كوبا تُثبّت اشتراكيّتها: المزيد من التقديمات الاجتماعية في موازنة 2020

تُنهي كوبا سنة الـ2019، بخطوتين: إعادة منصب رئيس الوزراء، بعد أن كان فيديل كاسترو آخر شخص يشغله في الـ1976، ومناقشة موازنة الـ2020 التي تمّ تثبيت طابعها الاجتماعي واستمرار توفير الخدمات الاجتماعية الأساسية للسكان. «كلّما ازداد العدوان، ازدادت الوحدة. وكلّما اشتد الحصار واجهناه بالمزيد من الاشتراكية»، قال وزير الاقتصاد والتخطيط الكوبي، أليخاندرو جيل فرنانديز، خلال جلسة الجمعية الوطنية للسلطة الشعبية يوم السبت. كلام الوزير يُشير إلى «استثنائية» الحدثين، فسنة2019 كانت من أقسى الأعوام على كوبا، منذ إعادة العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة في الـ2014 – 2015. صاعدت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب من حدّة العدوان الاقتصادي، مانعةً بواخر النفط من الوصول إلى الجزيرة، ما تسبّب بأزمة محروقات خانقة وانحسار التنقلات الداخلية. أُلغيت رحلات جوية، وقُيّدت حركة السفن السياحية، كما أُلغيت تحويلات وخدمات طبية، وازداد النقص في بعض المواد الغذائية. «جريمة» كوبا الجديدة، أنّها دعمت الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. فأتت سياسة «ليّ الذراع» الأميركية، وفرض وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على شركات عدّة لنقلها النفط الفنزويلي إلى كوبا، لإجبار الأخيرة على التراجع عن موقفها، فردّت هافانا بالمزيد من «العناد»… والاشتراكية. فبحسب رئيس الجمهورية ميغيل دياز – كانيل، «كان عاماً مليئاً بالتحديات والتوتر والعدوان من واشنطن، لكننا ما زلنا على قيد الحياة».

على أبواب الذكرى الـ61 لانتصار الثورة، وجدت كوبا أنّه من الضروري البحث عن «دعائم» لتمتين الصمود. الخطوة الأولى تمثّلت في إعادة منصب رئيس الوزراء، وهو واحد من نتائج تعديل الدستور في نيسان الماضي. مانويل ماريرو، هو رئيس مجلس الوزراء الجديد. وأوردت جريدة «غرانما» أنّه «سيُعاون رئيس الدولة، في أداء مَهام الحكومة». لا تكمن «أهميته» فقط في أنه أول شخص يتولى المنصب بعد «سلفه» فيديل كاسترو، بل في كونه يشغل منصب وزير السياحة منذ الـ2004. فاعتباراً من بداية القرن الـ21، سعت الدولة لتحويل السياحة إلى مصدر رئيسي للدخل، وهو (إلى جانب الزراعة) عنصر أساسي لكوبا في مواجهة الحصار. من هنا تأتي دلالة اختيار مانويل ماريرو للمنصب الرفيع في الدولة، وتأكيد على أنّ السياحة ستستمر في لعب دور رئيسي لتنمية الاقتصاد خلال هذه المرحلة العصيبة.

تمتد ولاية ماريرو لخمس سنوات، وقد صوّت له أعضاء البرلمان بعد أن رشّحه الرئيس ميغيل دياز – كانيل، وموافقة المكتب السياسي للحزب الشيوعي الكوبي على الاقتراح. خرّيج الهندسة المعمارية، شغل في الـ1999 منصب نائب رئيس مجموعة غافيوتا الفندقية التابعة للقوات المسلحة، والتي فرضت إدارة ترامب عقوبات على عددٍ من فنادقها. في الـ2000، أصبح ماريرو رئيساً لـ«غافيوتا»، وبقي في المنصب حتى الـ2004، تاريخ تعيينه وزيراً للسياحة.
النقطة الثانية المهمة في جلسة الجمعية الوطنية، التي شارك فيها الأمين العام لـ«الشيوعي» راؤول كاسترو، مناقشة الموازنة العامة لعام 2020، وتقديم وزير الاقتصاد والتخطيط لتقرير عن نتائج الـ2019 الاقتصادية. فاعتبر أنّ «النمو الاقتصادي يجب أن يتحقّق عبر زيادة الإيرادات». فيما اعتبرت وزيرة المالية ميسي بولانيوس فايس أنّ الموازنة المُقدّمة «تؤكد على طابع الدولة الاجتماعي التاريخي، من خلال ضمان توفير الخدمات الاجتماعية الأساسية، وتنفيذ السياسات الاجتماعية المعتمدة، بما فيها استمرار الزيادة الجزئية في رواتب الموظفين في كلّ القطاعات الواردة في الموازنة والمعاشات التقاعدية»، ما أدّى إلى ارتفاع متوسط الراتب من 667 بيزو إلى 1067 بيزو. ورغم التدابير القسرية التي طبّقتها حكومة واشنطن ضدّ كوبا، فإنّ الأخيرة مُصرّة على استمرار تقديم الخدمات في المؤسسات الصحية والتعليمية. فعلى سبيل المثال، ستبلغ موازنة الصحة العامة والمساعدة الاجتماعية 12 مليار و740 مليون بيزو، أما التعليم فـ11 مليار بيزو، ونفقات الضمان الاجتماعي 7 مليارات و546 مليون بيزو.
من جهته، توقّع وزير الاقتصاد والتخطيط الكوبي، أليخاندرو جيل فرنانديز، أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي سنة 2020، حوالى الـ1%، كخطوة أولى من خطة التنمية حتى الـ2030. وسيتحقّق هذا الهدف «من دون زيادة المديونية الخارجية للبلاد، لأننا سنبذل جهداً كبيراً وانضباطاً ونبحث عن البدائل». وقدّم فرنانديز سرداً عن «استعار الحصار الاقتصادي والتجاري والمالي الأميركي على كوبا، بقرار منع دخول الوقود، ما انعكس سلباً على وسائل النقل العام والزراعة وإنتاج الأغذية وتوزيعها». على الرغم من ذلك، «لم نُطبّق أي إجراءات نيوليبرالية، أو نُغلق المدارس والمستشفيات، ولم نفرض زيادة على أسعار الوقود والكهرباء». على العكس من ذلك، «لم يشهد الاقتصاد الكوبي تراجعاً في الـ2019، ما شكّل اختباراً للصمود والاحتياطات الداخلية التي لدينا، ولو أنّنا لم نستطع تحقيق جميع الأهداف المُخطّط لها».
وقال وزير الاقتصاد إنّه سيتم توظيف الأرباح من العملات الأجنبية، «لإعطاء الأولوية لشراء الأغذية والأدوية والوقود والأسمدة والمبيدات الحشرية ودفع الديون وتمويل الصناعة الوطنية». ومن المتوقّع، أن يتم استهلاك «حوالى ثمانية ملايين طن من الوقود، ثلاثة ملايين منها (38%) من الإنتاج الوطني». وستُساهم مصادر الطاقة المتجدّدة، بنسبة 6.5%، لتوليد الكهرباء. وختم وزير الاقتصاد بأنّه ستُضاف استثمارات جديدة إلى القيمة الإجمالية البالغة 12 مليار بيزو، «ما يُمثل نمواً بنسبة 19%، ما يعني أنّه حتى في عزّ القيود، لا نتخلى عن التطوير».

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.