عسكر التَّطبيع والمعيار الاستراتيجيّ للوبي “صفقة القرن” في أفريقيا، صلاح الداودي*

* كاتب وأستاذ جامعي تونسي

منسق شبكة باب المغاربة للدراسات الإستراتيجية

في هذا المقال، سنحاول شرح الأسباب الكبرى للحركة الصّهيونيّة في شرق أفريقيا هذه الأيام؛ أيام “صفقة القرن”، وفقاً لجدول أعمال ترامب – نتنياهو، بالتعاون مع الإمارات والسعودية، وبخلفيَّة تاريخيَّة أكثر منها راهنة.

من البديهيّ القول إنَّ المستهدفين الآن من التسلّل والتغلغل والعودة والخنق وإعادة الانتشار الصهيوني في أفريقيا هم أساساً إلى جانب الوطن العربي، وهذا تقليدي، والاستفادة من أوروبا، وهذا أيضاً تقليدي كبيئة استعمار ومتعاون حالي، هم الصّين وإيران وتركيا وروسيا، ولكننا نودّ التذكير هنا بالأسس والخلفيّات التاريخيَّة، وبعبارة أخرى، قتل الوطن العربيّ وإخراجه من اللعبة، وإغلاق الأبواب أمام روسيا، ومنافسة الصين، ومحاصرة إيران، والتضييق على تركيا، وتكريس أوروبا هناك خادمة لـ”إسرائيل”.

منذ أواخر القرن التاسع عشر، كان زعماء صهيون يتطلّعون إلى الاستيطان وجمع الشتات اليهودي من العالم في أوغندا، ومن ثم الموزمبيق والكونغو وكينيا، قبل أن يحتلّوا فلسطين. هنا، لا بدَّ من أن نذكّر بأنَّ إثيوبيا تأتي قبل أوغندا، وهي العراب الأكبر في أيامنا هذه بين دول عربية وكيان العدو ودول أفريقية وكيان العدو نفسه، وهي التي تكنّ أيضاً العداء التاريخيّ الأكبر للعرب، وتمتلك أكبر تأثير في دعم الانفصاليين بالسلاح في جنوب السودان وغيره.

توجّهت فكرة إنشاء وطن قومي لليهود منذ أيام هرتزل إلى شرق أفريقيا، وتحديداً أوغندا وكينيا. وكانت المنظَّمة الصّهيونيّة آنذاك قد سعت بشدّة من أجل هذا الهدف، إذ تأصَّل المشروع – الهدف من خلال كتاب “صهيون في أفريقيا”، الَّذي صدر في العام 1967 عن صحيفة “جويش فايبلشين سوسيتي”.

قال تشمبرلين وزير المستعمرات البريطانية في العام 1904: “إنَّني أرى أنّ المكان الملائم للاستيطان اليهودي يقع بين نيروبي وهضبة ماواي على طول الخط الحديدي في هضبة كينيا الخصبة” (معاريف، 31 آذار/مارس 1971).

استمرَّ التَّخطيط لإنشاء الوطن القومي المزعوم لليهود في أوغندا التي كانت تشمل كينيا، إلى أن أُقيم المؤتمر الصهيوني السادس في بازل في العام 1903، وأنهى فكرة التجمّع العالمي في أفريقيا.

وفي أواخر الخمسينيات، ومنذ أيام غولدا مائير، أُطلق صهيونياً ما يُسمى حلف نصف المحيط الَّذي يضم إثيوبيا وتركيا وإيران. (البعد الدولي للأمن الإسرائيلي، كلية القيادة والأركان، باهامانيه، 24 آذار/مارس 1960).

وفي وقتٍ لاحق بعد سلسلة مقاطعات أُطلقت بعد الأعوام 56 و67 و73، أكَّدت خارجية العدو، على لسان مديرها العام الأسبق شلومو أفنيري، “أنَّ إسرائيل ستقيم سفارة في كلّ بلد أفريقيّ تتجدَّد العلاقات الديبلوماسية معه، وأنها ستختار سفيراً مقيماً تتوفر لديه كلّ أسباب العمل والمؤهلات في القارة الأفريقيّة”.

في العام 1983، أكَّد الباحث في الدراسات الاستراتيجية في جامعة تل أبيب، بنحاس مئير،” أنَّ إسرائيل لا يمكنها، تحت أيّ ظرف، أن تسمح بتحويل البحر الأحمر إلى جزيرة عربية. ولا بدّ من أن تتخذ كل الإجراءات الكفيلة بمواجهة أي تدهور قد يعيق الملاحة الإسرائيلية في هذا البحر”. (سكيرا حودشيت، العدد 3، آذار/مارس 1983).

أما الباحث في مركز الدراسات الأفرو-آسيوية في الجامعة العبرية، إسحاق شيحور، فقال: “إنَّ الهدف الجوهري الذي يجب السعي لتحقيقه من خلال سعينا إلى ترميم العلاقات مع أفريقيا، هو إضعاف علاقات تلك الأقطار مع العالم العربي”. (سكيرا حودشيت، العدد 10، تشرين الأول/أكتوبر 1983).

يُضاف إلى كلِّ ذلك أهمّ الوسائل الصَّلبة، وهي اعتماد الانقلابات في أفريقيا والاقتحام من الأبواب الأماميَّة في صورةٍ أخفقت المساعدات الاقتصاديّة والعسكريّة. وكان المخطّطون الاستراتيجيّون، من مثل الجنرال احتياط أهرون ياريف، وسفران نداف، ومناحيم أفيم، ويهوشفاط هيركابي، ينشغلون بتأمين الوجود الصّهيونيّ. وأبرز نموذج على ذلك إيصال موبوتو إلى الحكم. (يديعوت أحرونوت، 21 أيلول/سبتمبر 1979).

وبخصوص أوغندا الحالية، يجب الإشارة بدايةً إلى أنَّ رئيسها الحالي موسيفيني هو من جماعة الصهيونيّة المسيحيّة الإنجيليّة، أي من جماعة دونالد ترامب ونتنياهو وكوشنير وجرينبلات وفريدمان وبنس وأسبر… ولو كان البعض يفرّق بشكل كبير بين الصهيونية اليهودية والصهيونية المسيحية.

ولا بدَّ من أن نذكّر أيضاً بخلفيَّة تصريح نتنياهو قبل مدة أمام “الأيباك” في الولايات المتحدة الأميركية، بأنه يريد ثلاث إسرائيلات جديدة: “إسرائيل” في أفغانستان، و”إسرائيل” في اليمن،

و”إسرائيل” في ليبيا، بما معناه أنَّه يريد نقاط ارتكاز وارتباط وساحات عمل وأفضية حيوية استراتيجية في غرب آسيا والقرن الأفريقي والغرب الأفريقي وحتى الشمال الأفريقي.

كلّ ذلك يستدعي حتماً كلّ التماس بين الجغراسيا العربيّة الأفريقيّة والجغراسيا الأفريقيّة الآسيويّة، أي البحر الأحمر تحديداً، ومحيط 380 جزيرة، وبطبيعة الحال الشرق الأفريقي والوسط. ويؤدي مفهوم الساحل والصحراء (س-ص الذي أطلق بين 28 دولة في ليبيا في العام 1998) كلّ الأدوار التوضيحية في بناء ما يُعرف بالحلم الصهيوني في الصحراء.

يعدّ البحر الأحمر حلقة وصل بين المحيط الهنديّ والبحر المتوسط.. شمالاً قناة السويس، وجنوباً باب المندب. (لا ننسى طبعاً الصّراع على غاز شرق المتوسط وقضية ليبيا وتركيا، كما لا ننسى العدوان على اليمن وما تقوم به الإمارات والسعودية حوله وفي أفريقيا، وما تقوم به تركيا أيضاً ومصر).

أمّا في القرن الأفريقيّ الّذي يؤدي دوراً في قضية اليمن أيضاً، وخصوصاً جيبوتي، فمن المعروف ما وقع، ولا يزال، في إثيوبيا والصّومال.

إنَّ التّغلغل في أفريقيا تاريخياً صار كثيفاً نتيجة العدوان الثلاثي على مصر في العام 1956، وفتح خليج العقبة، وإنشاء مرفأ إيلات في العام 1957، واحتلال أم الرشراش، والنفاذ إلى الساحل الأفريقي. وفي العام 1947، أيَّدت ليبيريا، على سبيل المثال، كيان العدو، واعترفت به في العام 1948، وصوَّتت مع تقسيم فلسطين المحتلة.

تحتفظ أفريقيا في المنظَّمات الدّوليّة، وخصوصاً الجمعية العمومية للأمم المتحدة، بكتلة صوتٍ أفريقيٍ هي الأكبر (31 في المئة) كأكبر تمثيل قاري، وهو عامل مهم بالنسبة إلى الصهاينة، نظراً إلى رغبتهم في رفع درجة العلاقات الديبلوماسية مع دول أفريقيا ومنظَّمة الوحدة الأفريقيَّة، فضلاً عن المجال الجويّ الّذي يهمّها كثيراً، كما حدث مع تشاد، وسيحدث مع أوغندا. وتمَّ فتح أول خطّ جويّ مع نيروبي في العام 1951.

ويريد العدوّ، بسبب القرب الجغرافيّ إلى الشرق الأفريقي من فلسطين المحتلة، كتلة جيوسياسيّة كبيرة (يريدها في أميركا الجنوبية أيضاً بالمناسبة، وهنا الدوائر الثلاث التوسعية الصهيونية، أي أفريقيا وآسيا وما سبق)؛ كتلة جيوسياسية من إثيوبيا وتشاد وكينيا وتنزانيا وأوغندا ورواندا والكونغو الديمقراطية والسودان… إنَّه يريد حوالى 50 دولة أفريقيَّة بعلاقات كاملة، ويعتمد ذلك كمعيار استراتيجيّ لبقائه في المنطقة.

إلى ذلك، يختنق السّودان، فضلاً عن إثيوبيا، بين تشاد وأوغندا (ونحن لا نظنّ هنا أنَّ علاقة عسكر التطبيع السوداني ومجلسه العسكري جديدة، بل من المرجّح أنَّ بعضهم ضباط ارتباط مع الصهاينة منذ أيام البشير)، تماماً كما تختنق ليبيا بين السودان وتشاد، فضلاً عن الاختناق بين محورين معلومين عربياً خليجياً وعثمانياً، حتى لا نقول إخوانياً ووهابياً.

يهتمّ كيان العدو بحراً وجواً وبراً، إلى جانب الزراعة والصناعة والعسكر والبنى التحتية والثروات والمرافق الحيوية، مثل الماء والكهرباء والإسكان، كما هو معروف، بالمياه من النيل إلى الفرات. ويقع السودان أيضاً تحت تهديد أوغندا، بما أنَّ دول بحيرة فكتوريا، أي كينيا

وأوغندا وتنزانيا، في الهوى نفسه، ونظراً إلى أنَّ أوغندا تقع في الجزء الأكبر من بحيرة فكتوريا، وتسيطر على رافد مهمّ من روافد نهر النيل الأبيض (بحر الجبل) الذي يمرّ عبر الأراضي الأوغندية قادماً من فكتوريا باتجاه السودان شمالاً، وتغذي أوغندا عبر كيان العدو وأميركا الصراع في السودان، مثلما حصل مع كينيا.

إنَّ التغلغل نفسه موجود في دول البحيرات العظمى، أي رواندا وبورندي والكونغو الديمقراطية، إلى مياه النيل والبحر الأحمر. ويعمل الكيان الصهيوني منذ زمن على تدويل البحر الأحمر وخليج عدن. هذا أيضاً ربطاً بالنزاعات الكبرى في حوض النيل والقرن الأفريقي والعدوان على اليمن الذي يريدونه بحيرة يهودية لا بحيرة عربية.

وعلى صعيد آخر متصل، يأتي موقع أريتريا من حيث امتدادها على الشاطئ الغربي من البحر الأحمر، حيث يتَّخذ شكل مثلث يمتدّ من الشمال الغربي إلى الجنوب الغربي، وترتكز قاعدته على حدود السودان، وينتهي برأس يمتدّ على حدود جيبوتي.

إنَّ الجزائر أيضاً مستهدفة، إضافةً إلى خط مالي ونيجيريا والنيجر… وكذلك موريتانيا، إذ إنَّها تختنق أيضاً للأسف الشديد.

إنَّه أيضاً ما يُسمّيه الصهاينة “الصهيونية السوداء”، من مدخل ما يُسمى “النموذج الإسرائيلي للتنمية”، ولا تغيب عنا أبداً كلّ الوظائف الإرهابية الأخرى.

***

ملاحظة: استعملنا في هذه الورقة الموجزة قراءة عامة لدراسات قديمة وجديدة لعددٍ من مراكز الدراسات العربية والغربية لم نأتِ على ذكرها في ملحق بيبليوغرافي، لأننا لم نعتمد تقنيات الكتاب الأكاديميّ، إنما أردناها إضاءة إعلاميّة بحثية إلى حدٍّ ما، مرتكزة بالمجمل على الإعلام العبري

:::::

“الميادين”

 _________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.