في ذكرى الحكيم الـ 12: هل الساحة مهيّأة لاستئناف حلمه؟ خالد الراهب

في مثل هذه الفترة من كلّ سنة، يزداد كلامُ المناضلين على الحكيم جورج حبش، الذي رحل عن دنيانا في 26/1/2008،  وعلى أثره في القضيّة الفلسطينيّة. ويتساءلون: أين أخطأ الحكيم وأين أصاب؟ وهل كان بإمكانه أن يفعلَ أكثرَ ممّا فعل في وجه التيّار اليمينيّ المتسلّط، تيّارِ “الدولة” المزيّفة التي تحمي الاحتلالَ وتنسّق أمنيًّا معه وتعتقل المناضلين وترتع في الفساد وتدمِّر الحلمَ الذي أفنى عشراتُ الآلاف من أبناء شعبنا وبناتِه أرواحَهم على مذبحه؟ وما أسبابُ تراجع تأثير الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، الوريثةِ الشرعيّةِ والأصيلةِ الأبرز لـ”حركة القوميين العرب،” خلال سنوات حياة الحكيم الأخيرة حتى يومنا هذا، في مجريات أحداث القضيّة الفلسطينيّة خصوصًا، والعربيّة عمومًا؟

كما يزداد الحديثُ أيضًا عن الحالة التي شكّلها هذا الإنسانُ، بالتزامه القويّ بمبادئه وقيمِه وقضايا شعبه، وعن نظرته إلى طبيعة الصراع بين أمّتنا العربيّة والكيان الصهيونيّ، بما يمثّله هذا الأخيرُ من خنجرٍ في صدر المشروع العروبيّ الذي يشكّل، من منظور الحكيم، المَخرجَ الحقيقيَّ والوحيدَ لهذه الأمّة من أجل الوصول إلى أهدافها في الوحدة والحريّة والتحرّر الاجتماعيّ.

لا شكّ في أنّ الفراغَ والتشتّتَ الحاصليْن في الوطن العربيّ كبيران. ولا شكّ في أنّ الدماء  تسيل غزيرةً في عدد من الأقطار العربيّة في إطار النضالات المطلبيّة العادلة، وفي إطار نضالاتٍ أخرى تعيشها المنطقةُ ككلّ ضدّ الهيمنة الأميركيّة والغربيّة على مقدّراتها واستقلاليّة قرارها. وذلك أدّى إلى فرزٍ واضحٍ بين ثلاثة تيّاراتٍ مختلفة، ذات أجنداتٍ متباينة:

– أوّل هذه التيّارات يقول ما كان يقوله أنور السادات، من أنّ أميركا هي صاحبةُ القرار، وفي يدها الحلُّ والربطُ في المنطقة والعالم.

– وثانيها يقول إنّ أصحاب المنطقة هم أوْلى بإدارة شؤونهم والسيطرةِ على مواردهم عن طريق مواجهةٍ مباشرةٍ مع الأميركيين، تقودها إيران، التي تماهى جزءٌ لا يستهان به من العرب معها، حتى أصبح توجيهُ أيّ نقد إلى إيران وسياساتها في المنطقة، وخصوصًا في العراق، كفيلًا بتخوين صاحبه ووضعِه في خانة التيّار الأول.

– أما التيّار الثالث فيقول بوجوب الاستفادة من كلّ القوى المناهضة للهيمنة الأميركيّة في العالم، من الصين وروسيا وايران وبوليفيا إلى كافّة الأحزاب اليساريّة والقوى التقدميّة في أوروبا والعالم، في سبيل تشكيل الدولة العربيّة التقدميّة الواحدة الرائدة، كما أرادها الزعيم جمال عبد الناصر، وكما أرادها القوميون العرب – – وفي مقدّمتهم الحكيم ووديع حدّاد وأبو ماهر اليماني وغسّان كنفاني.

لا شكّ في أنّ التحفّظات عن التيّاريْن الأوّليْن – على الرغم من التباين الكبير بينهما – كثيرة، ولا مجال للخوض فيها هنا. ما يهمّنا هنا هو التيّارُ الثالثُ تحديدًا. وبنظرة موضوعيّة إلى كافّة القوى والأحزاب التي آمنتْ بالقوميّة العربية والعروبة، فإنّنا نجدها في حالة تراجعٍ وانحسارٍ، لأسباب عديدة، قد يكون من أهمّها عدمُ وجود دولة عربيّة كبيرة راعيةٍ لتلك القوى والأحزاب وداعمةٍ لها، كما كان حال مصر عبد الناصر.

ولكنْ بمراجعة تاريخية لـ”حركة القوميين العرب” بشكل خاصّ، فسوف نجد أنّ تشكُّل نواتها من “كتائب الفداء العربيّ” و “شباب الثأر” قبل تطوّرها إلى الحركة المذكورة قد تمّ من دون دعم أيّ نظام عربيّ. فالحركة أسّستْ هيكلَها، ونظّمتْ كوادرَها، وانتشرتْ في العديد من أنحاء الوطن العربيّ، بالاعتماد على قواها الذاتيّة وحدها، وعلى إيمان كوادرها وقادتها بالعروبة وأهدافها. لا بل نستطيع القول إنّها، في مرحلةٍ من المراحل، اصطدمتْ على أرض اليمن بالجناح العروبيّ المحسوب على عبد الناصر، وكانت لها الغلبةُ هناك؛ وهو ما سبّب أزمةً مع القاهرة، احتاجت إلى جلساتٍ طويلةٍ بين حبش وعبد الناصر لتبادل وجهات النظر وإزالة سوء الفهم الحاصل.

إذًا، ما اعتمدتْ عليه “الحركةُ” في بداياتها هو الجماهير، وثقةُ الجماهير بها وبأهدافها، وبقادتها الذين كانوا مثلًا أعلى في التضحية والفداء، فتعرّضوا للمطاردة والاعتقال والسجنِ والتعذيب، ولم يبدّلوا تبديلًا. وقد سمعتُ، مثلًا، من أمّ ماهر اليمانيّ أنّ زوجَها القائد الراحل أبا ماهر اعتُقل أكثرَ من خمسين مرّةً! كذلك أفرد الرفيق صلاح صلاح في مذكّراته صفحاتٍ طوالًا لأيّام الاعتقال والتعذيب التي عاناها. ولا ننسى اعتقالَ الحكيم حبش في سوريا، وعمليّةَ تهريبه من السجن على يد وديع حدّاد ورفاقه. هذا، وقد تحوّلت “الحركة” إلى مدرسةٍ خرّجتْ مجموعةً كبيرةً من المناضلين والمثقفين الثوريين الذين كان لهم أثرُهم الكبير في الثورة الفلسطينيّة لاحقًا.

لا ريْب في أنّ الظروف التي تشكّلتْ فيها حركةُ القوميين العرب تختلف تمامًا عن ظروفنا اليوم. لذلك قد لا تتناسب أفكارُها مع ظروفنا اليوم. بل إنّ الحكيم، مثلًا، قال ما معناه أنّه قد يكون من الأفضل في هذه الفترة تشكيلُ “اتحادات عربيّة” مختلفة من الدول العربيّة المتقاربة في الجغرافيا والعادات والتقاليد، على طريق ارتباطها لاحقًا بعلاقاتٍ مميّزةٍ تجعلها قوةً اقتصاديّة وسياسيّة وعسكريّة واحدة.

وبالعودة الى ظروف الوطن العربيّ الحاليّة، وبالنظر الى تخبّط غالبيّة الأحزاب الدينيّة المنتشرة فيه، وإلى تنافر مرجعيّاتها الإقليميّة وخضوعِها هي الأخرى لموازين قوًى دوليّةٍ ضاغطةٍ ومحجِّمة، فإنّ الجماهيرَ العربيّة ستجد نفسَها، لا محالة، مندفعةً بشكل كبير نحو بديلٍ آخر، يتجاوز أنظمةَ الديكتاتوريّة والفساد وحركاتِ اليمين الإسلامويّ المتطرفة على حدّ سواء. حتى الهجرة باتت أصعبَ وأكثرَ كلفةً وتعريضًا لصاحبها لشتّى صنوف العنصريّة والتمييز والتضييق والمخاطر الأمنيّة.

المسرح مهيّأ، موضوعيًّا، إذًا، لبروز قوّة قوميّة تقدميّة تنظّم الجماهيرَ، وتقودُها، نحو تحقيق تطلّعاتها. وهذا يجعل إمكانيّةَ نشوء حركة عروبيّة قويّة أمرًا غيرَ مستحيل أو بعيد. ذلك لأنّ الجماهير العربيّة تشعر بحالة فراغٍ كبيرٍ وضياعٍ للهويّة، وهي تبحث عمّن يمثّلها خارج إطار الطائفيّة والأنظمة الحاكمة، وعمّن يساعدها على الوقوف في وجه الفساد والدكتاتوريّة والتهديد الخارجيّ و”إسرائيل،” وعمّن يبني التحالفاتِ الاستراتيجيّة والمرحليّة. والجماهير تعي خطرَ التطبيع المتصاعد، وتتطلّع إلى حركة مقاطعة عربيّة عارمة وواعية ومثقَّفة، تُكْمل “هيئةَ مكافحة الصلح مع إسرائيل” (التي أسهم حبش في تأسيسها) وترفد حركاتِ المقاطعة العربيّة في الأقطار العربيّة وتعزّز التقاطعاتِ مع حركة المقاطعة العالميّة (BDS).

الجماهير العربيّة اليوم أشدُّ وعيًا، من أيّ وقتٍ مضى، بتهافت “الحلّ السلميّ” وتجلّياته البائسة –  – من كامب دايفيد مصر، إلى وادي عربة الأردن، مرورًا بـ 17 أيّار لبنان، وأوسلو فلسطين. وهي أشدُّ رفضًا، من أيّ وقتٍ مضى، لسياسات التخاذل والاستسلام والهوان التي تنتهجها أنظمةُ التطبيع العربيّة، التي باعت ثرواتِ بلادها وكرامةَ شعبها لقاء عرشٍ برّاقٍ لن يلبث أن يتهاوى تحت ضربات انتفاضاتٍ عربيّةٍ قادمةٍ لا محالة.

لكنْ، هل الأسباب الموضوعيّة تكفي لبروز هذه القوة العروبيّة المقاومة التقدّميّة المنشودة؟

كلّا بالتأكيد. فالعناصر الذاتيّة تَحول، منذ سنواتٍ طويلة، دون ذلك للأسف: مِن تشرذم البديل المفترض، وأنانيّةِ قادته و”إيغواتهم” المفرطة، إلى انفضاضِ الناس عنه بسبب عقودٍ من الأخطاء والخطايا والكسل والتقاعس والارتهان.

لذلك، وفي ذكرى رحيل مؤسِّس حركة القوميين العرب، نرى أن تكونَ مهمّةُ رفاق دربه وحاملي رسالته الحاليّين مزدوجةً:

– تقديمَ المثال الأخلاقيّ – السياسيّ الرفيع، الذي جسّده الحكيمُ والرعيلُ الأول.

– الانخراطَ في صفوف الجماهير، تمامًا كما حصل في البدايات، والتلاحُمَ معها، وتعريفَها بتاريخها، والتخطيطَ معها لمستقبلها، وتحويلَها إلى قوةٍ حقيقيّةٍ تثور على واقعها وتصنع مستقبلها، آخذين من مقولة الحكيم “ثوروا فلن تخسروا إلّا القيدَ والخيمة” شعارًا تجتمع حوله كلُّ القوى التقدّميّة في الوطن العربيّ، من أجل النهوض به والوصول إلى ما يستحقّه أبناؤه وبناتُه من قوةٍ وعزّة.

طريقُ الحكيم في رأينا ما زال هو الطريقَ الأسلم: طريقَ التحرّر الكامل من الاستعمار، وطريقَ التحرّر الداخليّ من الاضطهاد الطبقيّ والسلطويّ. مهمّتُنا، نحن المؤمنين بنهج الحكيم والرعيلِ الأوّلِ من المناضلين، أن نجدِّدَ أساليبَنا لبلوغ نهاية هذا الطريق المنشودة: فنستبقيَ ما هو صالحٌ من هذه الأساليب، ونطّرحَ جانبًا ما بلِي منها وصدئ، بما في ذلك “قياداتُنا” المستسلمة والخائنة والفاسدة والمتكلّسة. فكما قال غسّان: “إذا كنّا مدافعين فاشلين عن القضيّة، فالأجدرُ بنا أن نغيِّر المدافعين لا أن نغيّرَ القضيّة!”

دمشق

:::::

“الآداب”

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.