مسلسل المصالحة والانتخابات: مصالحة فاشلة مع أوسلو ولغوٌ عن مصالحة مستحيلة، شحادة موسى*

عاد الحديث كثيفًا في المدة الأخيرة عن الانتخابات والمصالحة الفلسطينية. في المصالحة؛ دار الحديث عن مبادرة أعلنتها ثمانية فصائل في غزة بتاريخ 19 سبتمبر 2019 باسم رؤية وطنية لتحقيق الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام السياسي الداخلي. ومما تضمنته المبادرة عقد اجتماع لجنة تفعيل منظمة التحرير وتطويرها، والاتفاق على رؤية وبرنامج وطني نضالي، وإجراء انتخابات شاملة: تشريعية ورئاسية ومجلس وطني. (الفصائل هي: الجهاد– الشعبية– الديمقراطية– حزب الشعب– المبادرة الوطنية– فدا- القيادة العامة- الصاعقة). يُذكر أنّ الانقسام وقع نتيجة الاقتتال بين حركتي فتح وحماس، وسيطرة حماس على قطاع غزة سنة 2007.

وافقت حركة حماس على المبادرة، امّا حركة فتح فردَّت بموقفها المعروف: “لسنا بحاجة الى مبادرات، وطريق إنهاء الانقسام معروف وهو بيد حركة حماس بأن تتراجع عن انقلابها على الشرعية الفلسطينية، والذهاب الى صندوق الانتخابات”. وتوقفت المبادرة عند هذا الحد.

أمّا عن الانتخابات؛ فقد أعلن محمود عباس، رئيس السلطة، من على منبر الامم المتحدة في 26 سبتمبر 2019 بأنه سيدعو الى انتخابات عامة في الضفة الغربية وغزة والقدس، وسوف يحمِّل من يعترض، المسؤولية أمام الله والمجتمع الدولي والتاريخ.هناك مَن رأى في اختيار الجمعية العامة لهذا الاعلان بأنه موجَّه الى الدول الأوروبية التي تموِّل السلطة وترغب في تجديد شرعية مؤسساتها التي انتهت منذ سنوات.

أعلنت حماس مباشرة استعدادها لإجراء الانتخابات الشاملة، رئاسية وتشريعية ومجلس وطني بالتزامن. وهو موقف ينسجم مع رؤية الفصائل كما وردت في مبادرتها، وتضمنت عقد لقاءٍ وطني يليه انتخابات شاملة.

غير أنَّ محمود عباس تجاهل ذلك ووجَّهَ رسالة الى الفصائل في غزة، حملها رئيس لجنة الانتخابات في الخامس من نوفمبر 2019  تضمنت إصدار مرسومٍ رئاسيٍ واحد لإجراء الانتخابات التشريعية تتبعها الانتخابات الرئاسية استنادًا الى القانون الأساسي، وبعد إصدار المرسوم يُطلب الى الفصائل والفعاليات الفلسطينية فتح حوار بينها لإنجاح الانتخابات. لم تُشر الرسالة الى المجلس الوطني، ولا الى اللقاء الوطني كما طالبت الفصائل، وحصرت الحوار في آليات إنجاح الانتخابات.

لم يكن أمام الفصائل غير الموافقة؛ فأعلنت حركة فتح في 25 نوفمبر 2019 أن جميع الفصائل وافقت على إجراء الانتخابات ضمن النقاط التي وضعها الرئيس عباس(بوابة الهدف، 25- 11- 2019). وفي 29 نوفمبر قال عباس إنه سيعمل على تنظيم الانتخابات خلال الأشهر المقبلة وصولاً لأن يكون هناك سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح شرعي واحد(بوابة الهدف، 29- 11- 2019). وبذلك أكدت حركة فتح تمسكها بموقفها الذي أعلنته منذ البداية ويتلخص بهذه العبارات الثلاث.

وإمعانًا في تأكيد سلطة أوسلو وسلطانها على الانتخابات، ذُكر أنَّ عباس يضع شرطًا على من يتقدم الى الانتخابات بأن يوقِّع تعهدًا يعترف فيه بمنظمة التحرير ممثلاً شرعيًا وحيدًا للشعب الفلسطيني(عبد الستار قاسم، راي اليوم 13- 12- 2019). ولا حاجة للتذكير بأن منظمة التحرير هي التي وقَّعت اتفاق أوسلو واعترفت بإسرائيل.

ومع ذلك أخذت حركة فتح تُظهر فتورًا تجاه الانتخابات؛ فأوصت لجنتها المركزية عباس بعدم الاستعجال في ملَّف الانتخابات، وتحدثت مصادر في الحركة عن حاجتها الى تسعة أشهر على الأقل لتجهيز نفسها(راي اليوم، 12- 12- 2019). وذكر عباس على إثر ذلك أنَّ إجراء الانتخابات مرهون بمشاركة مدينة القدس، وطالب الدول الأوروبية بالتدخل لدى إسرائيل لتسهيل إجراء الانتخابات التشريعية في القدس(راي اليوم، 16- 12- 2019).

لقد توقف ملف الانتخابات عمليًا عند هذا الحد؛ ولكن التعليقات والمتابعة تواصلت. فكتب إبراهيم أبراش عن عقدة الانتخابات وقال إنها لا تكمن في الموقف الإسرائيلي وإنما في تخوُّف القيادة وحزب السلطة(حركة فتح)؛ فغالبية الفلسطينيين المقدسيِّين يحملون بطاقة إقامة في القدس ومشاركتهم في الانتخابات ستكون مشابهة لمشاركة مواطني أي دولة يقيمون في الخارج(راي اليوم، 20- 12- 2019).

 وعلى الحيثيات نفسها كتب هاني المصري وعزا التراجع في إمكانية إجراء الانتخابات الى عدم جاهزية حركة فتح؛ واضاف أنَّ إسرائيل سمحت في الانتخابات السابقة لستة آلاف مقدسي فقط للإدلاء بأصوتهم وفي مراكز البريد الإسرائيلية أي بصفتهم أجانب، ووُضِعت أصواتهم في مغلَّفات نُقلت الى السلطة فيما بعد(بوابة الهدف، 14- 1- 2020).

هكذا كان مسلسل المصالحة والانتخابات طويلًا. ومع ذلك، وربما بسبب ذلك، لم يؤدِّ الى نتيجة. لكنَّ هذا المسلسل كشف في حلقاته الأخيرة أنَّ أوسلو كان الهدف غير المُعلن لهذا المسلسل المُمِّل. فمساعي المصالحة وبضمنها الانتخابات لم تصدر عن أصحاب أوسلو أو حركة فتح وإنما كانت تأتي من الفصائل او من جهات داعمة لأوسلو؛ وكانت حركة فتح ترد بجواب ثابت وهو أنَّ إنهاء الانقسام يتحقق بعودة حركة حماس عن خطئها والاحتكام الى صندوق الانتخابات. وتحولت عملية المصالحة الى ما يشبه المهزلة او الأحجية؛ فإذا كان أوسلو خيانةً او خطيئة او حتى خطأً، فالمنطق والعرف يقضي بأن يعترف أصحاب أوسلو بخطئهم ويعتذروا للشعب الفلسطيني عمَّا اقترفت أيديهم، وذلك قبل أي حديث عن المصالحة او إنهاء الانقسام.

وعلى الفصائل أنْ تشعر بالخجل وهي لا تكفُّ عن وصف أوسلو بالكارثة والخيانة في الوقت الذي تتزلَّف لأصحاب أوسلو تحت شعار الوحدة والمصلحة الوطنية. وقد كانت الجبهة الشعبية الأكثر ترديدًا لهذا الشعار، وكثيرًا ما توجّه المتحدثون باسمها الى “الأخ الرئيس أبو مازن” كي يبادر الى اتخاذ إجراءات لتسهيل تحقيق المصالحة والوحدة الوطنية؛ وكأنها غاب عن وعيها أنَّ الوحدة قبل أوسلو كانت وحدة كفاحية أمّا بعد أوسلو فهي وحدة تحت راية العدو.

وتبيَّن أيضًا أنَّ تعثُّرَ المصالحة لم يكن بسبب التخبُّط في الرؤية والأسلوب فقط، وإنما يرجع في جانب كبير منه الى أنَّ أطراف الأزمة يتحدثون عن المصلحة العامة، وكلٌ منهم يضمر مصلحة خاصة تحكم سلوكه السياسي. حركة فتح لا تستطيع الخروج من أوسلو والانفكاك من التزاماته وتبعاته. وهل أوسلو غير هذه السلطة ومؤسساتها ومنافعها بالتعاون مع إسرائيل! إنَّ أوسلو لم يُفرض من الخارج وإنما كان خيارًا بوعي أصحابه وإرادتهم. وما تقوله حركة فتح غير ذلك ليس إلّا مراوغة وتلاعب بالألفاظ، في ظل كوارث أوسلو، باستخدام عبارات، مثل: أوسلو مات، أو انتهى، أو إنَّ إسرائيل لا تلتزم به.

وحركة حماس لا يسهل عليها التخلي عن نظام “الإمارة” الذي أنشأته في غزة بأجهزته وأدواته وفوائده. وما تقوله حماس غير ذلك مراوغة وتواري خلف شعار سلاح المقاومة، وكأنها تطالب بأوسلو مسلحًا!

والفصائل من جهتها تتمسك بإرثها وتاريخها النضالي الذي يعطيها شرعيةً وتأييدًا شعبيًا؛ ولذلك تراوغ وتتوارى خلف الدعوة الى الوحدة الوطنية والمشاركة في القرار، وكأنها تريد أوسلو ديمقرا طيًأ!

أمام هذه التعقيدات تنعدم إمكانية المصالحة. ومن العبث السعي وراء مصالحة ما لم تتهيأ لدى هذه الأطراف القناعة والاستعداد للخروج من عباءاتها(أوسلو، والإمارة، والإرث)، واستعدادها كذلك لإفساح المجال لقيادة جديدة، وحالة وطنية مختلفة. ويكون ذلك بدعوة جماعية الى مؤتمر وطني تأسيسي تحت مظلة منظمة التحرير بميثاقها القومي التأسيسي، فيتجنَّب الخلاف على الاستراتيجيات والمشاريع الوطنية.

وما لم يتحقق ذلك الآن خصوصًا أمام مخاطر “صفقة القرن” الضاغطة، فلن يكون هناك مصالحة ولا وحدة. وبانتظار قيام حركة شعبيةتتجاوز هذا الواقع البائس بكل مكوِّناته.

* كاتب فلسطيني

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.