لعنة المحروقات، الطاهر المعز

تقديم:

كان “خوان بابلو بيريز ألفونسو” (1903 – 1979) وزيرا للنفط في فنزويلا، وهو صاحب فكرة إنشاء منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك) سنة 1961، للدفاع عن مصالح الدّول المنتجة والمُصدّرَة للمحروقات، وساهم في تأسيسها، ونُسِبَتْ له، خلال نفس السنة، مقولة وجّهَها لزملائه وزراء النفط في الدول المشاركة في تأسيس “أوبك”، ومفادها: “النفط هو براز الشيطان… سوف تَرَوْنَ بعد عشر سنوات أو عشرين سنة من الآن، أن النفط سيجلب لنا الخراب”، ولم يكن يدّعي النبوءة، ولكنه كان وطنيًّا، ودافع عن مصالح بلاده وشعبه، أثناء مُشاركته في أول حكومة ديمقراطية، سنتيْ 1947 و 1948، قبل أن يُطيح الجيش بتلك الحكومة، بدعم من الشركات النّفطية (وغير النّفطية) الأمريكية، وسُجِنَ الوزير، ثم نُفِيَ لفترة عشر سنوات، قبل عودة الديمقراطية، حيث أصبح “خوان بابلو بيريز ألفونسو” وزير للمعادن والمحروقات في عهد الحكومة الديمقراطية الثانية، من 1959 إلى 1964، وعمل على إنفاق إيرادات النفط في مشاريع تَنْمِيَة البلاد…

بعد قرابة ستة عُقُود من تاريخ هذا التصريح، أصبح النفط وبالاً على فنزويلا والبرازيل والعراق وليبيا وأنغولا ونيجيريا، وغيرها، وأصبح الخليج العربي قاعدة أمريكية ضخمة، وتجمُّعًا للبوارج الحربية ولحاملات الطائرات ومختلف أنواع أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها حلف شمال الأطلسي…

سبق أن ذكرنا في مقال سابق أن للنفط ولمسألة عبور خطوط أنابيب الغاز مكانة هامة في الحرب على سوريا، ونحاول في الفقرات الموالية، متابعة دور أو مكانة المحروقات (الغاز بشكل خاص) في القرارات الأمريكية والأوروبية والأطلسية، بخصوص منطقة الوطن العربي، وما يتصل بها، وامتدادات تأثير هذه القرارات إلى منطقة البحر الأبيض المتوسط، وإلى روسيا (كأكبر منتج للغاز في العالم) والصين، كأكبر زبون للمحروقات وكقوة اقتصادية رأسمالية منافسة للولايات المتحدة…

الإطار العام: مؤتمر برلين، احتجاجات في العراق، والإستفزازات الأمريكية (اغتيال الجنرال الإيراني “قاسم سليماني في بغداد)، والحظر الأمريكي على النفط الإيراني، وتوقُّف إنتاج النّفط في ليبيا، والتهديدات الأمريكية والعراقيل بهدف توقف إمدادات الغاز الروسي نحو أوروبا، وتدفّق الغاز المَنهوب من فلسطين المحتلة نحو مصر والأردن…

واقع وآفاق سوق المحروقات:

انعقد في برلين، يوم الأحد 19/01/2020، مؤتمر جمع ممثلي الدّول التي اعتدت على ليبيا ولا تزال تساهم في تفتيتها، منذ سنة 2011 (باستثناء الجزائر)، والتقى ممثلو هذه الدّول من أجل الإتفاق على استغلال واستخدام موقع ليبيا الإستراتيجي، ومن أجل السيطرة على ثرواتها، كالنفط والغاز، وعلى مشاريع إعادة الإعمار، والبنية التحتية التي دمرتها طائرات الولايات المتحدة وأوروبا وحلف شمال الأطلسي، وبَرَعَ نظام الإخوان المسلمين بتركيا في ابتزاز دول الإتحاد الأوروبي، عبر الإشراف على حركة تِرْحَال عناصر المليشيات الإرهابية بين سوريا وليبيا، وعلى حركة اللاجئين والمُهاجرين نحو أوروبا، أما القاسم المُشترك بين المُشاركين في مؤتمر برلين، فهو خدمة مصالحهم، دون الإهتمام بمشاغل الشعب الليبي أو السّوري أو غيرهما…

بالتزامن مع ذلك (ومع الإحتجاجات في العراق)، ارتفع سعر النفط في التعاملات الآسيوية يوم الاثنين 20/01/2020، بعد انقطاع الإمدادات وعدم الاستقرار السياسي في ليبيا والعراق، وأوردت وكالة “بلومبرغ” الأمريكية أن العقود الآجلة في نيويورك ارتفعت بما يصل إلى 2%. كما من المتوقع أن يؤدي توقف صادرات النفط في الموانئ الليبية إلى خفض إنتاج البلاد بحوالي 800 ألف برميل يوميًا، الأمر الذي أجبر مؤسسة النفط الوطنية الليبية على إعلان حالة القوة القاهرة، في عملية تستبق التأخير في عقود التسليم، ولكن ورغم هذه العوامل، لم ترتفع أسعار النفط الخام، وبقيت في حدود حوالي 65 دولارا للبرميل، بسبب ارتفاع إنتاج الولايات المتحدة من النفط والغاز الصخرِيَّيْن، ومحاولة إغراق الأسواق، وتهديدها دول الإتحاد الأوروبي، وبعض الدول الآسيوية، إن لم تشترِ النفط والغاز الأمريكيّيْن.

في العراق، وفي الوقت نفسه، توقف العمل مؤقتًا في حقل نفطي هام، يوم الأحد 19/01/2020، وتعطّل الإنتاج في موقع ثاني، بسبب تصاعد الإحتجاجات في محافظة البصرة، والمناطق الجنوبية، حيث تقع أهم حقول إنتاج النفط، في ثاني أكبر مُصدّر بمنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)…

من جهة أخرى أشار تقرير نَشَرَتْهُ وكالة الطاقة الدولية، منتصف شهر كانون الثاني/يناير 2020 إلى احتمال حدوث “اضطراب” في أداء اقتصادات الدول الرأسمالية المتقدمة، وفي العلاقات التجارية بين هذه الدول، في حال العجز عن ضبط حجم الإنتاج والأسعار في قطاع الطاقة بشكل عام، والغاز بشكل خاص، في ظل تطور العلاقات بين الصين وروسيا، خَصْمَيْ الولايات المتحدة، ما يؤشر إلى تكثيف علاقات الشراكة بين الصين وروسيا، وانتعاش اقتصادهما، مقابل رُكود اقتصاد دول أوروبا، واليابان، وتُعتَبَرُ الصين من أكبر مستهلكي الذاقة في العالم، وروسيا من أكبر مُنْتِجِي النفط والغاز، ما يخلق تكاملاًا بينهما، وتجدر الإشارة أن العنجهية الأمريكية دفعت الدولتَيْن للتقارب، وتوقيع عقد ضخم، وطويل الأجل، سنة 2015، تستورد بمقتضاه الصين الغاز الروسي، بقيمة أربعمائة مليار دولارا، وأدّى تعاون روسيا مع الصين إلى زيادة الإستثمار في التنقيب، ليرتفع حجم الصادرات الروسية بنسبة قاربت 45% خلال سنة 2019، أو ما يُعادل 40 مليار متر مكعب من الغاز، وليرتفع الحجم الإجمالي لصادرات روسيا من الغاز إلى إلى 220,6 مليار متر مكعب سنة 2018، بقيمة فاقت بلغت 49 مليار دولار، بفضل ارتفاع الاستهلاك الأوروبي من الغاز الطبيعي الروسي (رغم الضّغوط الأمريكية) من نحو 33% إلى 37% من إجمالي الإستهلاك الأوروبي لسنة 2019، ويتوقع ارتفاع حاجة دول الإتحاد الأوروبي إلى الغاز بنحو خمسة مليارات متر مكعب، وأن يرتفع حجم واردات أوروبا من الغاز الروسي، خلال السنوات القادمة…

نشر صندوق النقد الدولي توقعات بشأن الإقتصاد العالمي، وتضمنت مختلف التقارير توقعات بضُعْف نمو الإقتصاد الصيني، أكبر مستورد للمحروقات في العالم، وتبعًا لذلك، تعددت المخاوف بشأن انخفاض الطلب على الوقود، رغم  التفاؤل بشأن توصل الولايات المتحدة والصّين إلى توقيع اتفاق تجاري، واحتمال وضْع حدٍّ للحرب التجارية الأمريكية ضد الصين، وبالتوازي مع انخفاض إنتاج النفط الخام في عدد من البلدان، توقعت إدارة معلومات الطاقة الأميركية، تراجُعَ وتيرة نمو إنتاج النفط الأمريكي إلى أدنى مستوى، خلال خمس سنوات، لكن هذا التّراجع نِسْبِي، حيث يتوقع ارتفع إنتاج النفط الأمريكي، بنسبة 18% سنة 2019، ويتوقع أن يرتفع بنسبة 9% سنة 2020، ليبلغ 13,3 مليون برميل يوميا، وهو رقم قياسي، وسوف يرتفع الإنتاج بنسبة 3% “فقط”، سنة 2021، بحسب توقعات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية…

مؤتمر برلين، ضمن استراتيجيات الهيمنة:

أعلنتْ جُيُوش فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، وهي ثلاث دول امبريالية عتيدة، قَصْفَ أراضي ليبيا، في آذار/مارس 2011 في عام 2011 ، قبل أن تُعلن جيوش دول أخرى انضمامها ومشاركتها في العدوان، الذي أدّى إلى اغتيال الرئيس السابق (معمّر القذافي) وحل أجهزة الدّولة والجيش، وفتح الثّكنات لتَتَزَوّدَ المجموعات الإرهابية بالسلاح الثقيل والخفيف، الذي انتشر في البلدان المحيطة بالصحراء، وفي البلدان العربية، من تونس والجزائر، إلى سوريا والعراق، مرورًا بالسّودان والصُّومال واليمن، وأدّى الخراب إلى إعادة وضع التعليم والصّحة والبنية التحتية والسّكن، ومستوى عيش سكان ليبيا، عُمومًا، إلى ما قبل سنة 1970، قبل إغلاق القواعد العسكرية الأمريكية والبريطانية، وإلغاء المعاهدات العسكرية مع القوى الإمبريالية، كما عادت ليبيا منذ 2011، إلى تقسيم ما قبل الحرب العالمية الثانية، حيث كانت ليبيا مقسمة إلى ثلاث إمارات قَبَلِيّة، في الشرق (بنغازي، تحت الإستعمار البريطاني) وفي الغرب (طرابلس، تحت الإستعمار الإيطالي) وفي الجنوب (فَزّان، تحت الهيمنة المُشتركة لعدة قُوى)، ويُذَكّرُ العدوان على ليبيا، بما حصل في العراق، بتأييد من روسيا والصّين، في كلتا الحالتَيْن…

في هذه الظروف (خراب وتفتيت وإرهاب…)، انعقد مؤتمر برلين حول ليبيا، يوم الأحد 20 كانون الثاني/يناير 2020، بمشاركة 12 دولة هي الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وبريطانيا والصين وألمانيا وتركيا وإيطاليا ومصر والإمارات والجزائر والكونغو، وبحضور منظمات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي والجامعة العربية، وأشار المشاركون، وجميعهم متورّط في العدوان على ليبيا، منذ بداياته في شهر شباط/فبراير 2011، إلى “أهمية توحيد المؤسسات الليبية، بخاصة المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، وإلى ضمان أمن المنشآت النفطية، ورفض كل محاولة لاستغلال موارد الطاقة بصورة غير مشروعة…”، ولا يفوتنا أن نلاحظ أن “مؤتمر برلين 2020” تزامنَ مع ارتفاع وتيرة الإحتجاجات الشعبية في لبنان وفي العراق، كما في فرنسا، ما يدفع معظم حكومات الدول المشاركة في المؤتمر إلى احتواء الإحتجاجات والصراع الطبقي، ولفت الأنظار عن التقارير العديدة التي تُشير إلى تعميق الفجوة بين الأثرياء والفُقراء، في العالم وداخل كل بلد…

تجدر الإشارة إلى الأهمية الإستراتيجية للأراضي الليبية، حيث كانت الولايات المتحدة تحتل قاعدة “ويلس” الجوية والبحرية، قرب طرابلس، وكانت تمثل إحدى أهم القواعد العسكرية الأمريكية، في البحر الأبيض المتوسط من 1954 إلى 1970، بترسانتها الضخمة والطائرات المُجهّزة لاستخدام السلاح النووي، وفي شهر كانون الأول/ديسمبر 2018، نَشر الموقع الأمريكي “ذا إنترسبت” تقريرًا عن وجود ما لا يقل عن ثلاث قواعد عسكرية أمريكية في ليبيا، ضمن برنامج “أفريكوم”، بالإضافة إلى مركز تدريب عسكري، قريبًا من العاصمة “طرابلس”، وتستعين الولايات المتحدة بجيوش أخرى وبمرتزقة، تحت إشراف مصر والإمارات والسعودية، وغيرها، فيما تستعين فرنسا بقوات من تشاد ومن مستعمرات فرنسية سابقة، وكانت بريطانيا قد استخدمت قواعدها في ليبيا، أثناء العدوان الثلاثي على مصر، سنة 1956…

لم يكن “السلام” موضوع مؤتمر برلين (19/01/2020)، بل للإتفاق على توزيع حصيلة النّهب، كما حصل في مؤتمر برلين صيف 1878، بعد “حرب البلقان” بين روسيا والدولة العثمانية، وكانت برلين، منذ أيام المُستشار “أوتو فون بيسمارك” رمزًا لتقاسم النفوذ بين قوى الهيمنة والإستعمار، في منطقة البحر الأبيض المتوسط وفي العالم، ولم يختلف جوهر أهداف مؤتمر برلين 2020 عن جوهر أهداف مؤتمر برلين 1878، حيث غابت مصالح الشعب الليبي وحَضَرَ النّفط الذي اختلفت حكومتا إيطاليا وفرنسا على تقاسمه، فليبيا تمتلك تاسع أكبر احتياطي نفطي عالمي، بقرابة خمسين مليار برميل، وتُسيْطر الشركة الإيطالية “إيني” على جزء هام من إنتاج وتوزيع النفط الليبي، فيما تُنافسها شركة “توتال”، ذات المَنْشَأ الفرنسي، وتُمول كل قوة أجنبية (أوروبا أو أمريكا أو تركيا…) وتُسلّح مليشيات تُدافع عن مصالحها، سواء مباشرة أو عبر وُكلاء من الحكام العُملاء العرب، مثل مصر والإمارات والسعودية وقَطَر، فيما تُواصل تركيا دور التخريب، بواسطة الإخوان المسلمين، وبقية الفصائل الإرهابية، الذي بدأته في سوريا والعراق، وأرسلت تركيا الجنود والعتاد والإرهابيين، لدعم أحد الأطراف العميلة في ليبيا، مقابل حصول تركيا على منافع ومنطقة نفوذ في حقول الغاز الواقعة على سواحل ليبيا، على الحدود البحرية مع تونس وإيطاليا واليونان وقبرص ومالطا ومصر، وهي حُقول غير مُستَغَلّة حاليا، ولكنها تحتوي احتياطي هائل من الغاز، وشكّلَ مؤتمر برلين 2020، فُرصة لتحقيق الوحدة السياسية الألمانية، فقد رحبت الأحزاب الحاكمة (الإتحاد الديمقراطي المسيحي والإتحاد الإجتماعي المسيحي والحزب الإجتماعي الديمقراطي) وكذلك الأحزاب المُعارضة للحكومة الإتحادية (حزب الخُضْر وحزب اليسار “دي لينك”) بمؤتمر برلين، وبعودة القوة العسكرية الألمانية إلى إفريقيا، في شكل “مراقبة الوضع العسكري في ليبيا”…

مكانة المحروقات في مخططات الهيمنة، بعيدة المَدَى:

قادت الإمبريالية الأمريكية الحرب ضد سوريا، وقبل ذلك قادت الحرب ضد ليبيا، ونفذ الطيران الحربي الأطلسي، تحت القيادة الأمريكية، خلال سبعة أشهر من سنة 2011، في ليبيا، ثلاثين ألف “مُهمّة” عسكرية، من بينها أكثر من عشرة آلاف عملية قصف، باستخدام أكثر من أربعين ألف صاروخ وقنبلة، بحسب تقارير الحلف، ولم تهدأ الحرب التي تستهدف الوطن العربي، ومُحيطه (أفغانستان وإيران…)، بل ارتفعت وتيرة الإستفزازات والتهديدات الأمريكية المُباشرة (غير المُقَنَّعَة) خلال فترة حُكم الملياردير “دونالد ترامب”، منذ 2017، ويندرج اغتيال الجنرال الإيراني “قاسم سليماني” ضمن هذه الإستفزازات، التي تَمَثَّلَ أَحَدُهَا باختيار مكان الإغتيال، في مطار بغداد المُحتلّة، قريبا من إحدى القواعد الأمريكية الضخمة، وقد ترفَعُ هذه الإستفزازات من خطر نشوب حرب عالمية، بالتزامن مع وقوع عدد من الأحداث التي قد لا يرى بعضنا رابطًا بينها، ومن بينها نشاط تركيا العدواني على عدة جبهات، من سويا إلى ليبيا (وأيضًا تونس والمغرب، حيث يحكم الإخوان المسلمون)، ومن قبرص واليونان إلى ليبيا أيضًا، في مياه البحر الأبيض المتوسط، ولا نمل من التذكير أن تركيا عضو قديم وهام في حلف شمال الأطلسي، وله علاقات متطورة مع الكيان الصهيوني، منذ أكثر من 65 سنة. أما أوروبا، فقد نظمت في برلين (صدفة؟) لقاءً حول ليبيا، وأعلنت فرنسا إبْحار حاملة الطائرات “شارل ديغول” في البحر الأبيض المتوسط.

يمتلك حلف شمال الأطلسي قواعد بحرية وجوية هامة في إيطاليا (كما في ألمانيا)، وأهمها قاعدة “سيغونيلا”، التي تستخدمها الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، لقصف البلدان العربية في الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، واستخدمها الكيان الصهيوني لقصف تونس (حمام الشاطئ) في الأول من تشرين الأول/اكتوبر 1985، واستخدمتها الولايات المتحدة لقصف طرابلس، ولمحاولة اغتيال معمر القذافي، عدة مرات، كما كانت قاعدة “سيغونيلا” (جنوب إيطاليا) مُنطلقًا لعمليات التجسس والعدوان على ليبيا، منذ سنة 2011، ضمن سبع قواعد جوية، في إيطاليا، استخدمتها الولايات المتحدة وأوروبا لزرع الدّمار والخراب في ليبيا، التي كان نظامها يُخصص نحو 70% من عائدات النفط، لمشاريع التنمية، وكان يمتلك مشروعًا للسيطرة على الثروات السيادية، وإنشاء منظمة إفريقية مُستقلة عن نفوذ صندوق النقد الدّولي، وعُملة موحدة إفريقية، وكان من أهداف العدوان على ليبيا، وقف مشاريع التنمية الداخلية، ووقف مشاريع استقلالية إفريقيا، وسرقت المصارف الأوروبية، بدعم من الحُكومات، بعد الإطاحة بالنظام، واغتيال معمر القذافي، أموال صندوق الثروة السيادية (ملك الدّولة الليبية)، المُقدّرة بنحو 150 مليار دولارا، فيما يحتاج الشعب الليبي، الواقع تحت الحَظْر، إلى الغذاء والدّواء والمسكن وإلى الكهرباء والماء وإلى إصلاح شبكات المواصلات والإتصالات والصرف الصحي…           

يُركّز حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة على سد الطريق أمام المنافسين (الصين بشكل خاص) لإدامة الهيمنة الأمريكية، وتركز على محاصرة روسيا بالقواعد العسكرية، إضافة الأسطول العسكري الأمريكي السادس، الذي يجوب البحر الأبيض المتوسط،  والقواعد العسكرية في جنوب أوروبا (إسبانيا واليونان وإيطاليا، بشكل خاص)، وهي قواعد قريبة من الوطن العربي، وأظهرت الحروب العدوانية الأمريكية أهمية هذه القواعد والبوارج الحربية، في العدوان الأول والثاني ضد العراق، كما العدوان على ليبيا ثم سوريا، وزادت أهمية الحُضور العسكري الأمريكي، بعد اكتشاف احتياطيات هائلة للغاز، شرقي البحر الأبيض المتوسط، سبق أن قدّر المهندسون السوفييتيون (قبل انهيار الإتحاد السوفييتي) وجودها، ضمن خرائط تقريبية، أقل دقة مما أُعلن عنه حاليا، وتقع سوريا ضمن منطقة الإحتياطيات الضخمة، وضمن مشاريع عبور خطوط نقل الغاز، عبر البحر الأبيض المتوسط نحو أوروبا، شكّل الموقع الإستراتيجي لسوريا أحد الأسباب المباشرة للعدوان المُستمر منذ 2011، ورغم التصريحات الغامضة عن مغادرة الجيش الأمريكي الأراضي السورية (المُحتلة)، أكّدت حكومة الولايات المتحدة التّمسُّك بقاعدَة “تل حجر” القريبة من حقل “الرميلان” للنفط والغاز، وقاعدة “التّنف”، القريبة أيضًا من الحُدُود السورية-العراقية، وأكّدت مَنْعَ الجيش السوري من السيطرة على حقول النفط والغاز، وعلى الأراضي الزراعية في محافظة “الحسكة” التي تُنتج الحبوب…

في الثاني من شهر كانون الثاني/يناير 2020، وقعت حكومات الكيان الصهيوني واليونان وقبرص اتفاقًا (مدعومًا من الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي) لإنشاء خط أنابيب “إيست ميد” (شرقي المتوسط) لنقل الغاز، بطول 1900 كيلومتر، وبتكلفة قد تفوق عشرة مليارات دولارا، وتعمل حكومة مصر على المشاركة في هذا المشروع، بالتزامن مع بداية تصدير الغاز المنهوب من سواحل فلسطين (بالشركة مع شركات أمريكية) إلى مصر والأردن، ليُعزز (تصدير الغاز) التطبيع الإقتصادي، والتغلغل الصهيوني في المشرق العربي، على حساب الشعب الفلسطيني، واللاجئين منه بشكل خاص، وتحاول تركيا (التي تحتل شمال قبرص منذ 1974، مع الإفلات من التتبع والعقاب) نيل “حصة” من الغاز المنهوب، ما جعل حكومة الإخوان المسلمين في تركيا، توقع اتفاقًا مع إحدى الحكومات الليبية، حكومة طرابلس التي يُدِيرها الإخوان المسلمون، للإستحواذ على غاز ليبيا، بعد تحْيِيد روسيا، في ليبيا، كما في سوريا، عبر إنشاء خط نقل الغاز الروسي “ترك ستريم” (السَّيْل التُّرْكِي) إلى البحر الأبيض المتوسط، البحر الأسود، ثم عبر تركيا، وتسعى معظم هذه الأطراف – ربما باستثناء روسيا- إلى إلغاء مشروع خط الأنابيب النقل للغاز الإيراني نحو سوريا، مرورًا بالعراق…

خاتمة:

اكتشفت الشركات الأمريكية النفط في السعودية منذ العقد الثالث من القرن العشرين، وبقيت تستغله لحد الآن، بعد حوالي تسعة عُقُود من اكتشافه، ورغم الطفرات في الإنتاج والأسعار، ورغم تراكم الثروات، بقي اقتصاد السعودية ودُويلات الخليج، والبلدان العربية المُنتجة والمُصدّرة للنفط (من بينها الجزائر والعراق وليبيا) اقتصادًا ريعيًّا، يعتمد على إيرادات الثروات الطبيعية، دون إضافة قيمة لها، وتصديرها في شكلها الخام، وبقيت جميع هذه الدول تستورد الغذاء والدّواء، وتُوكل مشاريع البنية التحتية والإنشاء إلى شركات أجنبية، وتوَزِّعُ بعض الفُتات على جماهير الفُقراء والعاطلين، لشراء الصّمت أو “السلم الإجتماعية”، وأصبحت جميع الدول العربية (وغير العربية) المنتجة والمُصدّرة للنفط والغاز، محط أطماع الدول الإمبريالية، وتتعرض جميعها للعدوان وللتهديد وللإبتزاز، ليَصْدقَ مقولة الوزير الفنزويلي للطاقة (  خوان بابلو بيريز ألفونسو) بأن النفط براز (أو فضلات ) الشيطان، لأنه سوف يجلب الخراب، إذا لم تحسن الدول المُنتجة له استخدام عائداته، أما دُويلات الخليج فقد استخدمت عائدات النفط والغاز لتمويل الجيوش الأجنبية ولاحتلال ولتخريب البلدان العربية (سوريا والعراق وليبيا) وللتطبيع مع الكيان الصهيوني، وتمويل العدوان والغزو الأجنبِيَّيْنِ…

من جهة أخرى، تستثمر دُويلات الخليج عائدات النفط في الولايات المتحدة، في شراء العقارات، وفي شراء السلاح، وفي ازدهار مُجمّع الصناعات العسكرية، لاستخدام هذا السلاح ضد الشعوب العربية حَصْرِيًّا، وربما الشعوب المُسْلِمة أيضًا، وأعلنت وزارة الخزانة الأمريكية (الأحد 19/01/2020) بلوغ استثمارات دويلات مجلس التعاون الخليجي في أذون وسندات الخزانة الأمريكية نحو 281 مليار دولارا، ولا تشمل هذه البيانات الاستثمارات الأخرى في الولايات المتحدة (خلاف أُذُون وسندات الخزانة) سواء كانت حكومية أو خاصة، أما عائدات مشيخة “قَطَر” من مبيعات الغاز فتستفيد منها الولايات المتحدة مباشرة، ووفقا لبيانات مصرف قطر المركزي فقد ارتفع إجمالي استثمارات قطر في سندات الخزانة الأجنبية خلال شهر كانون الأول/ديسمبر 2019، إلى 22,5 مليار دولار…

نختم هذه الورقة بتساؤل: كيف يكون حالنا كشعوب عربية، لو تجمعت هذه الأموال في خزائن حكومة (أو حكومة وحدة) وطنية، لها مشروع تنموي تقدّمي؟ ما هي المشاريع الإنمائية التي يمكن إنجازها بهذه التريليونات من الدولارات، ولا نتحدّث هنا عن مشروع اشتراكي، بل عن مشروع اقتصاد وطني، لا غير…

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.