الصيف ضيَّعت اللبن…الهروب من التنمية بالحماية الشعبية (حلقة 2)، عادل سماره

  • الشركات في المستوطنات سابقا
  • تسهيلات التراخيص تطمئنها التبعية

تضمنت السياسة الاقتصادية الصهيونية تجاه اقتصاد المناطق الفلسطينية المحتلة 1967 ، فيما تضمنته،  تشغيل قوة العمل الفلسطينية في مواقع الاقتصاد الأسود الصهيوني تحقيق قيمة زائدة اعلى وامتصاص قوة العمل الشابه لإبعادها عن المقاومة، وتقويض وتصفية مواقع الإنتاج في هذه المناطق وتقليص إعطاء رخص الاستثمار بشكل حاد منذ بدء الاحتلال 1967 وحتى الانتفاضة الكبرى 1987.

 قامت نظرية اقتصاديين من الكيان على الحيلولة دون تمكين اقتصاد هذه المناطق من منافسة اقتصاد العدو.

لكن اقتصاديين صهاينة   امثال سيمحا باهيري وعزرا سادان، طرحا مع اشتعال انتفاضة 1987  سيناريو آخر مفاده:

إن اقتصاد المناطق المحتلة هو اقتصاد ضعيف وتابع وحتى لو سُمح للراسماليين الفلسطينيين بالاستثمار المفتوح، فإن الراسماليين الفلسطينيين سوف يستثمرون في ما يتكامل كتابع مع البنية الاقتصادية الصهيونية المتطورة مما ينفي احتمال المنافسة المؤذية. وربما ارتكز هؤلاء على تجربة طويلة من قيام كثير من الرأسماليين الفلسطينيين بشراء مصانع صهيونية للصناعات التقليدية وذلك إثر مغادرة اقتصاد الكيان باتجاه الصناعات المتقدمة سواء البتروكيماية أو الإلكترونية…الخ. اي شراء الخردوات، إن صح التعبير، بدل تصميم سياسة اقتصادية إنتاجية لإنتاج ما تتطلبه السوق المحلية.

لم يستخدم هؤلاء  نظرية المركز  والمحيط بمعنى أن يكون اقتصاد الكيان هو المركز واقتصاد  المناطق المحتلة هو المحيط. وفي الحقيقة فإن العلاقة بين الاقتصادين هي نموذج على علاقة مركز/محيط، بل حتى اسوأ، بمعنى ان التبادل بين الطرفين هو تبادل لامتكافىء /مسلح.

تجدر الإشارة إلى أن العلاقة بين الاقتصادين قد افرزت شريحة طبقية من الكمبرادور (وكلاء الشركات الأجنبية)  المحلي التي تعيشت على ترويج منتجات العدو، الأمر الذي حاصر مواقع الإنتاج المحلية مما اكد تنظيرات باهيري وسادان.

بل وعلى هامش ذلك وخاصة بعد أوسلو تواجدت المجالس الاقتصادية  ومجالس رجال الأعمال المشتركة مع الصهاينة و التي صرحت بانها لن  تنتظر توصل السياسيين الى حلول كما قال رئيس الطرف الصهيوني حين تشكيل مجلس أعمال إسرائيلي – فلسطيني  عاموس شابيرا  (انظر جريدة القدس 19 ايار 2007 ) وأحد هذه المجالس ما اعلن عام 2007 في مؤتمر دافوس على البحر الميت  حيث أُعلن قيام مجلس اعمال اسرائيلي – فلسطيني ضم من الفلسطينيين:  عبد المالك جابر،  سمير حليلة، منيب المصري،  حسن ابو لبدة ، وليد النجاب ، عودة شحادة ( انظر  كتاب عادل سمار “ثورة مضادة ارهاصات ام ثورة-2013) ، وكذلك في مجلة كنعان العدد 130  تموز 2007 و 131 تشرين اول 2007 . هذا دون أن نتحدث عن مؤتمر بيت لحم للاستثمار والذي رعته سلطة الحكم الذاتي والذي استجلب مطبعين عربا أيضا!

كما أنه في فترة  سلطة الحكم الذاتي أفرزت شريحة كمبرادور من رحم هذه السلطة كُرست التبعية الطوعية لاقتصاد العدو.

وحتى الرأسماليون ذوو التوجه الاستثماري فقد ذهب بعضهم إلى الاستثمار الإنتاجي المتخارج في اقتصاد العدو (انظر أطروحة ماجستير ل عيسى سميرات/جامعة القدس ) حيث احتوت على كمية استثمارات فلسطينية داخل الكيان ب 5.8 مليار دولار.
إلى جانب هذا الوضع الهش والمتراجع، كان العدو يطور سياستين فيما يخص الشركات والعمل في المستوطنات:

الأولى: تقديم الكيان تسهيلات للشركات الأجنبية كي تعمل في الكيان بشكل حر. كان هذا بضغط من إدارة الولايات المتحدة عام 1985 حينما كان جورج شولتز وزير خارجيتها وذلك في اتفاق بينه وبين شمعون بيرس الذي كان ايضا وزير خارجية الكيان، وبالتالي تم تصنيف الشركات في الكيان إلى ثلاثة:

  • شركات الاستثمار فيها للكيان فقط
  • شركات الاستثمار فيها مختلط
  • وشركات الاستثمار فيها لليهود فقط

كانت هذه هي الضربة الأخيرة الموجهة إلى ما يسمى “بقايا السمات الاشتراكية” لاقتصاد الكيان وهو ما تلائم مع حلول السياسات النيولبرالية محل اللبرالية المتراجعة أمام ضربات ريجان وتاتشر.

من هنا يمكن تتبُّع جذور وصول شركات اجنبية لعمل في المستوطنات.

والثانية: هي سياسة تصنيع المستوطنات نفسها بغض النظر عن جنسية الشركات التي أُتيح لها العمل داخل المستوطنات. وتكمن خطورة هذا التصنيع في كونه السوق الموجود داخل/فيما بين، وليس فقط الملاصق، لسوق المناطق المحتلة 1967 مما يجعل تسريب منتجات هذه المستوطنات إلى السوق الفلسطينية من السهولة بمكان الأمر الذي يخنق الصناعات المحلية. وهذا بمعزل عن تنوع منتجات الشركات العاملة في المستوطنات من حيث ما يمكن تسويقه في السوق المحلية أو المنتجات المتقدمة للتصدير. هذا إضافة إلى اجتذاب عمالة محلية للعمل داخل المستوطنات. (لقد كتبنا عن هذا عام 1982 في مقالات في مجلة العهد التي أغلقها الاحتلال).

كان الكيان قد أقام البنية التحتية لهذه الصناعات عبر إقامة المدن الاستيطانية والتي اقيمت على حدود 1967 أي بهدف مسح هذه الحدود من ناحية عملية وهي: ارئيل بجانب طولكرم، ، جيلو بجانب بيت جالا، معاليه أدوميم شرق القدس وموداعيم غرب رام الله، ناهيك عن توسيع القدس المحتلة وضمها كاملة.

وقد كتبنا ايضا في مجلتي “الشراع” و “العهد” اللتين أُغلقتا تحذيرا بأن هذه المدن الاستيطانية هدفها مسح الخط الخضر اي الضم في التحليل الأخير، بمعزل عن آلية الضم.

وهكذا، بين بناء المدن  الاستيطانية، وإقامة الشركات المنافسة للمنتجات المحلية كان الاحتلال قد قوَّض أية فرصة لإقامة “دولة” فلسطينية التي طالما قيل الكثير عنها.

لكن م.ت.ف لم تكن لتسمع من أحد! حيث كانت مأخوذة برغائبية عالية للحصول على دولة في الضفة الغربية وقطاع غزة دون نظر إلى أن تحت هذه الدولة المتخيلة ألغام بمساحتها. ومحفوزة بالاستدوال وقعت قيادة م.تزف في شرك اوسلو سياسيا وفي شرك بروتوكول باريس إقتصادياً وهو البرتوكول الذي كرَّس تبعية الضفة الغربية وقطاع غزة/اي مناطق الحكم الذاتي للاقتصاد الصهيوني بعد أن كانت مرغمة على ذلك قبيل اتفاقات أوسلو.

وعودة إلى الاقتصاديين الفلسطينيين الذي رفضوا فك الارتباط باقتصاد الكيان، فإن بروتوكول باريس هو نسخة شبه كاملة لدراسة تم إعدادها عام 1993 في جامعة هارفارد بإشراف ستانلي فيشر الذي أصبح حاكم المصرف المركزي الصهيوني مع فريق اقتصاديين من الكيان ومصر والأردن وفلسطينيين. من بين الفلسطينيين د. عاطف علاونة، ود. عمر عبد الرازق الذي شغل منصب وزير الاقتصاد حينما فازت حماس في الانتخابات الثانية لسلطة الحكم الذاتي.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.