بعض ملامح الإقتصاد العالمي والعربي، مطلع سنة 2020: الوضع العربي، من المُعايَنَة إلى الآفاق أو البدائل، الطاهر المعز

مقدّمة:

تَعْني عبارة “أزمة”، حدثًا طارئًا، أو مُفاجِئًا، وغير اعتيادي، يَزُول أثَرُهُ بعد فترة قصيرة نسْبِيًّا، لكن ومنذ قرابة خمسين سنة، أصبح أرباب العَمل والحكومات، في مختلف مناطق العالم، يتذَرَّعُون ب”الأزمة”، لِتَبْرِير استقرار أو انخفاض الرّواتب، ولتبرير ارتفاع نسبة البطالة والفَقْر، أي أن “الأزمة” صارَتْ حالة دائمة، وليست طارئة، أو حالة “اعتيادية”، وليست “استثنائية”، عندما يتعلّق الأمر بموارد أو دَخل الفُقراء والأُجَراء والمنتجين من الحِرَفِيِّين وصغار المُزارعين، في تناقُضٍ واضح مع ارتفاع ثَرَوات المَيْسُورين والأثْرِياء (زمن “الأزمة”)، في مختلف مناطق العالم أيضًا، وتزامن هذا الوضع مع انخفاض حصة العاملين من الناتج المحلِّي الإجمالي في كل بلد على حدة، وفي العالم كَكُلّ، وتزامنَ كذلك مع زيادة وتيرة استغلال العاملين، ونَقْل الصناعات المُلَوِّثَة والخطيرة، والتي تتطلب عددًا كبيرًا من العُمّال، إلى بُلْدان فقيرة، تَتمَيّزُ بوَفْرَة المواد الأولية، وبانعدام قوانين، وقوى ونقابات تحمي العاملين والمُنْتِجِين، وانعدام أو ضُعْف إجراءات الحماية والسّلامة المهنية، وبارتفاع وتيرة الإستغلال وارتفاع عدد ساعات العمل اليومي والأسبوعي، بالتّوازي مع انخفاض الرواتب، ما يُمكّن الدول من إرشاء أصحاب الدّخل الضعيف أو المتوسط في الدول الرأسمالية المتطورة، بتمكينهم من استهلاك السلع المُنتَجَة في البلدان الفقيرة (فيتنام أو بنغلادش أو الحبشة، أو المغرب…) بأسعار منخفضة، فلا يُفكّرون في الثورة ضدّ الوضع القائم على الإستغلال والإضطهاد وعلى تعميق الهُوّة الطبقية…

نستعرض في الفقرات الموالية، مظاهر “الأزمة”، وكذلك التناقض بين الطبقات، أي بين قِلّة من الأثرياء، في مقابل العدد الأكبر من مواطني كل بلد، ومن مواطني العالم، وزيادة تركيز الثروة لدى الأقلية، في مقابل ارتفاع حدة الفقر، على مستوى كل بلد، وفي العالم، وذلك بعد تسعين عاماً من انهيار بورصة نيويورك، أو ما سُمِّيَ يوم “الخميس الأسود” في 24 تشرين الأول/أكتوبر 1929، والذي تسبب في أسوأ أزمة اقتصادية في القرن العشرين أو ما سُمِّيَ “الكساد العظيم”، الذي دام سنوات عديدة، خلال عقد ثلاثينيات القرن العشرين، وتسبب في انطلاق الحرب العالمية الثانية، من أوروبا، ولكن الشعوب العربية، وشعوب آسيا وإفريقيا، سدّدت ثمنًا باهظًا خلال هذه الحرب، “حرب الآخرين”.

نُحاول رَصْد الوضع الإقتصادي العالمي والعربي، في بداية هذا العام 2020، ونُخَصِّصُ حيزًا هامًّا للوضع العربي (البطالة والفقر والأمية والدُّيُون الخارجية)، بشكل مُبسّط، وبرؤية تقدّمية، تؤمن بحق كل مواطني الوطن العربي في الثروة الموجودة على أراضيهم، وتومن هذه الرُّؤْية بالمصير العربي المشترك، من العراق وفلسطين إلى موريتانيا، مع فقرة عن التأثير الإقتصادي للإحتلال الأمريكي للعراق، كما نُخصص حيزًا للتناقضات داخل الولايات المتحدة، وعلى العاملين الفُقراء، داخل أكبر قُوّة امبريالية، تضطهد الإنسانية وتستغلها داخل حدودها، وخارجها، وإن اختلفت الدّوافع والأشكال، مع فقرة مُطَوّلة بعنوان “خاتمة”، تحاول عدم التوقف عند عملية الملاحظة والرّصد، في محاولة لإطلاق نقاش حول البدائل، ووسائل التغيير، أو طرق الوصول إلى بناء مجتمع بديل…  

 الظرف:

يتوقع مُعدّو تقرير “الآفاق الإقتصادية العالمية” الذي أصدره البنك العالمي ارتفاع معدلات النموّ الاقتصادي العالمي إلى 2,5% في 2020، رغم مخاطر التراجع الإقتصادي “التي لا تزال قائمة”، بسبب تراكم الديون العالمية، ما قد يُضْعِف النّمو، وقد تُسبِّبُ هذه المخاطر، بدورها أزمة مالية، ونَشَرَ البنك العالمي، ضمن تقريره، بعض التفاصيل عن الدّيون العمومية في العالم (أي دُيُون الدّوَل والقطاع العام)، ومن بين هذه التفاصيل، ارتفاع قيمة الدّيْن العالمي بين سنتَيْ 2008 و 2018، لتَبْلُغَ نسبتها 264% من الناتج الإجمالي العالمي، وارتفاع ديون الدول الرأسمالية المتقدمة بنسبة 54%، بين سنتيْ 2010 و 2018، وبلغت دُيُون الدول “الناشئة” (“ناشئة”، بحسب تعبير البنك العالمي وصندوق النقد الدولي، الذي يدعي أن هذه الإقتصادات “ناشئة”، والأخرى “عريقة”) حوالي 130 تريليون دولارا، سنة 2018، فيما بلغت ديون الدول الرأسمالية المتطورة حوالي 55 تريليون دولارا، بنهاية 2018، ونَظَرًا لانخفاض معدّلات النمو في كافة مناطق العالم، فإن ارتفاع حجم الدّيُون (كما الحال في الأرجنتين وتركيا، سنة 2018، وقبل ذلك في اليونان) قد يُؤَدِّي إلى أزمة جديدة، شبيهة بأزمة 2008، وربما شبيهة بأزمة 1929، وتسببت المُضاربة في أسواق المال بكل من الأزمَتَيْن، خلال ثمانية عُقُود…

رأس المال المُضارِب، أو تحقيق الرّبْح بدون إنتاج أو عمل:

للتذكير:

المُضاربة في البورصة هي “المخاطرة بالبيع والشراء بناء على تَوَقُّعِ تقلبات الأسعار، بغية الحصول على فارق الأسعار”، فهي ليست بيعاً حقيقياً ولا شراء حقيقياً، بل هي محاولة توجيه السوق وأسعار السلع، وأسعار أسهم الشركات والمصارف، للتحكم بمسارها، حيث لا يجد المتعاملون بسلع محددة (مثل الحبوب أو الغذاء) ما يبحثون عنها لتلبية طلبات زبائنهم، التي حان أجلها، ما يجعلهم يخضعون لإرادة المُضاربين المُحتكِرِين، فيخضعون للشراء بالأسعار التي يُقررها المُضاربون… أما في سوق الأسهم، فإن عمليات البيع والشراء تقتصر على انتقال العقود أو الأوراق المالية من مُضارِب إلى آخر، وكل مُشترٍ جديد يريد انتهاز الفُرصة لِبيع العقود أو الأوراق المالية، مع تحقيق الربح من فارق الأسعار…

يدّعي زعماء الإسلام السياسي أن المضاربة محظورة في الإسلام، وأن البيع والشراء يتم في “الصيرفة الإسلامية” (أو التمويل الإسلامي) ببَيْع حقيقي لسلع موجودة بالفعل، لكن وثائق المصارف الإسلامية تكتفي بتغيير أسماء العمليات المالية (وِفْق فتاوى لشيوخٍ متعاقدين مع المصارف بصفة “مُسْتشارين” في الفقه المالي والمصرفي) لتُصْبِح المُضارَبَة “حلالا”، وورد في إحدى وثائق هذه المصارف: يُعتَبَرُ “أسلوب المضاربة أحد أهم أساليب التمويل في المصارف الإسلامية، وَيُشَكِّلُ (مع أساليب أخرى ) نموذجًا للنشاط المصرفي الإقتصادي الإسلامي في السوق، إلى جانب الشركة والإجارة وبيع المرابحة وعقد الاستصناع، وعقد التوريد.”، وتُوَفِرُ المصارف التقليدية جميع هذه العمليات، بأسماء أخرى، غير أن الإقتصاد المُسمّى “إسلامي” يُقلِّلُ المخاطر، عبر المساهمة في مشاريع حقيقية، يدرسها بعناية، قبل الموافقة على تمويلها، بشرط تقاسم الأرباح مع أصحاب المشاريع (أوردنا في أعداد من نشرة الإقتصاد السياسي، كما في مقالات مُسْتَقِلّة، شرحًا لمُصطلحات لما يُسمّى “اقتصاد إسلامي”، ولأساليب عمله وبعض حيَلِهِ المُتنَوِّعة).  

المضاربات المالية:

نَشَرَ مصرف “دويتشه بنك” تقارير بُنِيَتْ على تقديرات المصرف، وأظْهرت التقديرات ارتفاع قيمة أسواق الأسهم العالمية، خلال العام 2019، بأكثر من 17 تريليون دولار، ويُعلّلُ تقرير المصرف هذا الإرتفاع الكبير بالسياسة النّقدية للحكومات والمصارف المركزية، التي منحت الشركات والمصارف والأثرياء أموالاً بدون فائدة، أو بفائدة ضعيفة جدًّا، ولم تُستَخْدَم هذه الأموال في الإستثمار المُنْتِج، بل في إقراض الأفراد والأُسَر والشركات الصغيرة، بفائض ضعيف، لكنه أعلى من الفائض الذي أقرّته الحكومات والمصارف المركزية، واستُخْدِمَت هذه الأموال، بالخُصُوص، في المُضارَبَة بالأسهم في أسواق المال، ما جعل القيمة الإجمالية للأسهم المُتداولة في أسواق المال العالمية، ترتفع من 68 تريليون دولار، في بداية سنة 2019، إلى 85 تريليون دولار، قبل حوالي عشرة أيام من نهاية سنة 2019، أي أن الإرتفاع كان بقيمة 17 تريليون دولارا، رغم الحُروب (التي لا يتضرر منها سوى الفُقراء والبُلدان الفقيرة) ورغم الحرب التجارية التي أعلنتها الولايات المتحدة على الصين، وكذلك على روسيا وأوروبا أيضًا، واستأثرت أسواق المال الأمريكية بزيادة فاقت 20%، واستأثرت أسهم الشركات الأمريكية بأكبر ارتفاع سُجّلَ في العالم (رغم الحرب التجارية)، فارتفعت قيمة أسهم مجموعة “آبل” في الأسواق بحوالي 80%، فيما ارتفعت أسهم “فيسبوك” بنسبة 57%، وبشكل عام عندما ترتفع قيمة الأسهم في أسواق المال، ترتفع عائدات من يمتلكون الأسهم، ولا يستفيد المُسْتهلك (الزَّبُون) من هذه “الوَفْرَة”، ولا ترتفع بالضرورة رواتب العاملين أو تتحسن ظروف عملهم، ما يَرْفع من حصّة رأس المال، ويُخَفِّضُ حصة “العَمل” (الرواتب وأدوات وظروف العمل)، وتُشجّع الحكومات رأس المال المُضارب، وغير المُنتج، بإعفاء أرباح الشركات ورأس المال من الضرائب، أو خَفْضِ نسبة الضريبة على الأرباح، مقابل رفع الضرائب على الدّخل للعاملين، ورفع قيمة الضريبة غير المُباشرة، أي الضريبة على استهلاك السلع والخدمات، ورفع الرسوم العائدة للدولة، على الوقود والكحول والتبغ والمعاملات الإدارية والوثائق التي تُسلمها مختلف الوزارات والإدارات الحكومية والمَحَلِّيّة (المحافظات أو البلدِيّات)…

تعميق الفجوة الطبقية:

بالتوازي مع تقرير البنك العالمي، نشرت منظمة “أوكسفام”، بمناسبة مؤتمر الإقتصاد العالمي (منتدى دافوس) في الواحد والعشرين من كانون الثاني/يناير 2020، تقريرًا عن الفوارق المُجحفة بين الأثرياء والفُقراء في العالم، كما أجرت مؤسسة “إدلمان ترست باروميتر”، استطلاعًا، جمع على مدى عقدين (من 2000 إلى 2019)، آراء عشرات الآلاف من الأشخاص، في عدد من بلدان العالم، بشأن درجة ثقتهم بالمؤسسات الحكومية الأساسية، وبشأن نظرتهم إلى الرأسمالية، والنتيجة أن 56% منهم يرون أن أَضْرار الرأسمالية تَفُوق نَفْعَها، خلافًا لما أعلنه “فرنسيس فوكوياما” بشأن “نهاية التاريخ” (النهاية المزعومة أو المأمُولَة)، ومن انتصار نهائي للنظام الرّأسمالي، بحسب زعْمِهِ، وزعْم تيار المُحافِظِين الجدد (النيوليبراليين)، فرغم عملية غسيل الأدمغة، لا تزال أغلبية من سكان الأرض، تُفكِّرُ وتُمَيِّزُ بين الغث والسّمين، وتُقيّم الوضع بحسب مصالحها.

أما تقرير “أوكسفام” فيشير إلى تعميق الهُوّة بين الأغنياء والفُقراء، وإلى امتلاك 2153 ثري في العالم، ثروة تفوق قيمتها ما يملكه 4,6 مليارات إنسان، أو أكثر من 60% من شعوب العالم، ويُشير التقرير إلى دَوْرِ تخفيض الضرائب على الشركات وعلى الثروات الشخصية في تجْمِيع وتركيز هذه الثَّرَوات، ما جعل الفُقراء والأُجَراء وحدهم يُمَوِّلون ميزانية الدّول، فيما أعفَت مختلفُ الحكوماتِ الأثرياءَ من المُساهمة في الإنفاق على البنية  التحتية (التي يستخدمها الأثرياء أكثر من الفقراء، كالطرقات والمطارات والموانئ…)، والتنمية وغير ذلك من أبواب ميزانية الدّول، واعتمدت “أوكسفام” على البيانات التي نشرتها مجلة “فوربس” ومصرف “كريدي سويس”، وملخّصها أن قيمة ثروة 1% من السُّكّان الأكثر ثراءً في العالم، تفوق ضِعْفَ ما يملكه نحو 92% من سكان العالم، كما نشرت منظمة الأمم المتحدة تقارير أخرى عن الوضع العالمي، وفي الوطن العربي، ومن بينها تقرير مُتشائم، يوم الإثنين 20 كانون الثاني/يناير 2020، بعنوان “مستقبل التوظيف في العالم”، ويتوقع مُعِدُّو التقرير ارتفاع عدد العاطلين عن العمل، الذين تم إحصاؤهم وتسجيلهم، في العالم، من 188 مليون سنة 2019 إلى 190,5 مليون سنة 2020، مع الإشارة إلى وجود ما لا يقل عن 285 مليون شخص في حالة “بطالة مُقَنَّعَة”، بحسب البيانات الرسمية، أي يعملون أقل مما يرغبون، أو لا يمكنهم الحصول على وظيفة فانقطعوا عن تسجيل حالتهم في السجلات الرسمية، ما يرفع العدد الإجمالي للعاطلين في العالم سنة 2019، إلى أكثر من 470 مليون شخص، أو حوالي نصف مليار من البشر، ما يُعادل نحو 13% من قوة العمل العالمية، بحسب منظمة العمل الدّولية، التي يتخوف مسؤُولوها من أن يُؤدّي ارتفاع البطالة إلى اندلاع ما تُسميه المُنظّمة “اضطرابات اجتماعية”، وتتوقع الأمم المتحدة ارتفاع عدد العاطلين سنة 2020، بسبب “التباطؤ الإقتصادي” الذي لا يتماشى مع (أي لا يُغطِّي) الزيادة الطبيعة لعدد سكان العالم، وتُشير منظمة العمل الدّولية إلى عمل ملايين البشر في وظائف غير لائقة أو لا تُلبِّي طموحاتهم، أو هي وظائف دون مستوى مؤهّلاتهم وخبراتهم، ولكنهم اضطرّوا لقبولها، ويُعتبر هذا الأمر شكلاً من أشكال “غياب المُساواة” أو عدم تساوي الحظوظ الذي يَضُرُّ بالفُقراء، لأن أبناء الأثرياء يَرِثُون الثروة، ويرثُون الشركات والأسهم، أو يعملون بالوساطة، لدى أصدقاء عائلاتهم، سواء في القطاع الخاص، أو في الوظائف الحكومية…

اقتصاد العالم بين أزمَتَيْن:

ذكرنا في بداية المقال أن الأزمة تعني حالة استثنائية أو طارئة، لكن العاملين والفُقراء، أي أغلبية الشعوب لا ترى تحسّنًا في وضعها المعيشي، خلال الفترات التي تعتبرها أجهزة الدولة أو أجهزة الإحصاء فترات “رخاء”، خصوصًا منذ العقد الأخير من القرن العشرين، بعد إعلان “نهاية التاريخ” وهيمنة القُطب الواحد، بزعامة الولايات المتحدة، على العالم، وبينما تُشير البيانات إلى ارتفاع ثروة الأثرياء بشكل غير منطقي، يتعلل هؤلاء الأثرياء أو رفاقهم وزملاؤهم، أصحاب الشركات، بالأزمة لتجميد الرواتب، أو خفضها أحيانًا، وتسريح العاملين بمئات الآلاف في قطاعات الصلب والمناجم والصناعة (صناعة السيارات) أو في القطاع المالي (المصارف)، لأن المُضاربة المالية أصبحت أكثر ربْحية من الإستثمار في الصناعة أو في الزراعة، وفي القطاعات الإنتاجية، حيث أدّى ضُعف قطاع الصناعات التحويلية إلى تباطؤ نمو الإقتصاد العالمي، وخصوصًا في الدول الصناعية العريقة، ولا يتوقع البنك العالمي أن تتجاوز نسبة النمو 1,4% في “الاقتصادات المتقدمة”، سنة 2020، و1% فقط في مجموعة منطقة اليورو، على أن تنخفض نسبة نمو اقتصاد الصين، قاطرة الإقتصاد الرأسمالي العالمي، من 6,1% سنة 2019 إلى 5,9% سنة 2020…

نشر صندوق النقد الدولي تقريرا عن وضع الإقتصاد العالمي (تقرير نصف سنوي، يصدر الأول في آذار/مارس والثاني في تشرين الأول/اكتوبر، من كل سنة) في تشرين الأول/اكتوبر 2019، ونَقَدَ من خلاله القطاع المصرفي الأوروبي، “المتعثّر منذ بداية العقد الماضي”، وتبلغ أُصُول المصارف الهشة الأوروبية حوالي 8,5 تريليونات دولارا، من إجمالي أُصول مصرفية متعثرة في العالم، تبلغ قيمتها 12 تريليون دولارا، ويبدو أن هذه المصارف نَجَتْ من الإفلاس بفضل المال العام الذي ضخته الحكومات في خزائنها، منذ 2008، وسرقت الحكومات هذه المبالغ الضخمة من اشتراكات العاملين في التأمين الإجتماعي (التأمين الصحي والتقاعد، والتأمين على البطالة…)، لتُهْدِيها مَجانًا (بدون فوائض) إلى الشركات والمصارف التي لا تَضُخُّ هذه الأموال العمومية في الإقتصاد الحقيقي، ولا تُشارك بالتالي في نمو الناتج المحلي، بل استخدمت هذا المال العام في المُضارَبَة، أو لإنشاء شركات وهمية في الملاذات الضريبية، أو حتى في داخل البلدان (أوروبا واليابان أو أمريكا الشمالية)، واستَخْدَم الأثرياء هذه المصارف المتعثرة لتحويل الودائع إلى حسابات خارجية، في عملية قانونية لغسيل الأموال، مما يزيد من نشر الفساد، المُتَفَشِّي أصْلاً في الدول الرأسمالية المتطورة، لكن بأشكال أقل بُرُوزًا من البلدان الفقيرة…

نشرت الدّورية الأمريكية “فورين أفيرز”، التي يُصدرها مجلس العلاقات الخارجية، ملفًّا بعنوان “مستقبل الرأسمالية”، بمناسبة انعقاد المنتدى الإقتصادي العالمي (منتدى “دافوس”)، واستنتجت أن النظام الرأسمالي ناجح، خلافًا لاستطلاع الرأي الذي أشرْنا إليه في فقرة سابقة، والذي أَجْرَتْهُ مؤسسة “إدلمان ترست باروميتر”، جمع على مدى عقدين (من 2000 إلى 2019) آراء عشرات الآلاف من مواطني العالم، وادّعى تقرير “فورين أفيرز” أن النظام الرأسمالي في وضع جَيِّدٍ لأن تكاليفه تقل عن فوائده (أو عائداته)، وقد يكون تأكيد مجلة “فورين أفيرز” صحيحًا، بسبب ضُعْف الطرف المُقابل، أو المُناهض للنظام الرأسمالي، ويُمثل هذا الملف وهذا الإستنتاج رَدًّا (من عُتاة المُدافعين عن الرأسمالية في مرحلة الإمبريالية والعَوْلَمَة) على من ينتقدون النظام الرأسمالي، من داخله، ورَدًّا على من يُطالبون ببعض الإصلاحات، من أجل زيادة انتشارِ النظام الرأسمالي، وضمان دَيْمُومَتِهِ، ومن بينهم مؤسس المنتدى الإقتصادي العالمي (منتدى دافوس) نفسه “كلاوس شواب” الذي دعا في مقال نَشَرَهُ في مجلة “إيكونوميست” إلى “ضرورة إصلاح الرأسمالية”، وخفض حصة مالكي الأسهم من عائدات رأس المال، ويعتقد بعض كبار المُدافعين عن النظام الرأسمالي، مثل “جوزيف ستيغليتز” (مستشار سابق في الرئاسة الأمريكية ونائب رئيس البنك العالمي، سابقًا)  و”تود تاكر” و”غابرييل زوكمان” إن الرأسمالية في أزمة، بسبب التهرب الضريبي، رغم انخفاض المتوسط العالمي لمعدّل الضريبة القانونية على أرباح الشركات إلى أكثر من النصف، بين سَنَتَي 1985 و2018، وبسبب حرمان خزينة الدول من نحو 180 مليار دولارا سنويا، وتهريب نحو 30% من ثروات إفريقيا إلى الخارج، وخصوصًا إلى الملاذات الضريبية، وتهريب ما يعادل 8% من الثروة المالية العالمية، أو حوالي 7,6 تريليونات دولارا إلى الملاذات الضريبية، ويُطالب بعض الإقتصاديين، وحتى بعض الأثرياء، بزيادة الضرائب على الثروات الكبيرة، لكي لا يتقهقر النظام الرأسمالي، عندما يبلغ حدوده، تخَوُّفًا من قاعدة علم الفيزياء: “إذا بلغ الشيء حَدَّهُ، انقَلَبَ إلى ضِدِّهِ” …

دُرُوس أزمة 2008:

 نُسبت إلى العالم، ذي المواقف والحِكَم المأثُورة، مُكتشف نظرية النِّسْبِيّة العامة، المُكمِّل لنظرية “إسحاق نيوتن” بشأن الجاذبية، وتُسمى نظرية النسبية العامة أيضًا، قانون (أو معادلة) السُّرْعة ( E = mc² ) “ألبرت إينشتاين” (1879 – 1955 ) مقولة: “المجنون يتصرف دائمًا بنفس الطريقة ويتوقع نتيجة مختلفة”، ونورد هذه “الحِكْمة” لإينشتاين، بمناسبة الحديث عن دور المُضاربة والمصارف في أزمة 1929، كما في أزمة 2008، وما بينهما (كالأزمة الآسيوية سنة 1997)، فقد بدأت الأزمة المالية لسنة 2008، بإفلاس مصرف الاستثمار الأمريكي “ليهمان براذرز”، يوم 15 أيلول/سبتمبر 2008، ورفضت الحكومة الإتحادية الأمريكية اتخاذ أية تدابير، لأنها ترفض الإعتراف بأن الأزمة هَيْكَلِيّة وليست عابرة أو ظرفية، مما أدّى إلى انهيار المنظومة الإقتصادية العالمية، بسبب هيمنة الولايات المتحدة وترابط اقتصاد العالم، باستثناء الدول التي كانت أقل ارتباطًا بالمنظومة المصرفية العالمية، التي تُهيمن عليها أمريكا، رائدة النظام الرأسمالي العالمي، فكانت الأزمة أقل تأثيرًا في اقتصاد كوبا المحاصرة، وكوريا الشمالية وفنزويلا، والصين بدرجة مختلفة، وانخفضت كافة المُؤشرات، بما في ذلك مؤشرات البورصة الأمريكية، حتى شهر آذار/مارس 2009، وبلغت أدنى مستوياتها، ولكن ضخ المال العام بكثافة، والذي شكّل تأميمًا لخسائر الشركات والمصارف، وخَصْخَصَةً لأرباح مالكيها وأصحاب الأسهم، جعل مؤشر “داو جونز” يرتفع، خلال عشر سنوات، بنسبة 324% وارتفع مؤشر “ناسداك”، خلال نفس الفترة، بنسبة 568%، ولا تعكس أرباح البورصة الواقع الإقتصادي، أو أي حقيقة اقتصادية ملموسة، لأن الإقتصاد الحقيقي لم يرتفع بنسبة تصل إلى 3%، فيما يتراوح معدل أرباح الشركات، بين 10 و 12%، وتصل أرباح بعض فُروع شركات الأدوية إلى 35%، وهي نسبة مرتفعة في قطاع الصناعة، بل تعكس هذه الزيادة المَهُولَة في أرباح البورصة مستوى المُضارَبَة بالأسهم أو في قطاع العقارات، فتؤدّي الإرتفاعات غير المُبَرّرة أو “غير المعقولة” إلى تشكيل ما يُسمّى “فُقّاعةً” (أي مملوءة بالهواء، وداخلُها فارغ)، قد تنفجر في أية لحظة، وفقًا لقوانين الفيزياء، حيث يقول “ألبرت إينشتاين” أن قوانين الطبيعة، وقوانين الفيزياء، تَحُول دون صعود الأشجار إلى السماء، فهي إذا طالت كثيرًا، تكسرها الرّياح، فالفُقّاعة منفصلة عن الإقتصاد الحقيقي، ويمكن أن تتسبب في أزمة جديدة إذا انفجرتْ، فتصدق فيها “حكمة” ألبرت إينشتاين، التي افتتحنا بها هذه الفقرة، لأن مُنَظِّرِي الإقتصاد الرأسمالي النيوكلاسيكي كانوا يؤكدون، سنة 1929، استحالة حدوث أزمة كبيرة تعصف بالنظام الرأسمالي، ويُشير بعض الإقتصاديين اليوم (سنة 2019)، أي بعد تسعة عُقُود، للإرتفاع الكبير للديون العالمية، على مستوى الدّول أو الشركات أو الأُسَر والأفراد، أي أن الرأسمالية الموصوفة ب”المتوحّشة” (وهي دائمًا متوحشة، ومُعادية للإنسانية) جعلت الجميع يعيشون بما يفوق إمكانياتهم، وتتمثّل إمكانيات الدّول في قيمة ما تُنتجُهُ داخلها، أي قيمة الناتج المحلي الإجمالي، وأصبحت الديون في عديد الدّول تتجاوز قيمة الإقتصاد، أي تتجاوز قيمة الناتج المحلي الإجمالي، ونُشير إلى مطالبة الإقتصاديين، منذ أزمة 1929، ثم خلال أزمة 2008، بفصْل مصارف الودائع عن مصارف الإستثمار، في إطار سياسات مالية “جديدة” أو “غير تقليدية”، لكن ذلك حصل بشكل جُزْئي، للضّرُورة، وعَمدت الحكومات، في العالم، بعد 2008، إلى إقرار نفس السياسات النقدية، المُسمّاة “سياسات التّيْسِير النّقْدِي”، والمتمثلة بإقراض الشركات والمصارف، بفائدة منخفضة، وبالتالي إقرار فوائد ضعيفة على الإدّخار، ما جعل الاستثمار في المُضاربة بالأسهم (في البورصة) أكثر ربحية من الادخار أو من الاستثمار في القطاعات الإنتاجية، كالصناعة أو الفلاحة، ما أدّى بدوره إلى نتائج سلبية على الإقتصاد العالمي، وإلى تباطؤ النّمو في كافة مناطق العالم، سواء في الصين والهند واليابان أو في أوروبا وأمريكا الشمالية…

الدّولة في خدمة رأس المال:

قَدّرَ صندوق النقد الدّولي زيادة القيمة الحقيقية التي يُنتجُها الإقتصاد العالمي، بين سَنَتَيْ 2018 و 2019، بنسبة 3%، أو ما يُعادل 3,436 تريليونات دولارا، بينما زادت قيمة الأسهم (القيمة السوقية، وليست القيمة الحقيقية) بنسبة 28,4%، أو ما يُعادل 12,147 تريليون دولارا، وزادت ثروة أصحاب الأسهم، في نحو 1500 شركة عابرة للقارات، بنسبة 15% في المُتوسّط، بفضل الدّعم الحكومي لهذه الشركات، من المال العام، لتنهب الحكومات والشركات الكُبْرى ثروات العالم، وأتاحت المساعدات الحكومية لأكبر عشر شركات في العالم (فيسبوك وأمازون وألفابيت-غوغل ومايكروسوفت وفيزا، وغيرها ) مضاعفة قيمتها الرأسمالية بين سَنَتَيْ 2016 و 2019، أي بزيادة نسبتها 100% بفضل المال العام، وبفضل ضرائب الأُجراء والفُقراء والمُنتجين والكادحين، وارتفعت قيمة الشركات الخمسة عشر التي تليها، بنسبة 40%، خلال نفس الفترة، في حين انخفضت القيمة الحقيقية لرواتب الأُجراء في جميع أنحاء العالم ، ولم تتجاوز في مُعدّلها (بالمقارنة مع مستوى المعيشة والأسْعار) مستوى سنة 1974، ويُعاني الأُجَراء وصغار المنتجين والفقراء المزيد من الصعوبات المادية والمالية، وارتفاع نسبة البطالة والوظائف الهشة وبدوام جزئي، وبرواتب منخفضة، مما يزيد من إفقار غالبية سكان العالم، ومن دُيُون الأُسَر والطلبة، في الولايات المتحدة، وفي العديد من دول العالم…

واصلت الحكومات، سنة 2019، فرض تدابير (قرارات) لصالح الشركات العابرة للقارات، ومن بينها القروض (من المال العام) بدون فائض، مع تخفيض الضرائب على أرباح الشركات الكبيرة وثروات الأثرياء، بالتزامن مع ارتفاع ديون الولايات المتحدة بنسبة 150%، وديون فرنسا بنسبة 100%، ونُذَكِّرُ كذلك باتساع هوة عدم المساواة، إذ فاقت قيمة ثروة أغنى 1% من الأثرياء، قيمة ما يمتلكه نحو 60% من سكان العالم.

كانت المصارف أكبر مُستفيد من المال العام، خلال أزمة 2008/2009، حيث حصلت، لفترة عشر سنوات، على الأموال من المصارف المركزية، بفائدة ضعيفة، أو بدون فائدة، واستخدمت المصارف بعض هذه الأموال “المَجانِيّة” لإِقْراض الأفراد والشركات الصغيرة بفائدة مُرتفعة، ولما قررت المصارف المركزية وقف التمويل الرخيص، أعلنت المصارف تسريح  حوالي 74 ألف موظف، خلال سنة 2019، من بينهم 86% في أوروبا، بحسب تقرير أعدته ونَشَرَتْهُ وكالة “بلومبيرغ”، التي عَلّلَتْ عمليات خفض الوظائف، بانخفاض معدلات الفائدة على القُرُوض، إذ يُؤَدِّي خفض معدلات الفائدة إلى تراجع أرباح القروض المقدمة من المصارف، لأن المصارف تستخدم ودائع الزبائن لإقراض زبائن آخرين، وتتربّح من عملية الإقراض، وعللت “بلومبرغ” أيضًا التّسْرِيح بالنزاعات التجارية الدولية التي تدفع المصارف لخفض التكاليف، ورغم مرور فترة تفوق عشر سنوات على أزمة 2008/2009، تُواصِلُ الحكومات الأوروبية (وكذلك المصرف المركزي الأوروبي) استخدام المال العام لتقديم تسهيلات مالية للمصارف، في إيطاليا وألمانيا وفرنسا وغيرها، دون تقييم جَدْوى هذه العملية.   

الدّيون العالمية:

أظْهَرَتْ تقارير البنك العالمي عن إحصاء الدّيون الدّولية لسنة 2020، ارتفاع إجمالي الديون الخارجية للبلدان منخفضة ومتوسطة الدخل بنسبة 5,3% لتبلغ قرابة ثمانية تريليونات دولارا، سنة 2019، وسَدّدَ المُقترضون من هذه الدول حوالي 530 مليار دولارا من الفوائد، دون احتساب أقساط تسديد أصل الدّيْن، مما يُبْرِزُ المبالغ الضخمة التي يحصل عليها الدّائنون من عَرَق الفُقراء في البلدان الفقيرة، ونشر مصرف “بنك أوف أمريكا- ميريل لينش” تقريرًا أَوْرَدَ أن الحُكومات اقترضت ما لا يقل عن ثلاثين تريليون دولارا، منذ انهيار مصرف الاستثمار الأميركي “ليهمان براذرز”، في آذار/مارس 2009، ، واقترضت الشركات 25 تريليون دولار، في حين اقترضت الأسر تسعة تريليونات دولار، كما حصلت المصارف على تريليوني دولار، بالإضافة إلى ما ضخّته الحكومات في خزينة هذه المصارف، وتُعتَبَر الدول الرأسمالية المتطورة، هي الأكثر مديونية في العالم، حيث بلغت دُيُون الولايات المتحدة 22 تريليون دولار، تليها اليابان والصين وبريطانيا وفرنسا، وأشار تقرير “معهد التّمويل الدولي” – وهو فرع من مجموعة “البنك العالمي”، مختص في إقراض الحكومات مبالغ تَمْنَحُها للقطاع الخاص، بذريعة “تحسين مناخ الأعمال”- إلى ارتفاع حجم وقيمة الدّيْن العالمي، بشكل يجعل هذه الدّيُون تُشكّل خطراً يهدد استقرار الدول، بسبب ارتفاع حجم هذه الدّيُون إلى ثلاثة أضْعاف حجم الإنتاج العالمي، بنهاية سنة 2019، وأَوْرَد تقرير “معهد التمويل الدّولي” أن الدين العالمي يشمل قروض الحكومات والشركات والأُسَر، وارتفعَ بمقدار تسعة تريليونات دولار، خلال سنة واحدة، ليبلغ نحو 255 تريليون دولار، خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2019، أي بمعدل يمثل 322% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتَجَمّعت نسبة تفوق نصف حجم هذه الدّيُون في “الأسواق المتقدمة”، مثل أمريكا الشمالية ودول الإتحاد الأوروبي، لتصل نسبة الدّين بهذه البلدان إلى نحو 383% من الناتج المحلي الإجمالي، وارتفع نصيب الفرد من سكان الأرض (المُقدَّر عددهم بنحو 7,7 مليارات إنسان)  من إجمالي حجم الدين العالمي إلى أكثر من 32 ألف دولار، في ظل انخفاض معدل النمو الاقتصادي العالمي، وتزايد الحواجز التجارية، وضعف الطلب العالمي، وانخفاض نمو الإنتاجية، وارتفاع معدّل الأعمار في الدول الرأسمالية المتقدّمة، وتزيد المخاطر الجيوسياسية من تراجع مستويات النمو العالمي وتزيد من مخاوف الركود، ومن ارتفاع احتمالات العجز عن تسديد القُرُوض…

بعض خصائص الإقتصاد الأمريكي:

تعتمد الولايات المتحدة في سياستها الدّولية على القُوة العسكرية والتهديد بالحرب والعدوان، كما تعتمد على هيمنتها على الأمم المتحدة، بفضل حق النّقض (الفيتو) وبفضل مجموعة الدُّوَيْلات والجُزُر غير المعروفة التي تدعمها في الأمم المتحدة بالتصويت مع الكيان الصهيوني ومع أمريكا “ظالمة أو مظلومة”، كما تعتمد الولايات المتحدة على هيمنتها على النظام المصرفي العالمي وعلى الدّولار الذي تُقَوَّمُ به التعاملات التجارية الدّولية والقُرُوض وهو أساس تعاملات المنظومة المَصْرِفية في العالم، وتهيمن الولايات المتحدة على نظام التحويلات النقدية العالمية (رغم وجود مقر “سويفت” في بلجيكا)، كما تُهيمن على شبكة الإتصالات العالمية، وخاصة على الشبكة الإلكترونية.

أدّى الإعتماد على القُوّة والغطرسة إلى استهتار الحكومات الأمريكية بالنّواميس التي اتفقت عليها الدّول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، وبالقواعد المتفق عليها بين الدول الرأسمالية في “بريتن وودز” سنة 1944) وزاد الإستهتار، بعد ما يُعِرَفُ ب”وفاق واشنطن”، منتصف 1989، وخصوصًا بعد انهيار الإتحاد السوفييتي، لتحاول الولايات المتحدة فَرْضَ سياسة القُطْب الواحد، وعدم مراعاة مصالح الحلفاء أو “الأصدقاء” (باستثناء الكيان الصهيوني)، ناهيك عن الخصوم ومن تعتبرهم أعداء، وأصبحت الولايات المتحدة تعيش عالَةً على العالم، عبر القُوّة العسكرية والدّولار، وأصبحت الدولة تقترض بدون حساب، لأن القُروض بالدّولار، والدّولار سلعة تُباع وتُشتَرى في الأسواق العالمية، لكن الولايات المتحدة تتحكم بها، وتستطيع خفض قيمتها وطَبْعَ المزيد من الدّولارات، متى شاءت، خاصة بعد فك ارتباط قيمة الدولار بالذهب، سنة 1971، فارتفعت الديون الأميركية بسرعة تفوق نمو الإقتصاد، وسجلت مستويات قياسية، فبلغت حوالي 22 تريليون دولارا، بما يُعادل 106% من إجمالي الناتج المحلي الأمريكي، بالتوازي مع ارتفاع العجز في الميزانية إلى حوالي تريليون دولار، بسبب خفض الضريبة وإلغاء الإنفاق، وارتفع عجز الميزانية الأمريكية خلال سنة 2019 بنحو 26% من 779 مليار دولارا سنة 2018، إلى 985 مليار دولار، سنة 2019، ويتجه الإقتصاد الأمريكي نحو الركود، مما قد يُؤشّر إلى أزمة عالمية، ساعدت الحروب التجارية على إطلاقها…

رغم القوة، أشارت تقارير أمريكية صدرت في كانون الأول/ديسمبر 2019 إلى تزايد الفقر بين العاملين في الولايات المتحدة، حيث يتقاضى ما يقارب نصف العمّال الأميركيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و64 عاماً، أو ما يقارب 53 مليون أمريكي، رواتب منخفضة، بمعدل 10,22 دولارا في الساعة، ما يجعل معدل دخلهم السنوي لا يتجاوز 18 ألف دولارا، وهم “عاملون فُقراء”، بحسب دراسة نشرها معهد “بروكينغز” (كانون الأول/ديسمبر 2019)، رغم اللّغْو عن “ازدهار الاقتصاد الأميركي الذي شهد نموّاً قياسياً خلال السنوات الماضية”، بحسب التقارير الرسمية الأمريكية والدّولية، وتُشكل هذه الوظائف متدنِّيَة الرواتب، قاعدة، وليس استثناءً، في حوالي أربعمائة مدينة كبرى أمريكية، حيث يصل عدد العاملين (برواتب متدنية وغير لائقة) إلى أكثر من ثُلُثَيْ العدد الإجمالي للعاملين في بعض المدن، خاصة في غرب وجنوب الولايات المتحدة، أو أكثر من ثلاثة وثلاثين مليون عاملة وعامل، من بينهم ما لا يقل عن 13 مليون عامل وعاملة يعيلون أطفالاً قاصرين، ونُشير أن عُمال وعاملات شركات كبيرة وعابرة للقارات، مثل كوكاكولا، وولمارت، وماكدونالدز، وغيرها، يُطالبون منذ أكثر من خمس سنوات برفع الأجر الأدنى إلى 15 دولارا في الساعة، لكن الشركات الضخمة والعابرة للقارات، والتي تُحقق أرباحًا خيالية من فرط استغلال العمال في الداخل والخارج، ترفض الإستجابة لهذا المطلب البسيط…

هل هي نهاية الرأسمالية؟

سجّل “الإقتصاد العالمي”، سنة 2019، أدنى مستويات النمو، سواء في قطاعات الصناعة أو التجارة أو الإستثمار، خلال عقد كامل، وفي بداية سنة 2020 خفض البنك العالمي توقعاته لنمو الإقتصاد العالمي لنفس السنة (2020)، وإن كان ارتفاع نسبة النّمو لا يَعني مباشرة ارتفاع دخل أو راتب العمال وصغار المزارعين والمُنتجين والفُقراء، لكنه مُؤشر رأسمالي هام، لأنه يعني ارتفاع الإستثمارات، ولو كانت في قطاعات المُضارَبة والرّبح السّريع، ويؤدّي ارتفاع الإستثمارات، “نَظَرِيًّا” (افتراضيا) إلى زيادة فُرص التّشغيل، ويتوقع البنك العالمي نموًّا طفيفًا للإقتصاد العالمي (أي اقتصاد البلدان الرأسمالية الكُبرى) لكن ليس بالسرعة الكافية لخفض نِسَبِ الفقر والبطالة، ويُشير تقرير البنك العالمي إلى “تراكم الدّيُون”، خصوصًا في ما يُسميه “الأسواق الناشئة” أو “الإقتصادات النامية”، حيث تُعرقل الدّيون الإستثمارات في قطاعات منتجة، ولا يُشير البنك العالمي (ولا صندوق النقد الدولي) إلى شُرُوطه المجحفة التي تُكبّل هذه الدّول، وتعرقل نُمُوّ اقتصادها، وتُعرقل تحرر هذه الدّول من التّبعية، ومن الهيمنة والإستعمار الجديد، وتتّسم تقارير البنك العالمي وصندوق النقد الدّولي بالكذب، وادّعاء أن هذه التأثيرات السلبية (الركود أو الحرب التجارية أو “الأزمات”) قصيرة الأجل، وسوف تَزُول بمجرد تطبيق شروط المُؤَسَّسَتَيْن…

من جهة أخرى يتواصل نشر الأخبار الإقتصادية السَّلبية أو المتشائمة، مثل انخفاض نمو اقتصاد الصين، من نسبة 6,6% سنة 2018 إلى 6,1% سنة 2019، وهو أدنى مستوى منذ ثلاثة عُقُود، أي منذ الإنتقال الواضح والصّريح للإقتصاد الصيني إلى تطبيق قواعد الرأسمالية، بشكلها “النيو كينزي”، فارتفع وَزْن الصين في المبادلات والتعاملات العالمية، وشكل اقتصاد الصين، خلال العُقُود الماضية، عامل توازن واستقرار للإقتصاد الرأسمالي المُعَوْلَم، ورغم الإتفاق المبدَئي بين قُطْبَي الرأسمالية العالمية حول التجارة، يتوقع البنك العالمي تباطُؤ اقتصاد الصين وانخفاض نسبة النّمو إلى أقل من 6% سنة 2020، لأن اقتصاد الصين أُصِيب بالأمراض الهيكلية التي تُصيب أي اقتصاد رأسمالي، بعد أن انتقل الإقتصاد الصيني من مرحلة “ورشة العالم”، إلى مرحلة اقتصاد التقنيات المتطورة، خاصة وأنه اعتمد على التصدير، قبل أن يُحاول، بعد أزمة 2008/2009، الإعتماد على الطلب (الإستهلاك) الدّاخلي.

أشرنا في فقرات سابقة إلى التقرير الذي نشرته منظمة “أوكسفام”، بمناسبة مؤتمر “المنتدى الإقتصادي العالمي” (منتدى دافوس)، يوم 21 كانون الثاني/يناير من سنة 2020، والذي يتناول ر مسألة تعميق الفوارق بين الأثرياء والفُقراء في العالم، ونُشير في الفَقرات التّالية إلى تقارير أخرى عن الوضع العالمي، وعن الوضع في الوطن العربي، بحسب تقارير المؤسسات الرأسمالية الرسمية.

نشرت منظمة الأمم المتحدة يوم الإثنين 20 كانون الثاني/يناير 2020 تقريرًا متشائمًا بعنوان “مستقبل التوظيف في العالم”، ويتوقع مُعِدُّو التقرير ارتفاع عدد العاطلين عن العمل الذين تم إحصاؤهم وتسجيلهم من 188 مليون سنة 2019 إلى 190,5 مليون عاطل “مُعترف به” سنة 2020، مع الإشارة إلى وجود ما لا يقل عن 285 مليون شخص آخرين في حالة “بطالة مُقَنَّعَة”، أي يعملون أقل مما يرغبون، أو لا يُمْكِنُهم الحصول على وظيفة فانقطعوا عن تسجيل حالتهم في السجلات الرسمية، ما يرفع العدد الإجمالي للعاطلين في العالم سنة 2019، إلى أكثر من 475 مليون شخص، أو حوالي نصف مليار من البشر، ما يُعادل نحو 13% من قوة العمل العالمية، بحسب منظمة العمل الدّولية، التي لا يعتني خُبراؤها بوضع العاطلين وأُسَرهم، بل يتخوفون من أن يُؤدّي ارتفاع البطالة إلى اندلاع ما تُسميه المُنظّمة “اضطرابات اجتماعية”، ما قد يُلحق خسائر أو أضْرَارًا بالشركات، أو خَلَلاً في سَيْر الإقتصاد الرأسمالي، وتتوقع الأمم المتحدة ارتفاع عدد العاطلين سنة 2020، بسبب “التباطؤ الإقتصادي” الذي لا يتماشى مع الزيادة الطبيعة لعدد سكان العالم، وتُشير منظمة العمل الدّولية إلى عمل ملايين البشر في وظائف غير لائقة أو لا تُلبِّي طموحاتهم، أو هي وظائف دون مستوى مؤهّلاتهم وخبراتهم، ولكنهم اضطرّوا لقبولها، وتُصنّف المنظمة هذا الأمر كشكْلٍ من أشكال “غياب المُساواة” أو عدم تساوي الحظوظ الذي يَضُرُّ بالفُقراء، ويؤكد تقرير منظمة الأمم المتحدة أن أكثر من 60% من القادرين على العمل (قوة العمل) في العالم يعملون في الإقتصاد غير النظامي (الإقتصاد المُوازي)، ما يحرمهم من رواتب قانونية ومن الحصول على الحماية الإجتماعية، فيما بلغ عدد العُمّال الفُقراء (سنة 2019) أكثر من 630 مليون عامل وعاملة، أو حوالي 20% من إجمالي العاملين في العالم، يعملون مقابل أقل من 3,2 دولارات في اليوم…

موجز الوضع العربي:

الدّيون العربية (2018)

ورد في وثيقة إحصاء الدّيون الدّولية، التي نشرها البنك العالمي في بداية آذار/مارس 2018 ارتفاع الديون الخارجية بنحو 321 مليار دولارا، أو ما نسبته 11,7% من نهاية 2017 إلى نهاية 2018، وبنهاية سنة 2018، بلغت الديون الخارجية المتراكمة في البلدان العربية 1,86 تريليون دولارا، بحسب صندوق النقد الدولي، ويظهر من بيانات البنك العالمي وصندوق النقد الدّولي، ارتفاع ديون عشرين دولة عربية من 923,4 مليار دولارا، بنهاية سنة 2016 إلى أكثر من تريليون دولارا، بنهاية سنة 2017، وارتفعت الفوائد وخدمة الدّيون (تكلفة أو أعْباء الدّيُون)، ما قد يؤدّي إلى عدم القُدْرَة على التّسْديد، فتقترض الحكومات (في المغرب وتونس ومصر والأردن ولبنان) أموالاً لتسديد القُروض السابقة، وتتصف بأنها ديُون خارجية بالعملة الأجنبية، معظمها من صندوق النقد الدولي ومن البنك العالمي ومن مؤسسات مالية أخرى كالمصرف الإفريقي للتنمية، ونادي باريس، ودخلت معظم الدول العربية في هذه الدّوّامة الخطيرة من الإستدانة لتسديد ديون قديمة، فبلغت قيمة دُيُون لبنان الخارجية بنهاية سنة 2018، نحو ثمانين مليار دولارا، ومثلت هذه الديون (بنهاية سنة 2018) نحو 140% من الناتج المحلي الإجمالي، أي من حجم اقتصاد لبنان، وبلغت حصة كل مواطن لبناني (رضيعًا وُلِد اليوم أو شيخًا على حافة القبر) من الدُّيُون (التي لم يستفد منها) 4400 دولارا، بنهاية سنة 2018، وبلغ حجم الدّيْن الخارجي الأردني 33 مليار دولارا، وحصة كل مواطن أردني أربعة آلاف دولارا، وبلغت الديون الخارجية لتونس بنهاية 2018، نحو 38 مليار دولارا، وبلغت حصة كل مواطن تونسي 2400 دولارا، وفاقت قيمة الديون الخارجية للمغرب خمسين مليار دولارا، وبلغت حصة كل مواطن مغربي 2120 دولارا، وحصة المواطن السوداني 1360 دولارا، وحصة المواطن الموريتاني 1150 دولارا، وبلغت قيمة الدّيون الخارجية المصرية نحو 85 مليار دولارا بنهاية 2017 وقرابة 99 مليار دولارا، بنهاية 2018، أو 40% من حجم الإقتصاد المصري، وبلغت حصة كل مواطن مصري من الدّيون الخارجية 900 دولارا، وكل مواطن يَمَني 700 دولارا، والصومالي 350 دولارا، والسوري 240 دولارا، أما الجزائر ودويلات الخليج فأن قيمة ديونها الخارجية ضعيفة، فيما قُدِّرت دُيُون العراق بنحو 130 مليار دولارا، وتجدر الإشارة إلى انخفاض قيمة العملات المحلية للدول المُقْتَرِضَة، وارتفاع قيمة الدّولار الذي تُقَوّمُ به قيمة الدّيون، وباعت معظم الدول العربية الأُصول (أي خصخصة ممتلكات الدّولة والشعب)، والسّندات، بالإضافة إلى الإقتراض المباشر، بهدف سدّ العجز في ميزانيات هذه الدّول، وأنفقت الحكومات هذه القروض الخارجية، في غياب مؤسسات الرقابة الشعبية، والمحاسبة الداخلية، ولم تُسْتَخْدَم القُرُوض في الإستثمار في قطاعات إنتاجية (لو افترضنا أن الدّائنين يسمحون بذلك)، بل لسد العجز، وتمثلت شُرُوط صندوق النقد الدولي في إقرار سياسات التّقشُّف، وزيادة الضرائب على الأُجور وعلى السلع الأساسية، مع خفض الضرائب على الثروات وعلى أرباح الشركات (ومعظمها شركات أجنبية)، وإلغاء دعم السلع والخدمات الأساسية وخفض قيمة العُملة المحلية، ووَقْف التّوظيف في القطاع العام، بل وبيع القطاع العام أصْلاً، وتَضُرُّ سياسات التّقشف بالعاملين وبالفُقراء، بفعل زيادة الأسعار وإلغاء الدّعم، وخفض قيمة العملة المحلية، ما يُبرّرُ انطلاق احتجاجات بشكل شبه متواصل في المغرب وتونس والسودان ومصر (قبل موجات القمع الرهيبة) والأردن ولبنان والعراق، وهي دول يتّسم اقتصادها (مثل بقية الدول العربية) بالتّبَعِية لدول “المركز” الرأسمالي الإمبريالي.

يُورِدُ تقرير البنك العالمي في الفقرة التي يخصصها للوطن العربي (يُسمّيه البنك “منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا”، بهدف مَحْو عبارة “العربي”)، أن الصراعات والنزاعات المُسلّحة تعيق آفاق النمو، بالإضافة إلى عوامل أخرى، من بينها تقلبات أسعار النفط و”الوضع الإقليمي” (هل يدخل زرْع الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي ضمن هذا “الوضع الإقليمي”؟)، وتُعيق هذا العوامل تطبيق برامج “الإصلاح”، لكنه يمتنع عن اتهام الإمبريالية بإطلاق هذه “الصراعات والنزاعات”، أي الحُرُوب العدوانية، سواء مباشرة، أو عبر وُكَلاء “عرب” ومجموعات إرهابية، ويتناسى أو يتجاهل تقرير البنك العالمي العدوان والحروب والإعتداءات الأمريكية المتكررة والمتواصلة على شعوب الوطن العربي، وبالذات على العراق، منذ بداية حقبة “القُطْب الواحد”، بانهيار الإتحاد السوفييتي، ونهب ثروات العراق، عبر الشركات الأمريكية، ومن بينها “إكسون موبيل” و”هاليبارتون” و”شيفرون” والشركات الأمنية والعسكرية الخاصة، واحتكار الشركات الأمريكية لثروات ولسوق العراق، خُصُوصًا خلال السنوات الخمسة الأولى من الإحتلال، وتفرض هذه الشركات شروطًا لا تقل صرامة وإجحافًا عن شروط صندوق النقد الدّولي، فكلاهما مُتخرّج من نفس المدرسة “النيوليبرالية”.

أما عن الوضع الإجتماعي في الوطن العربي فقد قَدَّرَ تقريرٌ للأمم المتحدة، صادرٌ في كانون الأول/ديسمبر 2017، عدد الفُقراء في عشر بلدان فقط من الوطن العربي (موريتانيا والمغرب والجزائر وتونس ومصر والسودان واليمن والعراق والأردن وجزر القمر)  بنحو 38,2 مليون نسمة، أو ما يُعادل 13,4% من إجمالي سّكّان هذه البلدان، قبل نهاية سنة 2017، فيما قَدّر التقرير العربي حول الفَقْر مُتعدّد الأبعاد عدد الفقراء في نفس البلدان العشرة بنحو 116,1 مليون مواطن فقير، أو ما يُعادل 40,6% من إجمالي عدد السكان في نفس تلك البلدان، بالإضافة إلى تَعَرُّضِ حوالي 25% من السكان للوقوع في “دائرة الفَقْر”، وترتفع نسبة الفقر في المناطق الرّيفية، التي يسكنها أكثر من 25% من إجمالي عدد البالغين أو أكثر من نحو 45% من إجمالي عدد السكان في الوطن العربي، وحيث تُقدّر نسبة الأطفال الذين يُعانون من الفقر بنحو 55% من إجمالي عدد الأطفال في الريف، ويشمل الفقر متعدد الأبعاد، الحرمان من الوصول إلى منظومة التعليم ومنظومة الرعاية الصحية (التغذية وصحة النساء ومتابعة صحة الأطفال…) ويتضمن أيضًا قياس مستوى المعيشة، أي توفر الكهرباء ومياه الشرب والسكن والصرف الصحي وتوفر وسائل التنقل…

في مجال البطالة والتشغيل، يستوجب على الحكومات العربية خلق ستين مليون فُرصة عمل، بين سنتي 2018 و 2020، لاستيعاب العاطلين والمُلْتحقين الجُدُد ب”سوق العمل”، وقدر البنك العالمي في تقرير نشره في أيلول/سبتمبر 2018، نسبة العاطلين في الوطن العربي، بناءً على بيانات الحكومات، بنحو 9,81% سنة 2018، أو أقل قليلاً من ضِعْف المعدل العالمي، البالغ نسبة 5,38%، بحسب بيانات الحكومات، مع الإشارة إلى أهمية الإقتصاد الموازي الذي يُعادل ما بين 40% و 50% من اقتصاد (أي من الناتج الإجمالي المحلي) الدول العربية، ويُشغّل عشرات الملايين من الفُقراء والشباب، في ظروف سيئة جدا، برواتب الضعيفة، بالإضافة إلى الحرمان من المظلة الإجتماعية والتأمين الصحي والتقاعد…

تُعتبر الأمية من معوقات التنمية العربية، إذ يقدر عدد الأميين في العالم بنحو 750 مليون، سنة 2017، أو ما يُعادل 13,6 من السكان البالغين 15 سنة فأكثر في العالم، من بينهم حوالي مائة مليون في البلدان العربية، أو ما يعادل 21% من إجمالي عدد السكان البالغين 15 سنة فأكثر، وهو رقم قياسي (سلبي) في المنطقة العربية، كَوِحْدَة أو كَكُتْلَة جغرافية وسكانية، وترتفع النسبة لدى الإناث إلى حوالي 26% وإلى حوالي 14,5% لدى الذّكور، وقدّرت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألسكو) عدد الأطفال غير المُلتحقين بالمدارس، أو من غادروها قبل إنهاء التعليم الإبتدائي بنحو 13,5 مليون طفل عربي، وقد تكون هذه الأرقام والنّسب دون الحقيقة، لأنها مُستَمَدّة من بيانات الحُكومات…

أهداف السياسات العُدوانية الأمريكية، نموذج احتلال العراق:

يَدّعي بعض رُمُوز اليمين الأمريكي “المتشدّد” أنّ الحرب على العراق أضَرّت بالإقتصاد الأمريكي وأضافت دُيُونًا جديدة بقيمة تريليون دولار منذ العام 2003، أي أن احتلال العراق يُمثّل استثمارًا غير مُرْبِح، أو قليل الجدوى، بلغة الرأسمالية، وتتجاهل هذه الرموز اليمينية السيطرة الأمريكية الكاملة على كافة جوانب الحياة في العراق، وعلى الموارد الطبيعية، والتي شَرْعَنَتْ سرقة الشركات الأمريكية للنفط العراقي، خاصة بين سنتَيْ 2003 و 2010، عبر منحها عقوداً ضخمة، بذريعة “إعادة الإعمار” و”بناء العراق الجديد”، واستفادت من هذا البند في الميزانية العراقية (التي أعدّتها إدارة الإحتلال) شركات مثل “بيكتل”، و”هاليبارتون” (التي يُديرها “ديك تشيني”، نائب رئيس أمريكا)، و”إكسون موبيل”، و”سكاي لينك يو إس آي” و”لورل سأتلِّيت”، وغيرها، وتبخّرت الأموال، دون أي نتيجة ملموسة، ودون أية مُحاسبة، واستفاد الاقتصاد الأميركيّ، من العقود الضخمة التي بلغت خلال الأسابيع الأولى من الإحتلال، نحو خمسين مليار دولارا، واستفادت الشركات الأمريكية من قيام إدارة الإحتلال (تحت إشراف “بول بريمر”) بخَصْخَصَةِ أكثر من 200 شركة ومؤسسة عمومية عراقية، وأقرّت إدارة الإحتلال خَفْضَ الضرائب على أرباح الشركات الأمريكية، أو التي يُديرها وُكَلاء الإحتلال، من نسبة 45% إلى 15%، واستحوذت المصارف الأمريكية على المنظومة المالية والمَصْرِفِيّة العراقية، ولم تستفد الشركات العراقية سوى بنسبة 2% من إجمالي العُقُود التي طَرَحَتْها إدارة الإحتلال (التي كانت تقوم مقام جهاز الدولة)، فارتفعت جَرّاء هذه السياسة الأمريكية، دُيُون العراق إلى حوالي 130 مليار دولارا، وارتفعت مُؤشّرات الفقر بنسبة فاقت 30%، فيما وصلت نسبة البطالة إلى نحو 40% من القادرين على العمل (قُوّة العمل)، بنهاية سنة 2018، بحسب بيانات صندوق النقد الدولي، و”بفضل” احتلال العراق، اكتفت أمريكا من النفط، واستطاعت تطوير استخراج النفط والغاز الصّخْرِيّيْن في الولايات المتحدة، إلى أن تحولت الولايات المتحدة من مُسْتَورد إلى مُصدّر للنفط، وكانت استفادة الإقتصاد الأمريكي، من احتلال العراق، عظمية، مع زيادة عدد القواعد الأمريكية في الخليج التي تحمّلت دويلات الخليج تكاليف بنائها والإنفاق عليها (خصوصًا في قَطَر)، وتعزيز سياسة الإبتزاز للسعودية ولمَشْيَخات الخليج، ويمكن اعتبار مُجْمل هذه النتائج “عائدَ استثمار” مرتفع، سواء على المستوى الإقتصادي أو في مستوى الهيمنة الجيوستراتيجية على العالم، وتحاول الولايات المتحدة حاليا منع النظام السوري من الإستفادة من موارده الطبيعية (النفط والغاز) ومن الأراضي الزراعية التي تُنتج الحبوب، خصوصًا في محافظة “الحسكة”، وأنشأ الجيش الأمريكي قواعد عسكرية في محيط حقول النفط والغاز في سوريا، وعلى الحدود العراقية-السورية التي تمنع أمريكا بالقوة العسكرية فَتْحها بين البلَدَيْن الشّقيقَيْن…

خاتمة:

تعتمد بيانات الدول وصندوق النقد الدولي والبنك العالمي والأمم المتحدة وغيرها مؤشرات مثل حجم الناتج الإجمالي المحلي، ونسبة نّموه، أو نسبة الدّيُون العمومية من الناتج الإجمالي المحلي، وغيرها، ولكن مجمل هذه المُؤشِّرات ليست مقياسًا لرفاهية المواطنين، فالمواطن الكادح يريد أن يتمتع بمسكن لائق، وعمل يُمكّنه من تحسين خبراته ومؤهلاته، مقابل الحصول على دَخْلٍ يمكّنُهُ من العيش في ظروف طيبة، كما يحتاج المواطن إلى رعاية صحية وخدمات أخرى كالتعليم والنّقل والطاقة والمياه، ويحتاج إلى ممارسة هوايات متعددة كالفُنُون والرياضة وغيرها.

لا تستشير الحُكُوماتُ المواطن عند تصميم الموازنات السنوية، ولا تستشيره عندما تُقرّر الإقتراض بشروط مجحفة، كما لا تشرح وسائلُ الإعلامِ النتائجَ المترتبةَ عن الدّيُونِ الخارجيةِ، التي أدّت في القرن التاسع عشر إلى احتلال بلدان مثل تونس، من قِبَلِ فرنسا (1881) ومصر، من قِبَلِ بريطانيا (1882)، فيما أعلنت بعض الدول في العالم، كالأرجنتين، حالة الإفلاس، أو العجز عن التّسديد، ويتحمّل المواطن نتائج قرارات لم يُساهم في اتخاذها، لذلك من حقه، بل من واجبه رفض تسديد الدُّيُون، والمُطالَبَة بإلغائها، لأن فوائدَها مرتفعة وشُرُوطَها مُجْحِفَة.

أما ارتفاع حجم الناتج المحلي الإجمالي، أو زيادة نسبة النُّمُوّ، فهي من مؤشّرات “الإقتصاد الشمولي” (ماكرو إيكُونُمِي) التي لا تعني البتّة استفادة المواطن “العادي” (الأجير والكادح والفقير)، أو استفادة الأغلبية، فارتفاع الناتج المحلي أو نسبة النّمو، لا تُؤَدِّي بشكل آلي إلى زيادة عدد الوظائف أو انخفاض نسبة البطالة أو ارتفاع دَخْل المواطن الأجير والكادح، بل قد لا تستفيد منها سوى المصارف والشركات الكبرى (العابرة للقارات، عادةً) والأثرياء…

إن التنمية تختلف كثيرًا عن “النّمو”، فالتنمية تشمل الإنتاج وظروف العمل والعيش والتعليم والصحة ومجمل الخدمات التي يستفيد منها المواطن، داخل بلدٍ مَا، وترتبط عملية التنمية بما ذكرناه في فقرة سابقة، أو مكافحة الفَقْر الشامل، أي الذي يُدْمِج البطالة والأُمّيّة والفقر والوضع الصّحي وغير ذلك.

إن مقولة، أو فكرة “نهاية التاريخ” (فرنسيس فوكوياما) أو الإنتصار النّهائي للرّأسمالية، هي مقولة وفكرة تعتمد على التّضليل الإيديولوجي، ولا تعتمد على الواقع المليء بالتناقضات بين رأس المال والعَمل، بين المُنتج الذي لا يستفيد من إنتاجه، والرأسمالي الذي يجني ثمار ما لم يبذل جُهْدًا لإنتاجه، فالثروة تنتقل عادة بالوراثة، وتدعمُ الحُكوماتُ الأثرياءَ، عبر خفض الضرائب وضخ المال العام في المصارف والشركات، زَمَنَ الأزمات، ولو عملنا على تقوية الصف المُعارض لمنطق الرأسمال ودعمه من قِبَل الحُكومات، لَانْهَارَ هذا النظام الذي يعيش من خلال ضُعْفِ الصف المُقابل، ولذلك من دور وواجب كلٍّ منَّا المُساهَمَة في إضعاف صف المُسْتَغِلِّين والمُضْطَهَدِين، وتقوية صف المُسْتَغَلِّين والمُضْطَهَدِين، وإسقاط نظرية “الإنتصار النهائي للرأسمالية”…

كما نُشير أن أي نظام لا ينهار من تلقاء نفسه، أو بسبب التّسَوُّس الداخلي فقط، بل وجب العمل على انهياره، وتهيئة البديل، فقد يبلغ النظام الرأسمالي حُدُودَهُ، ولكنه لن ينهار، إذا وجد المجال فسيحًا لتطوير نفسه، وأظْهرت الرأسمالية قدرتها على التّأقْلُم، رغم الأزَمات، على حساب العاملين والمُنْتِجِين والفُقراء، بسبب غياب، أو ضُعْف البرنامج البديل، نقيض الرأسمالية.

لم نتطرق في هذه الورقة إلى أمريكا الجنوبية التي شهدت تغييرات كبيرة، منذ بداية القرن الواحد والعشرين، وشهدت سنة 2019 أحداثًا هامة، وكنا أشرنا في مقالتيْن سابقتَيْن إلى الخطأ (أو ربما التّضليل) المُتمثّل في تسمية التغييرات ذات الصبغة التقدمية في فنزويلا والبرازيل وإكوادور وبوليفيا، وغيرها، ب”اشتراكية القرن الواحد والعشرين”، لأن الأنظمة التقدمية أعادت توزيع جزءٍ من الثروة، بشكل فَوْقِي، خاصة في البرازيل الغنية بالنفط والمعادن والمياه والإنتاج الزراعي والخشب، وأبقت شبكات التعليم والإعلام (والنّقل في بعض الحالات) بين أيدي البرجوازيات المحلية المرتبطة بالكنيسة وبالإمبريالية الأمريكية، كما في فنزويلا والبرازيل، وأبقت على تدريب وتسليح الجيش، وعلى هيكلته، بإشراف الولايات المتحدة أو وُكلائها، كما في تشيلي والأرجنتين، ويظهر التأثير السلبي لذلك في فنزويلا، حيث بقي نظام الريع سائدًا، إذ توزع الحكومة بعض العوائد على الفُقراء، بدل خلق مشاريع تنتشلهم نهائيًّا من الفقر، ولما عجزت الحكومة عن توزيع المال والسكن وعجزت عن توفير الخدمات المجانية في البرازيل وفنزويلا، على سبيل المثال، بسبب انخفاض أسعار النفط الخام، والمواد الأولية، تحولت فئات البرجوازية الصغيرة الناشئة، من دعم النظام إلى معارضته، ولم تُطبق هذه الأنظمة الإشتراكية، بل الرأسمالية في نسختها الكينيزية، وألْحقت عشرات الآلاف من الفُقراء بصفوف البرجوازية الصغيرة، فانتقل هؤلاء الفُقراء من صف المُعدَمين إلى صف المُسْتَهْلِكِين، وأبقَت الحكومات على قواعد “الديمقراطية” البرجوازية، كما هي، لذلك تمكنت الإمبريالية الأمريكية ووكلاؤها في الدّاخل من التحشيد ضدّها، ومن الإطاحة ببعض الرؤساء، ووضع حد لمحاولات الإستقلال…

أما عن الإقتصاد العربي، فهو ريعي من ناحية، أي يعتمد على تصدير المواد الأولية، من معادن ومحروقات، أو يُصدِّرُ الإنتاج الزراعي الخام، دون زيادة قيمة لهذا الإنتاج عبر تحويله إلى مواد مُصنّعة، ومن ناحية أخرى، بقيت البلدان العربية مرتعًا للشركات الأجنبية العابرة للقارات، التي تحتكر موارده الأولية، وسوقًا تُصدّر نحوه منتجاتها المُصنعة، زد على ذلك ارتفاع حجم الدّيُون الخارجية، ونسبتها من الناتج الإجمالي المحلي، خلال العقود الخمسة الماضية، ما يُعيق عملية التنمية، في حال تغيّرت أنظمة الحكم، وما يُشكّل عبئًا ثقيلاً على الأجيال القادمة…

اتسمت بدايات القرن الواحد والعشرين على الصعيد العربي، بتراجع الفكر التقدمي والإشتراكي ‘بكافة تلويناته) وتراجع الفكر الوطني والقومي العربي أمام أفكار العولمة النيوليبرالية، وتمكن مُستشارو شُيوخ الخليج من نشر الشوفينية واحتقار العُرُوبة (تاريخًا وهويةً ولغةً وحضارةً وشُعورًا…)، بالتوازي مع عمليات التطبيع المكشوف، بل والتحالف المُعْلَن مع الكيان الصهيوني، وخدمة المشاريع الأمريكية الهدّامة مثل “الشرق الأوسط الكبير” أو “الفوضى الخَلاّقة” أو “صفقة القرن”، وفي المجال الإقتصادي زاد الإعتماد على رُيُوع النفط والغاز والمواد الأولية الخام (كالفوسفات في المغرب والأردن وتونس)، وتعززت في البلدان النفطية نزعة تفضيل العمال غير العرب ومعاملتهم كالعبيد (خصوصًا من جنوب وشرق آسيا)، رغم البطالة المُتفشّية في البلدان العربية، والتي قُدّرت نسبتها بثلاثين بالمائة لدى فئة الشباب، وزاد شيوخ الخليج من استثمار عوائد النّفط في اقتصاد ومصارف وعقارات أوروبا وتركيا، وتكديس السّلاح لتخريب بلدان عربية أخرى، بالتزامن مع عودة الشركات الأجنبية للهيمنة على عمليات التنقيب عن النفط والغاز وإنتاجه ونَقْلِهِ وتسويقه، ليس في الخليج وحده، بل في العراق أيضًا، ما يمثل تراجعًا عن مرحلة التّأميم والسيطرة على الموارد المحلية، وتكمن أهمية المسألة القومية في قُدْرتها على تحشيد قوة الأمة العربية من أجل تحرير فلسطين وكافة الأراضي العربية المُحتلة، من سبتة ومليلة إلى لواء إسكندرون وعربستان، وتكمن أهميتها أيضًا في اعتمادها على تواصل جغرافي وتاريخ مشترك وطموحات مشتركة، ويُمَكِّنُ إنجاز الوحدة العربية، على مراحل، بداية من التّكامل الإقتصادي العربي،  وإقامة بُنية اقتصادية متكاملة (بين السودان ذي الأراضي الزراعية الخصبة والخليج ذي الموارد الطبيعية كالمحروقات وغير ذلك من الأمثلة) وإنجاز مشاريع منتجة، لتحقيق الإكتفاء الذاتي الغذائي، وإنشاء صناعة لتحويل الفائض من الإنتاج الزراعي، ولتحويل المواد الخام إلى مواد مُصنّعة، ذات قيمة زائدة مرتفعة، ما يُشكل بداية للإستقلال الإقتصادي، وبداية التخلص من الهيمنة الإقتصادية للشركات الإحتكارية، التي سوف تحاول شن الحروب العسكرية والحظر والحصار، دفاعًا عن مصالحها، وتُمكن الوحدة العربية من تصميم اقتصاد عربي مشترك، وعُملة موحدة، على مساحة كبيرة، تمتد من المغرب إلى العراق، لإعادة توزيع الثروة وإعادة استخدامها في مشاريع محلية منتجة، لتلبية حاجات أكثر من 350 مليون نسمة، والقضاء على الفقر والبطالة والأمية (رجع نِسَبَ هذه الآفات في فقرات سابقة)، كخطوة نحو بناء نظام بديل، يعتمد على الموارد الذاتية (المادية والبشرية) من أجل تطوير منظومة الصحة والتعليم والبحث العلمي والسكن والنقل العمومي، وتحقيق العدالة، ليس عبر الضرائب فقط، بل عبر المساواة في الحقوق والواجبات، وتذويب الفوارق الطّبقية، لتكون المسألة القومية العربية، تطويرًا لما حصل في أوروبا، أثناء موجة القوميات في القرن التاسع عشر، بل خطوة نحو بناء الإشتراكية، بشكل خَلاّق، يتلاءم مع المُحيط العربي ومع طموحات المواطن العربي، أو المواطنين غير العرب، ممن يتشاركون في الهموم والطموحات، ويناضلون جنبًا إلى جنب ضد هيمنة القوى الإمبريالية ووكلائها في الدّاخل، ومن أجل بناء مجتمع يحقق مستقبلا أفضل للجميع، ليقترن النضال الوطني المناهض للإمبريالية والهيمنة، بالنضال الإجتماعي المناهض للإضطهاد وللإستغلال…

فشلت الإنتفاضات العربية، في تغيير البُنْيَة الطبقية للأنظمة، منذ انتفاضة تونس في السابع عشر من كانون الأول/ديسمبر 2010، إلى الإنتفاضة في لبنان والعراق، أواخر العام 2019، بسبب غياب الأُفُق السياسي، وغياب القوى المُنظّمة القادِرَة على نَقْل الغضب العفوي أو الإنتفاضة إلى حركة مُنظّمَة ومُنسَّقَة الأهداف والمطالب وطرق العمل، وبسبب عدم القُدْرَة على الإنتقال من رفْض الواقع الحالي، إلى الإفصاح عن المَرْجُوّ أو المأْمُول، ووضع أُسُسٍ لنظام حُكْمٍ، ولبرنامجٍ بديلٍ، لحل مسائل البطالة والفقر والأمية، وتوفير المصادر المالية لإنجاز هذا البرنامج، ووضع أُسُسٍ لطريقة حُكْمٍ أُفُقيّة بديلة، ولم تقع إثارة مسألة الدّيون الخارجية وشروطها المُكَبِّلَة، ومسألة البحث عن وسائل تمويل بديلة للدّيون التي وجب التوقف عن تسديدها (لأنه وقع تسديدها مُضاعَفَة) وإلغاؤها، لتوفير الموارد الضرورية لإنجاز برامج تنمية، تنطلق من الثروة المادّية والبشرية الموجودة، من أجل تطوير الإقتصاد وتحسين ظروف حياة البشر، ليكون الإقتصاد مبنيًّا على قاعدة “من كل بحسب قُدُراته، ولِكُلٍّ بحسب حاجته”…  

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.