الهند، من حركة “عدم الإنحياز” إلى المحافظين الجدد والصهيونية، الطاهر المعز

مقدمة:

كان جواهر لال نهرو (1889 – 1964 ) أحد زعماء حركة مقاومة الإستعمار البريطاني، من أجل استقلال الهند، وأصبح أول رئيس وزراء للهند بعد الاستقلال، من 15 آب/أغسطس 1947، إلى تاريخ وفاته، وهو أحد مُهندِسي مؤتمر “باندونغ” (1955) التّحضيري وأحد مؤسسي حركة عدم الانحياز التي انبثقت عنه، سنة 1961، وعمل على توحيد مختلف مكونات مجتمع الهند، للنضال جميعًا من أجل الإستقلال، ثم من أجل بناء الإقتصاد والدّولة، بشكل مستقل عن الإمبريالية، واختلف مع “غاندي” (الذي كان مُعادِيًا للإشتراكية وللعلمانية) بشأن مكانة الدّين في الهند المُستقلة، وبشأن خطط التنمية، وبشأن العلاقات مع الدول الإشتراكية، وزادت شعبية “نهرو” خارج الهند بفضل رفضه هيمنة الإمبريالية على مصير الشعوب والبلدان حديثة الإستقلال، ووَرث عن أبيه مقاومة الإستعمار والظّلم، كما ورثت عنه ابنته التي وقع اغتيالها، “إنديرا غاندي” (1917 – 1984) بعض المبادئ…       

قال نهرو في إحدى جلسات القمة الأولى لمجموعة عدم الإنحياز، سنة 1961، في بلغراد، عاصمة يوغسلافيا:

“أخشى أن يتحول الإستقلال إلى شكل جديد للسيطرة التي تُعرقل مخططات التنمية، عبر نهب مواردنا، من خلال منظومة دولية، فيتحوّلَ الإستعمار القديم إلى استعمار جديد، بدون جُيُوش، بل بالهيمنة الإقتصادية والسياسية التي تعمّق تخلف الدول وتزيد من انتشار الأمِّية والفقر، لدى الأغلبية المقهورة من الشعب، في مقابل زيادة الثروة لدى طبقات رَتّبَتْ مصالحها مع المُسْتَعْمِر… ”   

بعد عُقُود من وفاة “جواهر لال نهرو”، وابنته “إنديرا غاندي”، وأُفُول نجم حزب “المُؤتمر” الذي كان يجمع في قيادته زعماء من كافة الطوائف والاثنيات، أصبح حزب “بهارتيا جاناتا”، الهندوسي، اليميني المتطرف، مُهيمنًا على الحياة السياسية في الهند، وأصبحت الهند حليفًا للإمبريالية الأمريكية وللكيان الصهيوني، خصوصًا في ظل حكومة “ناريندرا مودي”، الزعيم الهندوسي اليميني المتطرف، الذي استغل (كما تستغل أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا) الغضب الشعبي ضد البيروقراطية والفساد والازمات الإقتصادية، ليفوز حزبة بأغلبية مقاعد البرلمان، وليُصبح رئيسًا للحكومة…

تأسس حزب “بهارتيا جاناتا” سنة 1980، وهو وريث أحزاب يمينية متطرفة سابقة، مثل “بهارتيا جانا سانغ” (1951 – 1977)، و”جاناتا بارتي” (1977 – 1980)، وأوردت منظمة “هيومن رايتس واتش” الأمريكية (تمويل حُكومي أمريكي) أن هذا الحزب وريث تراث فاشي، وهو يعتبر الهند مِلْكًا حَصْرِيًّا للهندوس، وارتكب أعضاؤه مجازر عديدة ضد مواطنين من غير الهندوسيين، بدعم من الحكومة، ومن الإئتلاف الذي يترأسه، منذ سنة 1977، ويتألف من أحزاب صغيرة يمينية متطرفة، ما انفكت تكتسب قوة انتخابية هامة، منذ انتخابات 1986، بعد وفاة “إنديرا غاندي”، زعيمة حزب المؤتمر، وابنة “جواهر لال نهرو”، ويستمد الحزب الحاكم عقيدته العنصرية من حركة “آر إس إس” التي تأسست سنة 1925، والتي كانت تعتبر الحركة الفاشية في إيطاليا وقائدها “بنيتو موسليني” مثلها الأعلى، وعندما كان التقدميون يناضلون من أجل استقلال الهند عن بريطانيا، كانت هذه الحركة تدعو إلى قتل وطرد السكان المحليين، من غير أتباعها.

أما البرنامج الإقتصادي والإجتماعي لحزب “بهارتيا جاناتا” فيدعو إلى تطبيق برامج رأسمالية ليبرالية مُحافظة، وإلى إرساء اقتصاد السوق الحُرّة، وخفض الإنفاق الإجتماعي، وممارسة العُنف ضد الطوائف غير الهندوسية، لأن الهند “ملك للهندوسيين وحدهم”، خاصة منذ انتخابات 1996، وارتكب أعضاء الحزب، سنة 2011 مجازر أدت إلى مقتل حوالي 1200 هندي، معظمهم من المُسلمين، في ولاية “غوجارات”، كما قام أعضاء الحزب بتهديم مسجد تاريخي، يُعد من تراث العالم، ويرأس الحزب حاليا ائتلافًا ل13 حزب صغير، مكّنه من تحقيق فوز تاريخي، في انتخابات 2014 و 2019…

الوضع الإقتصادي:

اعتبر البنك العالمي أن نمو الإقتصاد الهندي هو الأَسْرع في العالم، ونما بحوالي عشرة أضعاف، خلال عقدَيْن، وأصبح يُصنّفُ سابع أكبر اقتصاد في العالم، سنة 2018، وبلغ حجم الناتج الإجمالي المحلي 2,7 تريليون دولارا، وهو ما يُعادل الناتج الإجمالي لدولة مثل فرنسا، وتوقّعت الحكومة الهندية أن ينمو الإقتصاد بنسبة 7,4% سنة 2019، وأن يحتل المركز الخامس، بنهاية سنة 2020، ولكن نمو الإقتصاد لا ينعكس بالضرورة، بالإيجاب على سُكّان البلاد، البالغ عددهم أكثر من 1,35 مليار نسمة، ورغم ارتفاع معدّل نصيب الفرد من الدّخل القومي إلى نحو 1850 دولارا سنويا، بحسب تقرير البنك العالمي (تشرين/اكتوبر 2019)، فإن البنية الهيكلية للإقتصاد تتميز بعدم التوازن، وبتعميق الفجوة الطبقية، وزيادة الفوارق بين الأثرياء والفُقراء، وبينما تتبجح الحكومة الهندية بارتفاع احتياطي العملات الأجنبية إلى نحو 430 مليار دولارا أو حوالي 17% من القيمة الإجمالية للناتج المحلي (بيانات حزيران/يونيو 2019)، وبارتفاع احتياطي الذهب، لتحتل الهند المرتبة العاشرة عالميا، في حيازة الذهب، لا يبلغ راتب 75% من الأُجراء، ما يعادل 280 دولارا، مع الإشارة أن قطاع الزراعة يستحوذ على نحو 50% من القوة العاملة، وهي نسبة هامة (من إجمالي 510 مليون عامل، سنة 2018) وغير مشمولة بالحد الأدنى للرواتب، ولم يتحسن وضع العمال الزراعيين، وصغار المُزارعين، رغم ازدهار الإنتاج الزراعي، لتصبح الهند أكبر منتج للحليب وثاني أكبر منتج للخضروات والفواكه في العالم، ولا يتجاوز معدل الدّخل الفردي 1800 دولارا سنويا، ما يجعل الهند في المرتبة السبعين بخصوص الدخل السنوي الفردي، أو حوالي 150 دولارا في الشهر الواحد، كمعدل…

خفض المصرف المركزي توقعات النمو لسنة 2019، من 7,5% إلى نحو 6%، وإلى حوالي 5,2% سنة 2020، بسبب زيادة اندماج اقتصاد الهند في المنظومة الإقتصادية الليبرالية العالمية، وانخفَضَ الإنتاج الصناعي إلى أدنى درجة، منذ أزمة 2008/2009، وكانت الحكومة قد قررت خَفْض الإنفاق الحكومي، وخَفْضَ معدّل الضريبة على الشركات، وفرض ضريبة على استهلاك السّلع والخدمات، لتعويض نقص إيرادات الدولة من ضريبة الشركات، في إطار “إصلاحات” لم يستفد منها الفُقراء والأُجراء الذين كانوا يدفعون الإقتصاد عبر رفع الطلب (الإستهلاك المحلي)، بل أَضَرّت بهم، بالتوازي مع تراجع صناعة السيارات وقطاعات النقل والإتصالات والإنشاء (بناء العقارات)، ما رفع معدل البطالة إلى نحو 8,4%، وفق بيانات الحكومة (آب/أغسطس 2019)، قبل تسريح حوالي 300 ألف عامل في قطاع صناعة السيارات، وأصبح الوضع الإقتصادي السّيّء يُؤثِّرُ سلبًا على حزب “بهارتيا جاناتا” في بعض الإنتخابات الجُزْئِيّة، لكن عمومًا لا يزال يتمتع بشعبية كبيرة، رغم التحريض المستمر على العنف وعلى تقسيم المجتمع إلى “قوميات” و”أثنيات” و”طوائف”، وقدّر خبراء وباحثون محليون أن حوادث العنف شملت مئات الحالات من العنف الطائفي، وكلفت اقتصاد البلاد سنة 2017 لوحدها، حوالي 1,2 تريليون دولارا من الخسائر، أو ما يُعادل 9% من الناتج المحلي الإجمالي، أو خسارة حوالي 600 دولار خسارة لكل مواطن، عدا عن الفساد والرشوة والغش في عدد من المجالات، ومن بينها بناء العقارات وإنشاء الطرقات والجُسُور والبُنْيَة التّحتية، وغيرها، وتمكنت أجهزة الرقابة (الضعيفة جدا) من مصادرة نصف مليار دولار من الرشاوى أثناء انتخابات 2019، وأكثر من 502 مليون دولار من الذهب والكحول والرشاوى الأخرى لشراء الأصوات. من جهة أخرى يساهم الإقتصاد المُوازي، أو ما يُسمّى “القطاع غير النّظامي” بأكثر من 45% من اقتصاد الهند، ما يجعل الهند في هذا المجال شبيهة بمصر أو دول أخرى مثلها.

صدّرت الهند مُنْتجات نفطية بقيمة 48,3 مليار دولارا، سنة 2018، وتُشكل صادرات الوقود التصدير الأول في الهند، أو حوالي 15% من إجمالي قيمة الصادرات، وأظهرت البيانات التي نُشرت في أيلول/سبتمبر 2019، ضُعْفًا في كافة القطاعات الصناعية، ومن بينها قطاع صناعة السيارات الذي  يشكل 7% من الناتج المحلي الإجمالي، حيث فقد حوالي مليون شخص وظائفهم في هذا القطاع، كما تأثرت صناعة مكونات وقطع غيار السيارات التي تُشغّل أكثر من خمسة ملايين شخص، حيث تم فصل نحو 10% إلى 15% من القوى العاملة، وتأثر قطاع صناعة المنسوجات بالتباطؤ الإقتصادي لسنتَيْ 2018 و 2019، وهو ثاني أكبر قطاع صناعي في الهند، ويوظف نحو مائة مليون عاملة وعامل، ويسهم بنسبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي، وبانهيار قطاع صناعة المنسوجات، انهارت زراعة القُطن. كما تراجَعَ قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة، الذي يُوظّف أكثر من 40% من إجمالي القوى العاملة، ويُساهم بنحو 45% من النشاط الصناعي، وبنحو 17% من قيمة الناتج الإجمالي، ويُعتبر هذا التدهور نتيجة مباشرة لعامل داخلي، يتمثل في إقرار نظام الضرائب على السلع والخدمات (ضريبة الإستهلاك)، منذ 2017، وفتح قطاع تجارة التجزئة على رؤوس الأموال الأجنبية، ما أدى إلى انهيار قطاع التجارة الصغيرة والمتوسطة، ولعامل خارجي يتمثل في زيادة اندماج الإقتصاد الهندي بالإقتصاد الليبرالي العالمي، حيث تأثر اقتصاد الهند بأزمة 2008/2009، لكنه لم يُصَبْ بالتّباطؤ، لأنه كان أقل اندماجًا في منظومة العولمة الرأسمالية الليبرالية، وتؤدي هذه العوامل إلى صعوبة انتعاش الإقتصاد الهندي، في المدى القصير…  

رُدُود الفعل الشعبية:

شهدت الهند العديد من الإضرابات العامة، خصوصًا منذ سنة 2014، ضد السياسة الإقتصادية “النيوليبرالية” لحكومة “ناريندرا مودي” وحزبه الحاكم، وفي بداية شهر أيلول/سبتمبر 2016 شهدت الهند أكبر إضراب عن العمل في العالم، حيث أضرب حوالي 200 مليون من العمال والموظفين الحكوميين، احتجاجاً على سياسات “الإصلاح” الحكومية، وتغيير قوانين العمل، لمصلحة الشركات، والسماح للدول والشركات الأجنبية بالإستثمار في قطاعات التأمين والمصارف والدّفاع، وللمطالبة بتحسين الرواتب، وتتمثل “الإصلاحات”، في إقرار ضريبة الإستهلاك، وخفض الضريبة على الشركات ورؤوس الأموال، وأدّى الإضراب إلى إغلاق المصانع والمصارف والمصالح الحكومية، ولكن النقابات تعهدت بالسهر على حسن سَيْر الخدمات الأساسية مثل الرعاية الصحية المستعجلة والنقل العام والكهرباء والمياه…

اختتمت سنة 2019، بمظاهرات ضخمة يوم 25 كانون الأول 2019، وفي الثامن من كانون الثاني/يناير 2020، شارك ما لا يقل عن 250 مليون من العُمّال والأُجَراء في إضراب عام، احتجاجًا على سياسة خصخصة القطاع العام، وتسريح العمال، وجابهت الحكومة هذا الإضراب (كما الحركات الإحتجاجية السابقة) بالقمع والإعتقالات، كما تظاهر عشرات الآلاف من المواطنين، يوم الثامن من كانون الثاني 2020، ضد قانون الجنسية العنصري (شبيه بقوانين الكيان الصهيوني)، واتحد الهنود من مختلف الأعراق والديانات في كل أنحاء البلاد، من أجل قوانين علمانية، تدعم التعددية التي تُمَيِّزُ المجتمع الهندي، وشاركت فئة الشباب بكثافة في هذا الحراك الشعبي، رغم شدّة القمع، وتُعتبر الهند ثاني أكبر تجَمُّع للمسلمين، بعد إندونيسيا، ويَطْعَنُ المُتطرفون الهندوسيون (حزب بهارتيا جاناتا) في وطَنِيّتهم، ويحملونهم مسؤولية أحداث تاريخية تتجاوزهم، مثل انفصال باكستان ومعها بنغلادش، الذي شجّعه الإستعمار البريطاني، لتقسيم حركة المطالبة باستقلال الهند، في حين اختار هؤلاء المسلمون البقاء في الهند، حيث يعيش المسلمون، من أكثر من 800 سنة، ويُقدّر عددهم بأكثر من 170 مليون نسمة ويشكِّلون نحو 14% من سكان الهند، لكنهم لا يُشكلون سوى 3% من موظفي الجهاز الإداري للدولة وللإدارات المحلية، وأظهر تقرير أعدّته، سنة 2005، لجنة برئاسة رئيس المحكمة العليا السابق، المعروفة ب”لجنة ساشار”، أنه جرى استبعاد المسلمين في الهند عن التنمية المتكاملة، ما عَسّر أوضاعهم الإجتماعية والإقتصادية والتّعليمية، وما جعلهم من الفئات الأكثر فقرًا في البلاد، ويتطلب إدماجهم في منظومة الحُكم والإقتصاد والسياسة، اتخاذ تدابير فعالة لاندماجهم في الوظائف الحكومية، وخاصة في الخدمات الإدارية والخارجية ودوائر الشرطة، وفي قطاعات النقل العمومي والسكك الحديدية، والتعليم، ويضطر نحو 60% من المسلمين للعمل في القطاع غير النظامي، بسبب استبعادهم من القطاع المنظم ومن الوظائف الحكومية ومن القطاع العام والخاص، بحسب وزارة الإحصاءات، ولا يوجد سوى 22 مسلم منتَخَبٍ في البرلمان من بين 543 عضوًا في انتخابات سنة 2014، أو نحو 4% من النواب، بينما يُشكلون 14% من العدد الإجمالي لسكان الهند، أما من يشغلون الوظائف، أو المقاعد النيابية، أو يُهيمنون على المؤسسات الدينية للمسلمين، فإنهم من أثرياء القوم وليسوا من “المجموعات المُسلمة المُهَمَّشَة”، ما أدى إلى تكثيف نشاط النساء المسلمات والشباب المسلمون ضد القيادات الإسلامية التقليدية التي تُدير المدارس والمعاهد الدينية، ولا تهتم بقضايا الحياة اليومية كالعمل والبطالة، والتعليم والأُمِّية، والرعاية الصحية، وقضايا التنمية، وغيرها.

مجتمع مؤسس على العنف “المُمَأْسَس” والمُتجَذِّر:

إن أي حديث عن الديمقراطية في الهند يُعتبر هراءً، ما دام المجتمع مبنيا على تقسيم المواطنين، منذ ولادتهم، إلى “شُرفاء” و “منبوذين”، حيث يُقسِّمُ النظام الطبقي في الهند المجتمع إلى عدة فئات، ويعتمد التقسيم على التاريخ والأصول الدينية والطبقية، فالإنسان يولَدُ مُنتميًا لطبقةٍ ما، ويرث مهنة مُعينة، وأدّى هذا التقسيم وهذه اللامُساواة، إلى إعاقة التطور الاجتماعي والاقتصادي للطبقات “الدّنيا” وللبلاد، وشَجَّعَ الإستعمار البريطاني هذا التّقسيم، ثم مَنَح بعض الإمتيازات للفئات التي ساعدته على الهيمنة على البلاد وسُكانها وثرواتها وموقعها الإستراتيجي.

يُؤَثِّرُ هذا النظام الطبقي – التّراتُبِي في العلاقات بين أعضاء المجتمع، فَيفْصل جغرافيا بين هذه الفئات، ويَمنع التواصل الإجتماعي بينها، وتستفحل علاقات استغلال المجموعات الغنية العليا للمجموعات الفقيرة الدنيا، وتؤدّي مثل هذه الواجبات والمَحْظورات إلى جعل العُنف المادّي والإجتماعي من الأمور “الطبيعية”، وأحصى تقرير للأمم المتحدة، صَدَرَ سنة 2005، ما لا يقل عن 31 ألف اعتداء، ضد أعضاء إحدى الفئات الدنيا من “المنبوذين” (الداليت)، سنة 1976، بتواطؤ مع السلطات المحلية والشرطة، في معظم الحالات، كنتيجة مباشرة لهذا التقسيم الذي يُشَرْعِنُ العُنف والقَتْل والإغتصاب ضد فئات من المجتمع، ك”الداليت” (المنبوذين) والمسلمين والنساء والأطفال، رغم عدم شرعية هذا التقسيم ومخالفته للدّستور، ولكن قدّرت منظمة “العفو الدّولية” عدد أفراد طبقة “الداليت” أو “المَنْبُوذِين” (أصحاب الأرواح الشّرّيرة) في الهند، سنة 2015 بنحو مائتَيْ مليون نسمة، يمثلون نحو 16% من إجمالي سُكّان الهند، يُجْبِرُهم “الهندوسيون” على ممارسة المِهَن “الوضيعة” أو “الحقيرة”، كالكنس وتنظيف الملابس، وتنظيف الجلود، ويحظرون على أفراد هذه “الطبقة” ارتياد المعابد الهندوسية، لأنها مُخصّصة للأَشْراف، خاصة في المناطق الرّيفية، وفي جنوب وشرق الهند

العنف ضد النساء:

شهدت الهند مظاهرات، سنة 2012، بمشاركة مئات الآلاف من المواطنين، احتجاجًا آنذاك، على اغتصاب امرأة شابة، أمام الركاب، ثم قَتْلها، على متن حافلة، في العاصمة “نيو دلهي”، وأقر البرلمان آنذاك خفض سن المتهمين في جرائم الاغتصاب من 18 عامًا إلى 16 عامًا، لكن لا تزال الهند تتصَدَّرُ، سنة 2018، قائمة الدول الأشد خطورة على النساء، بنحو 39 ألف حالة اغتصاب (34 ألف سنة 2016)، جرى الإبلاغ عنها، بحسب تقرير حكومي صادر عن وزارة الداخلية الهندية، ولا يعرف أحد عدد الحالات التي لم يقع الإبلاغ عنها، وتقدر بعض البحوث والدراسات الجامعية في الهند، عدد حالات التحرش والإغتصاب، بنحو 85 ألف سنويا، كما تتصدر الهند ترتيب الدول التي ارتفعت بها عدد الحالات المعروفة من العنف والإغتصاب والعمل الإجباري (نظام السّخرة)، والزواج القسري، وتجارة الجنس (الدّعارة)، وارتفع عدد الجرائم المرتكبة ضد النساء بنسبة 83% بين سَنَتَيْ 2007 و2016 بحسب بيانات حُكُومية، منقوصة، ويتم الإبلاغ عن 4 حالات اغتصاب كل ساعة، عدا عن الحالات التي لا يتم الإبلاغ عنها، أو التي تُهملها الشرطة وتتعمّد عدم تسجيلها، وسجلت الشرطة سنة 2018 الإبلاغ عن عملية اغتصاب كل 15 دقيقة، بسبب عدم المتابعة القانونية والإفلات من العقاب، وتغاضي الشرطة والقضاء والحكومة عن قضايا العنف، ضد “المنبوذين” و”المُسلمين”، كما ضد النّساء، ما يجعل الهند أسوأ الأماكن في العالم بالنسبة إلى الإناث، وكشفت دراسة أجراها، سنة 2015، “معهد بحوث القانون والسياسة” (مدينة بنغالور)، إن الجرائم ضدّ المرأة لا تنال اهتمام القضاء، إذا ما وصلت هذه الحالات إلى المحاكم، وتنظر المحاكم في قضايا الإغتصاب بسرعة كبيرة، تنم عن الإستهتار بحياة النساء، وأظهرت دراسة أخرى، سنة 2016، أن المحاكم “السريعة” تنظر في قضايا الإغتصاب، بعد حوالي ثمانية أشهر ونصف الشهر في المتوسط، ويُشار إلى أن جميع مؤسسات الدولة تُساهم في طمس الجرائم ضد النساء، فالإحصاءات الحكومية لا تشمل كلّ حالات الاغتصاب، ولا تشمل جرائم الإغتصاب التي تليها عملية القتل، بالإضافة إلى المحظورات الإجتماعية التي لا تزال تعتبر الإبلاغ عن الاغتصاب من المحظورات في بعض أجزاء الهند، وفي سنة 2017، اغتصب نائب برلماني من الحزب الحاكم (بهارتيا جاناتا) فتاة قاصر، ولما وقع الإبلاغ عن الجريمة، تقاعست الشرطة، لفترة عام كامل، وفي الأثناء ضغط أعيان الحزب الحاكم على أُسْرة الفتاة، وصدمت شاحنة بعض أفراد الأُسرة وقتلت إثنين من أقارب الأسرة، وتُعتبر هذه الممارسات من أسباب ارتفاع جرائم العنف ضد النساء، بسبب المنظومة القضائية والقانونية الهَشّة، وبسبب انتشار ثقافة الإفلات من العقاب، بالإضافة إلى التقسيم الطبقي للمجتمع…

خاتمة:

تُعتبر الهند من الدول المؤسسة لحركة عدم الإنحياز، وهي أيضًا من المؤسسين لمجموعة “بريكس” (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا)، ولكن “بريكس” (التي تدعو إلى عالم “مُتعدد الأقطاب”) في طريقها إلى الإندثار بسبب حكم اليمين المتطرف في الهند وفي البرازيل، وموالاة حُكُومتَي البَلَدَيْن للإمبريالية الأمريكية، وللتعاون الوثيق مع الكيان الصهيوني، وتَبَنِّي خططه الإستعمارية الإستيطانية…

في الهند، ارتفعت وتيرة الإحتجاجات، ضد سياسات حزب “بهارتيا جاناتا” اليميني المتطرف، الذي حصل على أغلبية مقاعد البرلمان، خلال انتخابات 2014 و 2019، ولكن مشاركة العاملين في الإضرابات والمُظاهرات كانت بنسبة كبيرة، من أجل ظروف معيشية أفضل، ومن أجل “الأمن الإقتصادي”، وضد سياسات التقشف النيوليبرالية التي أدّت إلى أزمة اقتصادية وأزمة تمثيل ديمقراطي أيضًا، إذ تم إقصاء فئة “المنبوذين”، والنساء، وما اعتُبِرُوا “مسلمين”، ويشكل هؤلاء مجتمعين أغلبية سُكان الهند، وجابهت الحكومة المتظاهرين، ضد القانون الذي يجعل من المسلمين غُرباء في وطنهم، بالعنف الذي أدّى إلى قتل الشرطة ما لا يقل عن عشرين شخص، في يوم واحد…

لم تنجح حكومة اليمين المتطرف في إطلاق “حرب أهلية” بين مختلف فئات المجتمع الذين ينتمون إلى نفس الطبقات، بل أظهرت الإضرابات، منذ سنة 2018، والمظاهرات ضد العنف المُسَلّط على النساء، أو “التمييز القانوني” ضد مجموعة المواطنين  “المسلمين”، كما ضد “الداليت” (المنبوذين)، بل ظَهرت بوادر اتحاد الفُقراء والعاملين، والمُتعرضين لاضطهاد أجهزة الدّولة، في ظل سياسات الخصخصة وإلغاء الدّعم واستئثار الشركات الخاصة، ورأس المال الأجنبي بالمال العام، وبخفض الضرائب…       

أجرى موقع “قنطرة” الألماني مقابلة مع الروائية المناضلة الهندية “أروندهاتي روي” (بتاريخ 28 أيار/مايو 2019)، أعلنت “إن الدين السياسي في الهند (أي الهندوسي) هو المضمون الحقيقي لرأس المال والعنصرية”… وأضافت في نفس المقابلة:

“… تورّطَ نارندرا مودي رئيس وزراء ولاية غوجارات آنذاك، سنة 2002، في أعمال الشغب المعادية للمسلمين، في تلك الولاية، والتي أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن ألف شخص، ولذا فليست هذه المرة الأولى التي يُظْهر فيها عُنصريته واستخدامه للتطرف كأسلوب حكم…” وأضافت

“… مَثّلت الانتخابات الأخيرة في الهند ، والتي فاز بها حزب مودي بهاراتيا جاناتا، رسالة دَعْم لليمين المتطرف الذي يؤمن بالتفوق الهندوسي، وتم تعيين مودي لولاية ثانية كرئيس للوزراء وهو أقوى من أي وقت مضى … إنه يتهيّأ لتنفيذ برنامج الحزب العنصري، والرأسمالي الليبرالي، ويعيد إحياء أكثر العقائد تطرفا، وشعارات (هندوتفا مودي) لسنة 1925، المتسمدة من الفاشية الإيطالية، وشعار (أمة واحدة ودين واحد ولغة واحدة) ، وهو شعار إيديولوجية هندوتفا مودي (القوميين الهندوس)، وشعار الحزب النازي الألماني، وشعار الحركة الصهيونية (لغة عبرية وعمل عبري ودولة عبرية)… إن انتخابات 2019 قد سجلت وفاة العلمانية في الهند…”

 _________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.