كي تكون ثورات لا تواصُلاً للاختراق وهيمنة ثالثة (الحلقة الرابعة)، عادل سمارة

  • شفق المقاومة أتى من بعيد
  • الثورة الثالثة … وإن طال السفر

في كل تلك العتمة كان ضوء ينوسُ من البعيد، ضوء المقاومة الفلسطينية الذي بدأ فور هزيمة 1967. وطوال مسيرته الشاقة واكبه ثالوث الثورة المضادة كلما استقام ضغط عليه للإنحناء والانحراف سواء بالمال أو بالمذابح إلى أن استدخلت قياداته الهزيمة، فكانت اتفاقات كامب ديفيد  وأوسلو-ستان ووادي عربة ومثيلاتها السرية في الخليج كل الخليج وليست قَطَر وحدها. ولكن من رحم هذه المذبحة تولد مخاض الأمة، فكان ما لم يدركه الكثيرون بهزيمة القوات الأميركية في الصومال 1993 وسحل ذوي الرقاب الحمر في الحارات الترابية في مقديشو، ثم طلوع قمر المقاومة اللبنانية بداية بالقومي السوري والشيوعيين وارتقاء إلى اسلامية بحزب الله الذي حقق أول انتصار بتحرير الجنوب اللبناني 2000 ورد عدوان 2006 ملحقاً به ليس الهزيمة وحسب بل طلب وقف النار والتوقف عن استسهال العدوان أنَّى طاب له ذلك. وواكبت هذه المقاومة الثورة المضادة حتى غدٍ، كيف لا وهي حاذقة وتعرف عدوها وعدوها أساساً داخلي، فما أكثر من يبحثون عن أتفه المبررات للطعن في انتصار حزب الله!. وكانت معركة مخيم اللاجئين في جنين ملحمة أكدت دور المقاتل والبندقية في مواجهة الدبابة، وصولاً إلى صمود غزة 2008 ثم كان احتلال العراق وبزوغ فجر المقاومة فوراً. وكانت النتيجة قرار العدو بإخراج معظم قواته لفرط ما أصيب من ضربات المقاومة، ولم تنته المعركة بعد في العراق.

هي الشحنة الروحية النابعة من قوة الوجود في التاريخ والقدرة على النهوص التي كشفت عنها المقاومة من المحيط إلى الخليج، شحنة الثقة أن هناك ما يمكن أن يُفعل، فما دمت تقاوم انت على طريق الانتصار. كانت المقاومة هي المقدمة الموضوعية للانفجار المتسلسل بدءا من بوعزيزي عود الكبريت الآدمي وصولاً إلى حواف آبار النفط: “إننا نفعل شيئا ما إذن”. وبوضوح، إن المقاومة هي المفجر الحقيقي للحراك العربي الذي راكم جراء التجويف والتجريف والضبط، ولكنه ما زال حراكاً طرياً، يجب أن نخاف عليه كي لا يؤول إلى ما نخاف منه.

هذا الاشتعال من المحيط إلى الخليج على تنوعه ودرجاته من التدفق الشعبي في تونس إلى الفتاة منال السعودية التي قادت سيارتها رغم أنف الملك الذي راقص بوش بالسيف الذي قطع به بوش عنق الرئيس صدام حسين. كل تحرك على طريقته وطبقاً لما عليه الحال، ولكنه حراك طري.

لم تغفل الثورة المضادة لحظة، بل واكبت الثورة الشعبية خطوة خطوة، وتحاول اليوم سبقها، كل معسكر أعاد تموضعه واصطفافه وعلى اسس طبقية بغض النظر عن حدود نضجها.

ليس صحيحاً الزعم أن الثورة المضادة باشرت الرد بعد اشتعال الحراك الشعبي بوقت ضئيل. إن لم تكن هناك ثورة مضادة واختراقات في الجسد العربي لا مثيل لها تاريخياً وعالمياً، فما ضرورة الثورة إذن؟ كلتاهما دائمتان وهذا معنى  الصراع. ما يحصل في الوطن العربي أن الثورة المضادة وللمرة الأولى في حالة رد لا حالة مدّْ، وهي تحاول الآن أخذ زمام المبادرة. لذا يُحال دون اكتمال الثورة العربية الأولى، الثورة الوطنية الشعبية التي ما تزال  ديمقراطية على النمط الغربي المتآكل وبعضها بلون أميركي زائف، كي لا تنتقل إلى الثورة الثانية الثورة الوطنية القومية بالانتقال إلى التأميم والقطاع العام وإعادة توزيع الأرض المقتنصة وتجليس الموقف القومي عامة وضد الكيان خاصة، والثورة الثالثة الطبقية إلى الاشتراكية. فالبقاء عند الثورة الأولى لا يكفي ويحمل في أحشائه إمكانية الردَّة والتي ليس شرطاً أن تُعيد الشخوص السابقة، بل تُبقي على النظام نفسه بمكياج ديمقراطي غربي. لا بل اثبت التاريخ أنه حتى الرِدة لا تعيد تماما ما كان .

في كل قطر عربي تشدد الثورة المضادة هجمتها متنوعة طبقاً لتنوع الثورات نفسها. وهذا يرتد إلى أكثر من عامل أهمها المرونة”الثورية” للثورة المضادة من جهة وجاهزية الاختراق في القُطريات العربية من جهة ثانية وكلتيهما ضمن خطة استمرار السيطرة على الوطن العربي بغض النظر عن التسمية.

قد لا يرتاح البعض لوصف الثورة المضادة بالثورية من حيث التحرك والفعل والأداء الخطر، ولكن بمقارنة مستويين من الحدث يمكننا توضيح ذلك: ففي حين انتقل الحراك الشعبي من قطر إلى آخر، لكن ما من حراك في قطر تواصل بالدعم مع قطر آخر ربما لانعدام الإمكانية على الأقل في هذه الفترة، بينما تقوم الثورة المضادة بالتحرك والتواصل من مشرق الوطن العربي إلى مغربه سواء مستخدمة السلاح (باحتلال السعودية والإمارت للبحرين، أو مشاركة مجلس التعاون الخليجي في قصف ليبيا إلى جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) أو الحرب الوقائية (ضم المغرب والأردن إلى مجلس التعاون الخليجي[6]) والشغل اليومي لتفكيك محور المقاومة والممانعة. إذن حتى الآن هناك قيادة موحدة وطبقية للثورة المضادة وهناك قيادات متعددة للثورة الشعبية التي تشارك فيها اكثر من طبقة ولكن في كل قطر على حدة.

كل شيء يتغيَّر بغض النظر إلى أين!

ما زال مستغرباً ذلك التفكك السريع لأجهزة القمع في تونس ومصر. هل أحرجهم ذلك الحراك الملاييني السلمي فتطوعوا بالتنازل؟ هل يأبه الفاسدون والعملاء[7] وراس المال لدماء الناس لو سالت في الصراع؟ من يخلو من الوطنية هل يمكن ان يتمسك بالإنسانية؟ لقد سقطت ضحايا في الثورتين، ولكن طبقاً لطبيعة التناقض والصراع كان ذلك سلمياً.  فلا يمكن لصراع طبقي أن يكون ياسمينياً، لا تسمح المصالح الطبقية بذلك، إلا حين تتأكد أن مصالحها في أمان. وهذا ما يدور في مصر وتونس اليوم.

هرب رئيس وتنحى آخر، وبقيت بنية النظام على حالها، راس المال يستغل والمجلس العسكري يمنع تظاهرات العمال ويتهمهم بتخريب الاقتصاد. نحن إذن أمام حالة طبقية تطالب العمال بثورة مؤدبه سقفها الصراخ في الميادين.

جرى ترقيع الدستور الموروث من عهد مبارك، تماماً كما جرى ترقيع النظام، وتغيرت التحالفات سريعاً، إذ أفتى الإخوان المسلمون بأن الدعوة لدستور جديد هو كفر. لا معنى لهذا سوى استخدام القرآن وتوظيفه: ” وأطيعوا الله والرسول وأولي الأمر”، والمقصود هنا أولي الأمر فقط. كما تقرر السير إلى انتخابات مبكرة قبل أن يلملم جيل الثورة تجربته وينتظم. هذا يعيدنا إلى المديح التضليلي الذي ساد مع بداية الحراك الشعبي أو الثورة: “الافتخار بأن لا راس ولا قيادة ولا إيديولوجيا للثائرين”. ليكتشف الجميع اليوم ان هذا كعب أخيل للثورة، فيسارعوا للانتظام ليجدوا في طريقهم الغام ترقيع الدستور والانتخابات المبكرة. هذه إحدى نتائج التجويف، طبقات بلا أحزاب وأحزاب بعيدة عن الطبقات باستثناء راس المال وحزبه الحاكم. بينما الطائفية تحرك الملايين وحتى بعد اشتعال الثورة. ما اشبه هذا بذاك، في سوريا، نعم لم يقم النظام بالإصلاح سابقاً، واليوم وهو يهرول للإصلاح تمنعه الثورة المضادة من ذلك لأن المطلوب هو الوطن السوري لتدمير معسكر المقاومة والممانعة. فكيف لا نقول ان الثورة المضادة تسير معنا خطوة على خطوة! رجلي على رجلك.

يوم الجمعة 27 ايار، رفض الإخوان المشاركة في جمعة الغضب لتجديد الثورة ولمطالبة المجلس العسكري بالرحيل وبدستور جديد وبإسقاط اتفاقات كامب ديفيد والغاز والكويز. وكان قد تردد أن قيادة الإخوان في مصر قد عقدت صفقة مع الولايات المتحدة والمجلس العسكري وراس المال بأن تلتزم بالاتفاقات مع الكيان. ولكن ما قطع الشك باليقين المقابلة لساعة كاملة على فضائية المنار وقد قال فيها السيد محمد الجزار أحد قادة الإخوان: “بخصوص اتفاق كامب ديفيد نحن مع ما يقرره الشعب المصري، نحن لسنا في السلطة وليست لنا أغلبية في البرلمان”. فسأله عمرو ناصف، حتى الآن لم تعرفوا موقف الشعب المصري من كامب ديفيد؟، فكرر نفس الإجابة. من جهة أخرى، لم يتغير دور جهاز المخابرات المصرية الذي كما يبدو لم يتغير سوى راسه، بل وظل هذا الراس مستشاراً سرياً للجهاز، هذا ما أكده صديق حضر مصالحة فتح وحماس.

وطالما قيادة الجيش أمريكية الارتباط والتموُّل، هل كان لأميركا والغرب يداً في تسريع تدخل الجيش لاقتلاع رأس النظام والحفاظ ما امكن على النظام؟ هل كانت قيادة الجيش براجماتية بحيث تلعب لعبة الشد والمد طبقاً لقدرتها على الضبط واستعداد الجماهير للتقدم أو التراجع؟ إن صح هذا، لا يعود النقاش أن الجيش وطني أم لا، فهذه خطاب، بل المسألة اين تقف قيادة الجيش طبقياً، وكيف توازن بين مصالحها وارتباطاتها ومعيار القوة بينها وبين الجماهير، وذلك مرهون طبعاً بحدود انتظامية الطبقات الشعبية انتظاماً ثوريا صراعياً.

والسؤال، بعد عدة اشهر هل تراوح الثورة في مكانها أم أن طبيعة الثورات الشعبية تتطلَّب شكلاً من اشكال حرب الغوار أو حرب الموقع، رغم أن الثورة كسرت الموقع الرئاسي. قد يعيدنا هذا إلى ما كتبنا عنه سابقاً إلى التجويف والتجريف والضبط. فلا شك أن التجويف السياسي والتنظيمي للأحزاب لعب دوراً تجلى في غياب القوى الحزبية القادرة إما على تحريك الطبقات الشعبية أو التقاط اللحظة الحاسمة لقيادة الحراك في مقابل ضبط النظام له، وحالة التجويف الحزبي منطبقة على سائر الوطن العربي باستثناء حالة حزب الله في لبنان.

من هنا ندرك الخاصرة الضعيفة في الثورة المصرية، وإن كانت تونس أفضل قليلاً. حتى الآن، لا يبدو أن الشارع المصري وتحديداً القوى الشبابية والطبقة الوسطى “إجتماعياً وحتى عمرياً” قد بلورت بنية تنظيمية محددة وذات اثر قيادي دون أن ننسى ان بلورة تنظيم ليغدو فاعلا وقيادياً ليست مسألة زمن قصير! وهذا يرتد إلى الضعف الموروث للحركة الحزبية. ومن هنا خطورة الركون إلى الاندفاعات الجماهيرية دون تحديد رؤية وتبلور تنظيم يشغل الساحة السياسية اليومية. ولو توفر هذا إلى جانب يقظة الجماهير لكان عظيماً بمعنى أن الحالة الثورية النموذجية أن يكون التنظيم رهن رؤية الطبقات الشعبية المتيقظة والمنخرطة في معمعان الصراع.

والرؤية هنا بالتحديد تعني الانطلاق من العمق القومي التاريخي إلى البعد القومي الوحدوي والجغرافي في وطننا للعرب وغير العرب باستثناء الصهاينة. وطننا للمرأة والرجل، هو الديمقراطية الشعبية والديمقراطية الاقتصادية  والفكرية والسياسية، هو البعد الاشتراكي بلا مواربة.

ما يجري في تونس اليوم هو محاولات النظام “الجديد” الذي يحمل الكثير من بقايا القديم، استعادة دور سلطوي يقرر نيابة عن الشارع الذي اسقط الرئاسة السابقة. لذلك عاد، وربما بنفس قيادات الأجهزة السابقة للاعتقالات وإطلاق النار لقمع الاحتجاجات السلمية. لقد احزنني ما قاله رفاق تونسيون من حزب العمال الشيوعي مؤخراً لكاتب ماركسي بريطاني، صموئيل إلبرت: “اليوم… لا ندري ماذا نفعل”!

____

[6] كان الجانب التنفيذي لهذا العرض هو إرسال قوات اردنيةمباشرة إلى البحرين للمساهمة في قمع الثورة الشعبية هناك.

[7] هل كثيراً وصف هذه الأنظمة بالعمالة؟ أليس الفساد في مستوى تخريب العمالة؟ ما معنى تفجير كنيسة الاسكندرية على يد وزير داخلية نظام مبارك؟ وما معنى اتفاقية كامب ديفيد؟

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.