هناك تطبيع ولكن…لا يوجد مطبعون! ثلاثتها حاضن واحدها للأُخرَيَيْن، حلقة (3من 3)، عادل سماره

“وسوى الروم خلف ظهرك رومٌ… فعلى أيِّ جانبيك تميلُ- المتنبي


“فكم فارس تبقَّى على ساحة الإلتزام”- أحمد حسين

شكرا لكل من تفاعل مع سؤال: أيها الأخطر التكفير ام التطبيع أم الفساد، وشكرا على الملاحظات المميزة للأصدقاء والرفاق هم/هن.
صحيح ما قال به معظم من اهتموا بالسؤال بان الأمور الثلاثة، الفساد والتكفير والتطبيع، مترابطة ويفتح واحدها على الآخر. وصحيح ايضا أن ما أُسمي “الحوار مع الكيان الصهيوني وايلولته إلى المفاوضات جرت تغذيتها، مكافأتها بالمال المسموم الذي تدفق دونما رقابة من مصادره وبقصد مما قاد إلى الفساد والذي بدوره جعل التطبيع شرطاً لاستمرار التمويل، وهو ما اسميناه ذات وقت: “دفع ريع مالي مقابل تنازل سياسي”. هذا جميعها بشكل خاص في المستوى الفلسطيني.
أما في المستوى العربي فالفساد أمر مُقرٌّ به دولياً حيث تُصنَّف الأنظمة العربية، وإن بدرجات، في أسوأ حالات الفساد. واللافت أن التطبيع بدأ علانية مع الأنظمة العربية قبل أن يأخذ شكله الرسمي في قيادة م.ت.ف. بل تم مع الدولة العربية الأقوى والأم أي مصر مما يعني أن التطبيع هو الطبعة الأخطر في استهداف الوطن العربي وهو الاستهداف الذي بدأ في مرحلة الإقطاع بغزوات الفرنجة التي هُزمت أخيراً كي يتجدد في عصر راس المال بنجاح واضح.
كان إخراج مصر من الصراع عبر التطبيع مع النظام المصري في اتفاقات كامب ديفيد هو تدشين التطبيع على الصعيد العربي، وإن تم ذلك خفية وتدريجياً إلى أن وصل اليوم إلى اصطفاف انظمة الخليج إلى جانب الكيان الصهيوني ضد القضية الفلسطينية وضد المشروع العروبي.
من هنا، يصح زعمنا بأن التطبيع هو جوهرياً، استدخال الهزيمة من مختلف الأطراف التي تورطت فيه سواء الأنظمة أو الأحزاب أو الأفراد. ويعني استدخال الهزيمة أن يقتنع المرء ويفكر ويتصرف ويتعامل ويتصل ويتحدث وينصح ويشرح ويتعلم ويُعلِّم كمهزوم معتبراً الهزيمة حالة دائمة لا خروج منها أي الوضع الطبيعي.
وقد يصح الزعم ايضاً، بأن التطبيع كاستدخال للهزيمة لم يكن له أن يتحقق ، وإن بدرجات، هنا او هناك لولا أن الأنظمة العربية في معظمها قد مارست على الشارع العربي كل من التجويف والتجريف. اي تجويف الوعي بتكريس ثقافة الهزيمة ورفض الحزبية والتفكير الذاتي الفردي، ورفض السرديات الكبرى مما جعل تجريف الثروة من الأمور العادية والسهلة سواء تجريفها على يد الحكام ومن ثم تصريفها إلى المركز الإمبريالي سواء إلى المصارف المركزية او التجارية أو نهب الثروات على يد الشركات عابرة القوميات سواء منها النفطية أو الصناعية.
في الرحم الموبوء لمناخ استدخال الهزيمة كان بوسع الإمبريالية توليد أداة خاصة بها وهي القوى التكفيرية التي تم تجريفها من قاع المجتمع وحقنها بفكر الدين السياسي زعما بأن هذا هو الدين الذي عليها “إعادة” الجمهوريات العربية إليه على اعتبار أن أنظمة الدين السياسي الوهابية والإخوانية في الخليج خاصة هل على الطريق الصحيح رغم أنها مرتعاً للنهب الغربي الراسمالي.
كان لا بد لهذا التجنيد التكفيري كي ينجح أن يلتهم مصدرين من أهم، بل أهم مصادر تطور اي بلد وهما:
• فائض القوة البشرية، أي القوى الشابة لتشغيلها في المذبحة مدفوعة بالشحن بالدين السياسي المضاد للعروبة
• وفائض الثروة، أي راس المال حيث تم تسخير تريليونات الدولارات على مشروع التدمير هذا.
وإذا كانت الولايات المتحدة خاصة بعد الطفرة النفطية 1973 و 1980 قد تمكنت من امتصاص فوائض النفط سواء عبر رصد هذه الفوائض في مصارفها أو شراء وتكديس الأسلحة أو تسليم الأموال للولايات المتحدة لتقوم شركاتها بتنفيذ بنية تحتية من طرق وجسور ومطارات في الخليج خاصة (أنظر كتاب اعترافات قاتل اقتصادي –جون بيركنز) ، فإن مشروع تشكيل جيوش الإرهابيين التكفيرين كان لمواصلة شفط فوائض النفط الخليجي وتفعيل الأسلحة المكدسة في الخليج وخاصة في السعودية والإمارات ضد اليمن تحت مزاعم محاصرة “النفوذ” الإيراني هناك وتدمير الحواضر العربية الأخرى، القاهرة ، ودمشق وبغداد خدمة لمصالح العدو الغربي والصهيوني.
من هنا، يمكننا رؤية الرابط بين التطبيع والفساد والتكفير والتخادم المتبادل بينها مع الاعتبار بأن التطبيع هو الحاضنة الأساس للخطرين اللآخرين. ولذا علينا أن نلاحظ بأن تراجع القوى التكفيرية، على الأقل، بانكشافها وهزيمتها ميدانيا في أكثر من قطر عربي، إلا أن الفساد والتطبيع، وخاصة التطبيع يواصل دوره التخريبي على الصعيد العربي وضمنه الفلسطيني.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.