فوارق طبقية في دول “المَرْكَز” – نموذج فرنسا، الطاهر المعز

مقدّمة:

يمكن اعتبار هذا المقال مُكَمِّلاً لمقال سابق، بعنوان “التفاوت الطبقي في الدول الرأسمالية الإمبريالية – نموذج فرنسا”، بتاريخ 02/02/2020…

نشر الباحثان الإقتصاديان “غبريال زوكمان” و “إيمانويل سائز”، يوم 13 شباط/فبراير 2020 ، عبر “دار سوي” للنشر  ( Seuil ) كتابًا باللغة الفرنسية، بعنوان “انتصار الظُّلْم”، بشأن زيادة “الظُّلْم الجبائي”، ومُساهمة قرارات الحكومة الأمريكية، والقوانين التي أقرّها مجلس النّواب، في زيادة عدم المساواة، واتساع الهوة بين الأثرياء والفُقراء، ولكن الأمر لا يقتصر على الولايات المتحدة، بل يُشكّل اتّجاهًا عامًّا على مُستوى العالم، فقد ركدت الرواتب وتَراجعت القيمة الحقيقية لدخل الأُجَراء، من الفئات الدُّنْيا والمُتوسِّطَة، منذ حوالي أربعة عُقُود، وخَطّط جهاز الدّولة، في معظم البلدان، وخاصة في الدّول الرأسمالية المتقدّمة (التي بلغت مرحلة الإمبريالية) منذ انتخاب “مرغريت تاتشر” في بريطانيا، و “رونالد ريغان” في الولايات المتحدة، في ثمانينيات القرن العشرين، وأشْرَفَ على إجراءات خفض ضرائب الأثرياء (بموجب القانون)، وكذلك تَيْسِير عمليات التهرب الضريبي، في ملاذات ضريبية، وجُزر وأراضي تُشرف عليها بريطانيا وأمريكا وأوروبا (وهي مُسْتعمرات أو ولايات)، وكما أشَرْنا، لا يخص موضوع “عدم المساواة” الولايات المتحدة لوحدها، وإنما هو وَضْعٌ عام…

بمناسبة صُدُور هذا الكتاب (انتصار الظّلم)، هذه مُحاولة لِرَصْد الوضع في فرنسا، حيث نُشِر الكتاب، بلغة هذه البلاد، للتذْكير بأن الطّبقات موجودة في كافة البلدان، ​​وإن من خصائص الرأسمالية، توسيع الفجوة بين الأثرياء والفُقراء، باسم الديمقراطية، وباسم الشّرعية الإنتخابية، وباسم القانون، خلافًا للمراحل السابقة للرأسمالية، حيث يُعَلّل وجود الفَوارق المُجْحِفَة باسم الحِكْمَة الإلَهية أو باسم سُنّة الحياة، وكأن من الطبيعي أن يبقى الكادح الذي يخلق الثروات فقيرًا، بينما تتعاظم ثروة من لا يَعْمل… أما السّبب الآخر لاختيار فرنسا كأحد نماذج التّفاوت الطّبقي، فهو تأثير فرنسا ومؤسساتها، في مُثَقّفي المغرب العربي ولبنان، ودول إفريقيا الغربية والوُسطى، عبر اللغة الفرنسية ومنظمة الفرنكفونية، وما اللغة سوى وعاء ثقافي وحضاري، وهذه مُحاولة لإبراز أحد الجوانب المُظْلِمَة في هذه الدّولة الإمبريالية.    

الفوارق الطبقية في فرنسا:

نشرت وكالة الصحافة الفرنسية، ووسائل الإعلام المحلية، يوم الإربعاء 12 شباط/فبراير 2020، خبر الإرتفاع القياسي لقيمة أَسْهُم الشركات الكُبْرى في بورصة باريس، للمرة الثانية، خلال فترة ثلاثة أسابيع، أي خلال انتشار وباء “كورونا” في الصين، وخلال فترة الإضرابات والمظاهرات، احتجاجًا على الإجراءات المناهضة لمصالح العُمال والموظفين والأُجَراء والفُقراء، ما يُمثّل مثالاً حَيًّا لاتساع الهُوّة الطبقية بين الأثرياء، الذين أثروا بفضل الميراث (وليس بفضل العمل) وبفضل قرارات الدّولة التي لا تُمثل سوى مصالح الأثرياء، وفاق ارتفاع قيمة أسهم شركات “كاك 40″، مقياس البورصة، وهي أكبر أربعين شركة فرنسية المَنْشَأ، الرقم القياسي السابق (صَيْف 2007)، أي قُبَيْل الأزمة المالية (2008/2009)، وبلغ معدّل ارتفاع أسهم بعض الشركات 6%، خلال يوم واحد، وهي نسبة كبيرة، فيما ارتفعت أسهم بورصة نيويورك، بنسبة بلغت 5%، ويُظْهر الفحص الدّقيق لهذه الشركات، ارتفاع أسهم الشركات الكُبرى في قطاعات مختلفة، مثل المنتجات الفاخرة (غوتشي)، والنفط (توتال)، وقطاع السيارات (مجموعات “رينو” و “بيجو”)، والمصارف (سوسيتيه جينرال)، وغيرها، وسبق أن أعلنت معظم هذه الشركات الكُبْرى أرباحًا صافية مُرتفعة، بفضل الإعفاء أو تخفيض نسبة الضريبة على الأرْباح…

كما أوردت برقيات وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب) لنفس اليوم (12/02/2020) خبرًا عن المبلغ الذي سوف تحصل عليه المُدِيرة التنفيذية التي لم يُجَدّد مجلس الإدارة عقد تشغيلها (عند انتهاء مُدّته) في منصب الإشراف على شركة عمومية للطاقة، وقد يصل هذا المبلغ إلى أربعة ملايين يورو، جزاء سوء التّصرّف في الممتلكات العمومية، وكانت قد حصلت سنة 2019 على أَسْهُم مجانية للشركة، بقيمة 790 الف يورو…

في نفس اليوم، أيضًا، نشر معهد الإحصاء الرسمي ( INSEE ) مُلخّصًا لدراسة عن الفَقْر، حيث يضطر بعض الفرنسيين إلى “العيش” بمبلغ شهري لا يتجاوز 560 يورو، ونشرت مجموعة من الجمعيات التي تُساعد الفُقراء، ومعظمها منظمات مسيحية، بيانًا ذَكّرت من خلاله الحكومة الفرنسية بالتزامها لدى أحد مُؤْتمرات الأمم المتحدة برفع الدّخل الأدنى للأفراد إلى سبعمائة يورو (وهو مبلغ ضئيل وغير كافي لاستئجار غُرْفَة واحدة، لفترة شهر واحد، في باريس)، والقضاء على الفَقْر المُدْقَع بحلول سنة 2030…

استنتجت هذه الجمعيات “الخيرية” و “الإنسانية” أن انخفاض الدّخل، وتوجيه المال العام لزيادة ثروة الأثرياء،  خلق صعوبات جديدة تُعرقل حصول الفقراء على الخدمات والمقومات الأساسية للحياة مث الغذاء والمَسْكن والرعاية الصحية والتعليم والنقل العمومي، وألغى الفُقراء من معجَمِهم الثقافة والترفيه، وانخفضت نسبة مشاركتهم في الحياة العامة وفي العملية الإنتخابية…

أصْدَر “المرصد الفرنسي للظرف الإقتصادي” ( OFCE ) تقريرًا، يوم الخامس من شهر شباط/فبراير 2020، عن “نتائج قانون المالية لسنة 2019″، وأظْهر انخفاض الضريبة على الثروات، بالإضافة إلى استفادة نحو 5% من بين أثرى الأثرياء من مبالغ إضافية، بقيمة لا تقل عن أربعة مليارات يورو، لم تكن مُقَرّرة في قانون المالية، واستفادت فئة أخرى بنسبة 5% بحوالي 2900 يورو إضافية، بفضل خفض قيمة الضريبة على الدّخل، في حين انخفضت قيمة الدّخل (طيلة سنة 2019) لحوالي 10% من الأُسَر التي لا يتجاوز دَخْلُها الشهري ألْفَ يورو، مع الإشارة أن خط الفقر يُقدّر بألف وثمانين يورو شهريا للفرد الواحد، وانخفض دخل حوالي 10% من الفُقراء بمبالغ تتراوح بين 560 يورو و 240 يورو، سنويا.

من جهة أخرى، خفضت الحكومة جرايات التقاعد، ورفعت من سنوات العمل (في ظل ارتفاع نسبة البطالة) قبل سن التقاعد، ليتضرر ما لا يقل عن 42% من المتقاعدين، بين 2016 و 2019، وقد تتضرر الأغلبية الساحقة من المتقاعدين (حوالي 80% )، بعد القانون الحالي الذي يُلاقي معارضة شديدة من الأُجَراء، لأن حوالي 32% ممن تفصلهم خمس سنوات عن سن التقاعد يعانون من البطالة، ومن العمل الهش وبدوام جُزْئي، ما يُؤثر سلبًا على قيمة معاشاتهم، ويُقدّر معهد الإحصاء الفرنسي انخفاض قيمة المعاشات الجديدة لحوالي 60% من المتقاعدين بنسبة تتراوح بين 11% و 27%، ويُشير المعهد، بالأرقام، إلى ارتفاع نسبة النّساء المُتضرّرات من قوانين التقاعد القديمة والجديدة، فيما يضطر نحو 30% من المُتقاعدين للعمل بأجْر، من أجل مجابهة متطلبات الحياة اليومية…

خاتمة:

إن مجتمعات أمريكا الشمالية وأوروبا واليابان، وغيرها من الدول الرأسمالية المتطورة (التي بلغت مرحلة الإمبريالية) مجتمعات طَبَقِيّة بامتياز، وهي ليست مجتمعات متجانسة، بل يُعاني مئات الآلاف، في فرنسا، التي استُخْدِمَتْ كنموذج للمجتمعات الرأسمالية المتقدمة، في هذه الورقة، من فقدان المأوى ومن فقدان الغذاء والرعاية الصحية، وغيرها، وتعمل الحكومات المُتتالية على زيادة ثروات الأثرياء، عبر توزيع المال العام، أو عبر حرمان خزينة الدّولة من الضريبة على أرباح الشركات والمُضارَبَة، وقدرت الدّراسات المنشورة في فرنسا، منذ بداية العام الحالي (2020) أن دخل فئة العشرة بالمائة الأكثر ثراءً يعادل تسعة أضعاف دخل فئة العشرة بالمائة الأكثر فَقْرًا من السكان، وأدّت قرارات الحكومة والأغلبية البرلمانية التي تُساندها إلى ارتفاع نسبة الفقر من نحو 12,5% إلى قرابة 14% من السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر (1080 يورو شهريا للفرد)…

ذكرنا في مقال سابق أن هذه الدول الإمبريالية، ومن بينها فرنسا متورطة في كافة الحروب والإعتداء المُسلح على الشعوب، من أفغانستان إلى مالي، وتدّعي الدّفاع عن تحرُّر النساء في أفغانستان ومقاومة الدكتاتورية، في البلدان العربية، ومحاربة الإرهاب في إفريقيا، ولكنها لا تُحارب الفَقْر في بلدانها، بل ما فتِئَت نسبة الفقر ترتفع، والفجوة الطبقية تتّسع وتتعمّق، لكن الإمبريالية وإعلامها، تعمل على تقسيم الشعوب داخل كل بلد، وترويج أخبار زائفة، لتقسيم الشعوب، ولعرقلة أي جُهْدٍ لتوحيد المُتضرِّرين من الرأسمالية، والمُسْتَغَلِّين، والمُضْطَهَدِين والواقعين تحت الإحتلال…

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.