غير حكومية”، وغير ذلك من الوسائل المُصاحبة للعنف الإمبريالي الأمريكي، ونُذَكِّرُ أن صفقات السّلاح تحتاج موافقة وزارة الخارجية الأمريكية، قبل إقرارها نهائيًّا…

تَقْتَصِر الفَقرات المُوالية على مثال واحد لعسْكَرة العلاقات الخارجية الأمريكية، عبر التعليق على باب واحد من أبواب ميزانية وزارة الحرب الأمريكية، لسنة 2020…   

وقَّعَ الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” في قاعدة “أندروز” العسكرية، يوم الجمعة 20/12/2019، على ميزانية الحرب للعام 2020، بقيمة مُعلنة قدرها 738 مليار دولارا (لا تتضمن العديد من الأبواب، مثل التجسس العسكري ورواتب المتقاعدين وغير ذلك)، بعد إقرارها، بشكل نهائي، من قِبَل “الكونغرس”، وتتضمّن ميزانية الحرب فرض عقوبات إضافية على سوريا وإيران وكوريا الشمالية، وكافة خُصُوم ومنافسي الولايات المتحدة، وتخصيص أموال “لمواجهة روسيا” في مختلف المجالات، الإقتصادية والعسكرية والتجارية والمَصْرِفية وغيرها، بما في ذلك فرض عقوبات على شركات السفن العاملة في بناء خطوط نقل الطاقة (الغاز) التي تسهم في زيادة حجم الصادرات الروسية من الطاقة، ومنها مشروع “السيل التركي” لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر تركيا، و”السيل الشمالي 2 ” (نورد ستريم – 2″، من روسيا إلى شمال ألمانيا، بحسب وكالة “إنترفاكس” الروسية (الأحد 22/12/2019)، كما تضمنت الميزانية تخصيص نحو نصف مليار دولار، معلنة، لدعم المجموعات الإرهابية في سوريا (قسد وتوابعها)، ونحو 645 مليون دولارا، لمجموعات إرهابية موالية لأمريكا، في العراق، واعترَفَ بعض أعضاء الكونغرس بوجود ميزانية سِرِّيّة، لا يقع الإعلان عنها، لدعْمِ مجموعات إرهابية أخرى في سوريا، وتمويل عمليات تخريب تشرف عليها وتديرها وتدعمها المخابرات العسكرية الأمريكية…

استنكَر ناطق باسم الإتحاد الأوروبي (حليف أمريكا والمُكون الأساسي لحلف شمال الأطلسي العدواني) العقوبات الأميركية التي استهدفت الشركات المساهمة في بناء خط “نورد ستريم”، وهي شركات أوروبية، لكن الرّد الأوروبي “المائع والمُحْتَشَم” لا يتجاوز حُدُودَ الإستنكار اللفظي، رغم الأضرار الكبيرة التي لحقت الشركات الأوروبية، جرّاء القرارات الأمريكية المُتتالية منذ الأزمة المالية (2008- 2009) ورغم الغرامات المرتفعة التي أقرّتها السلطات الأمريكية ضد المصارف وشركات صناعة السيارات وشركات صناعة الطائرات، وشركات التقنية، وشركات الطاقة الأوروبية، التي قد تُنافس الشركات الأمريكية، في أي مكان من العالم، وخصوصًا في داخل أمريكا الشمالية، وتكمن أسباب تَشَبُّثُ الولايات المتحدة بفرض عقوبات تستهدف صادرات المحروقات الروسية، في زيادة إنتاج الغاز والنفط الصّخْرِيَّيْن، في الولايات المتحدة، التي تحاول احتكار السوق الأوروبية، والآسيوية، بعد قرار الكونغرس الأمريكي رفْع الحَظْر عن تصدير المحروقات الأمريكية، الذي كان نافذًا منذ 1974…

يستورد الإتحاد الأوروبي ثُلُثَ حاجته للغاز من روسيا، وتمكنت الولايات المتحدة من إفشال مشروع خط “السيل الجنوبي”، الذي كان مُقرّرًا أن ينقل الغاز الروسي إلى موانئ اليونان وإيطاليا وجنوب أوروبا، وحاولت أمريكا إفشال بناء خط السيل الشمالي 1 ثم السيل الشمالي 2، الذي يصل روسيا بشمال أوروبا، وفرضت عقوبات على عدد من الشركات الأوروبية، وخاصة الشركات الألمانية، ويُتوقَّعُ أن يَنْقُلَ خط الأنابيب “السيل الشمالي 2 ” حوالي 55 مليار متر مكعب سنويا، من الغاز الروسي إلى ألمانيا عبر بحر البلطيق، أم خط “السيل التركي”، فسوف ينْقُلُ نحو 15,75 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً في مرحلة أولى، ومثلها في مرحلة ثانية، من روسيا إلى تركيا مروراً بالبحر الأسود، بحيث يُغذي الأنبوب الأول تركيا، والثاني دول شرقي وجنوبي أوروبا…

وردت معظم البيانات في برقيات صَدَرَت عن وكالات “إنترفاكس” (روسيا) و “بلومبرغ” (أمريكا) و “رويترز” (بريطانيا) و “أ.ف.ب” (فرنسا) 21 و 22/12/2019 

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.