“كنعان” تنشر كتاب “فلسفة المواجهة وراء القضبان”، تأليف : محمود فنون، الحلقة (1)

فهرس الكتاب

1 تقديم احمد قطامش

2 مقدمة الطبعة الحالية للمؤاف

3مقدمة الطبعة الاولى للمؤلف

4- نظرية التحقيق

5- الصلابة والصمود

6- الانهيار في التحقيق

7- التغلب على المحقق

8- اساليب التحقيق

9- أولا ، الاسلوب النفسي

ا- اسلوب التشكيك وهز صلات وارتباطات المناضل

ب-اسلوب الارهاب

ت- اسلوب تبسيط القضية

ث- اسلوب التهويل والتضخيم

ج-اسلوب الصديق والوحش

ح-اسلوب تعدد المحققين

خ-اسلوب تشتيت الافكار

د- اسلوب التركيز على العواطف

ذ- اسلوب المفاجآت والصدمة

ر – اسلوب الشراء وعقد الصفقات

ز-اسلوب الحرق السياسي والتشهير

س- جهاز كشف الكذب

ص- التنويم المغناطيسي

10- ثانيا : الأسلوب العصبي

11- دور العملاء المدسوسين في اقبية التحقيق

12- من ادوار العملاء في السجون

13-اقسام العار

14 – مفاهيم عامة

ا- العيب والشرف

ب- التعذيب والصبر

ت- مسكوا عندي ، أي ضبطوا معي

ث- فلان قال كل شيء

ج- ليس جاسوسا بل اعترف في التحقيق

د- المساومة والبيع

ذ- وجدت كل شيء امامي

15- مجريات فنية

16- لحظات حاسمة

تقديم

إن الثوريين يحبون الحياة وهم لذلك لا يترددون في المخاطرة بحياتهم كيما يصنعوا حياة حرة كريمة لشعوبهم، فالحياة الذليلة الخاضعة للقيود والقمع والاستغلال ليست حياة، إنما هي وجود بائس زري يتعين تغييرها. والثوريون الاقحاح هم أولئك المرشحون لهيئة أركان تغييرها وقلب معادلاتها. وفي خضم نضالهم لقلبها يتعرضون ويسامون أبشع صنوف التعذيب والقهر في محاولة من السلطات القهرية لكسر إرادتهم وتفريغهم وتيئيسهم. ولكنهم وهم المشدودون للمستقبل والمرتكزون إلى حقائق العصر يثابرون في نضالهم لا يلوون على شيء. فهم مقتحموا السماء وصناع المستقبل.

ويتساقط في العادة من صفوف القوى الثورية العناصر الوسطية قصيرة النفس في ظروف ومحطات مختلفة. وأهم محطة يناقشها هذا الكراس هي محطة الاعتقال والتحقيق بوصفها محطة مكثفة يتمركز فيها الصراع بين القديم والجديد، بين الحرية والعبودية، بين الأمل وأعداء الأمل، بين الثورة والثورة المضادة.

وفي السياق العام تصمد الحركات الثورية أمام آلة القمع السلطوية، ويصمد مناضلوها، ويسجلون مواقف مشرفة تليق بهم كثوريين. ومنهم من يقضي شهيداً نقي الضمير دون أن يخون رفاقه في أقسى الظروف وأحلكها. وهذا أمر طبيعي ومتوقع من الطلائع السياسية ومؤيديها. ويتراكم الصمود ويتنامى في تراث الحركات الثورية والشعب، ويبني طوبة تلو طوبة في نفسية المناضلين ليأتي يوم يمسي كل مناضل فيه عصي على الكسر. والحركة الوطنية الفلسطينية شرعت في حفر أخدود الصمود منذ زمن، فقد اجترحت مآثر بطولية، وقائمة الشرف الطليعية طويلة نسبياً. وإذا كان الاعتراف لعوامل عديدة ظاهر للعيان وطاغي، غير أن قافلة الصامدين في نماء مستمر في شروط تحقيق بشعة ووحشية تنأى عن الوصف.

واعتراف المناضل يمكن تفسيره على النحو التالي (لقد كان وهو وسط الآخرين حين كان محاطاً بالرفاق الذين يفكرون مثله قوياً لأنه يفكر بهم، أما الآن وهو معزول وحين يضغط عليه العدو بشدة فقد انهارت كل مقاومة لديه، لقد أضاع كل شيء لأنه أخذ يفكر بنفسه وضحّى برفاقه لينقذ جلده. لقد تحول إلى جبان ومن جبان الى خائن… والخائن يخسر أكثر من حياته نفسها. فها هو قد ضاع وتخلى عن الجيش المجيد وكسب احتقار أقذر الأعداء) فوتشيك.

وهذا تفسير علمي وصحيح، كما يمكن إضافة عنصر آخر هام في حالة قسم كبير من الحركة الوطنية الفلسطينية، وهو، تخلف هذه الحركة أمنياً وعدم إعداد وتشريب عناصرها بهذا الجانب، وكونهم فتيان يعتقلوا وهم في بواكير الشباب 17-20 ربيعاً بدون أن يكونوا محصنين بالتجارب الثورية والادلجة الكافية بوصفها دم الصمود الدفاق.

والسقوط في التحقيق ليس وقفاً على الشبان، بل قد يطول أيضاً مناضلين مجربين لهم من الخبرة السياسية والاجتماعية الشيء الكثير. وهؤلاء برغم تجاربهم وخبرتهم يكونوا مجرد ملتصقين بالنضال دون أن يملك عليهم كيانهم، ودون أن يتعمدوا به، فهم ينتمون بجانب محدد من شخصيتهم بينما تعيش الجوانب الأخرى حياتها الفردانية. انهم يعطون الثورة هوامش من أوقاتهم وأعصابهم وتفكيرهم، بينما جماع الشخصية في عالم آخر ذاتي، فلا يربطون أنفسهم كيانياً بالثورة ومصيرها، وبالتالي لا يتحدون بها حد الاندماج الكلي. ان شخصيتهم الجمعية مجزوءة لا تقوى على الصمود أمام دعوات الذات لانقاذ فروة الرأس.

والمناضل الفلسطيني طالما أنه عضو في صفوف الثورة تنتظره احتمالات أربعة:

1) الشهادة، وما أعظم أن يتعمد انتماء المناضل بالشهادة، فهي أعظم درجات التضحية. وثورتنا المسلحة قدمت على مذبح الكفاح الوطني في العقد ونصف الأخيرين أكثر من 130 ألف شهيد. حتى باتت لا تكاد تخرج من شلال دم لتجد نفسها تعوم في شلال دم آخر.

والشهادة قد تكون في معارك الثورة المسلحة التي خاضتها ببطولة منقطعة النظير في الأردن ولبنان، وفي الأعمال العصابية في الوطن المحتل، وهذا هو القانون العام. وقد تكون الشهادة على شكل اغتيال سياسي مثلما تكرر مراراً للتخلص من كادرات الثورة، ومخابرات العدو الصهيوني لها باع طويل في ذلك. كما تكون تحت موجات التعذيب في غمرة التحقيق، فقد استشهد 74 مناضل فلسطيني في سجون العدو غالبيتهم في فترة الاستجواب.

2) الابعاد، وهذا السلاح استخدمه العدو لطرد العناصر النشيطة، وهناك اكثر من 800 مبعد تم ترحيلهم خارج الوطن. كما أن العدو يشجع ذووي المحكوميات الخفيفة لطلب الابعاد. هذا علاوة على التهجير والتشريد الجماعي كما حصل عام 1948، 1967 ونزيف الهجرة السنوي الذي يتجاوز 20 ألف كل عام.

3) الاستخفاء، بأن يرفض المناضل تسليم نفسه لقوات العدو ويلجأ للاختفاء داخل الوطن لمواصلة النضال. فعدم وجود قواعد محررة بسبب جغرافية فلسطين المحدودة وقوة العدو وعصريته تدفع بعض العناصر الثورية للاستخفاء. وكان لقطاع غزه تجربة خصبة بهذا الشأن.

4) الاعتقال، وهو الأسلوب الشائع، حيثما يتعرض المناضل لارهاب جسدي ونفسي بربري وسنوات من الأسر قد تطول وقد تقصر. وبلغ تعداد الذين اعتقلهم العدو الصهيوني لحد الآن أكثر من 110 ألف فلسطيني، بينهم أكثر من سبعة آلاف أمضوا عشرة أعوام فما فوق لا يزال يقبع منهم 3.5 ألف قيد الأسر.

والاعتقال يأخذ أشكال مختلفة كأن يستدعى المناضل بواسطة الشرطة، أو كأن تنصب له مخابرات العدو كمين أو أثناء قيامه بمهمة سياسية أو عسكرية، أو أسر في معارك واسعه النطاق كما يحدث في لبنان، أو مداهمة بيتيه ليلاً بما يصاحب ذلك من تظاهرة عسكرية لبث الرعب في نفسية الجماهير والمناضل. والشكل الأخير هو السائد.

وميزان القوى المادي في التحقيق يميل لصالح العدو فهو الذي يمتلك الهراوة والبطش. غير أن المناضل ليس مجرداً من كل الأسلحة، بل انه يمتلك سلاحاً لا يمكن محاصرته، انه السلاح المعنوي: إيمانه، إرادته المقاتلة، قناعاته، إنسانيته، أخلاقيته التي تعترك بمرارة مع السلاح المادي.

ورجل المخابرات يرمي من وراء آلة تعذيبه تحطيم المناضل واستحلابه عن آخره، فهو يرمي إلى تحويله كيس رمايه ( وليمونة) يعتصرها كما يشاء. فهو يسعى لتفريغ ما في جعبته من أسرار وبالتالي سحقه كمناضل والقائه كومة بدون إرادة أو أهداف.

 وهو لذلك يحاصره ويعزله ويضغط عليه وينكل به يخالجه اعتقاد أن المناضل سينهار هذا اليوم ويستسلم محطماً متفسخاً لا روح نضالية أو انسانية فيه ، محاولاً بالايحاء له أن التحقيق معه أبدي وأن لا أحد يهتم بمصيره بينما رفاقه يمضون سهراتهم ورحلاتهم… وألا سبيل أمامه للخروج من هذا الجحيم إلا تسليم قراره وإرادته للعدو!

 وقطعاً إن (المناضل) المثلوم المتهاوي فقط هو من ينهار تحت ضغط حزمة من العصي، كما أن الأغبياء وحدهم من يصدقون وعود وأحابيل رجال المخابرات. فالتحقيق له نهاية مهما طال واستطال، ورفاق المناضل لا يتلهون بمسامراتهم، بل إنهم يناضلون وقلوبهم وعيونهم تتطلع نحو رفيقهم مؤملين أن يكون نموذجاً صلباً لهم لا يركع. فلا شيء نبضاته أقوى في قلوبهم من نبضات رفيقهم الذي يتضامنون معه بأعمق المشاعر الانسانية، وهم لا يكفون عن استذكار نضالاته ومواقفه وذكرياته معهم، ولا يفوتون لحظة الا ويترقبوا أول خبر عنه. فالخبر الأول يختصر المعركة في كلمة واحدة ( الصمود ) و ما أكبر هذه الكلمة وما أكبر الفارق بينها وبين نقيضها.

وعلى المناضل المعتقل أن لا يخذلهم أو يخونهم، وأن يحرر نفسه من دائرة الذاتية التي يسعى العدو لحشره بها الى دائرة الجماعة والثورة. وفي متناول يده ان يقاوم لحظات الضعف والوهن بأن يستنهض صبره وطول نفسه، وأن تظل عيونه معلقة بشرفه الوطني والحزبي وأن يستجمع شريط حياته النضالية والاجتماعية، وجوه رفاقه وزوجاتهم وأطفالهم، وعائلته وأصدقائه، نوادرهم ومفارقاتهم، احلامهم وتطلعاتهم … فذلك يكسبه صلابة على صلابة. انه قادر أن يتمرد على ضغوط العدو وأن يمحق حساباته وغطرسته وأن يسقط محاولاته لتجسيمه سكين يحز بها رقاب رفاقه.

ورجل المخابرات يستخف بالمناضل صراحة فيقول له (انك لا شيء) (وقد هزمنا مئة مليون عربي) وأن اعترافك محتوم اليوم أو غداً، بالضرب أو الاقناع، وقد أصبحت بين أيدينا (وبلاش شطارة)، وينظر بفوقية رعناء تحتقر المناضل، ضاغطاً عليه لانتزاع اعتراف منه. أي أن يخون المناضل رفاقه وأن يشي بهم ويطعنهم في الظهر ويزود العدو بسلاح لقتلهم. والمناضل الشجاع يقاوم ذلك تحفزه كبرياءه الوطنية والحزبية مردداً بينه وبين نفسه ( اذا كان هناك ما يمكن التضحية به لقضية فإنه الحياة وليس الشرف). ويكفي ثورة الكرامة الفردية على استعلائية رجال المخابرات المهووسين في عنصريتهم حتى يصار الى رفض التعاون معهم والاستخذاء لهم.

ومن يعتقد أن الانهيار ينقذ فروة الرأس ويخلصه من براثن المخابرات، فهو جاهل بهم وكمن يهرب من الدب ليسقط بالجب. فكما لا يمكن الاستجارة بالنار من الرمضاء لايمكن الاستجارة بالاعتراف من المخابرات. وهم يشددون من هجومهم وبطشهم لابتزاز أي تنازل من المناضل، وما أن يحققوا ذلك حتى يضاعفوا ضغطهم ولسان حالهم يقول ان الجدار بدأ بالانهيار وأن اختراقه بات متداركاً. بينما المناضل الصلب الذي يقف أمامهم كالطود الشامخ لا يلين ولا يميل يبدأوا هم بالتراجع من أمامه، وجرجرة هزيمتهم مستبدلين طاقم تحقيق بطاقم آخر، وهذه أولى علائم الانتصار عليهم. وكم من مناضل أثبت أنه قدّ من الفولاذ. فالذاكرة التاريخية تختزن عشرات الآلاف، وفي تحربتنا الفلسطينية قائمة طويلة منها قاسم أبو عكر، نادر العفوري، عبد الحفيظ زيدان، علي الجمال، محمد سليمان.

( في كل إنسان هناك ضعف وقوة، شجاعة وجبن، صمود واستسلام، نقاء وقذارة، فالمخلص يقاوم، والغادر يخون، والضعيف يتهاون تحت اليأس، والبطل يقاتل). والمناضل الثوري الذي يضحي بحياته في سبيل وطنه يمتلك أهم عنصر من عناصر التحريض المعنوي للمقاومة والاستبسال وعدم الانحطاط والإذعان. ويدرك أن ما يبنيه هو ورفاقه بأعصابهم وسنوات شبابهم لا يجوز التفريط به تحت حزمة من العصي، وما يصونه ويتكتم عليه ورفاقه بالدم في بداية التحقيق ينبغي أن يصونه ورفاقه بالدم في نهاية التحقيق، وأن لا يتنازل مطلقاً. فالتنازل هنا جريمة تعني افشاء أسرار الرفاق والثورة وزرع البلبلة وعدم الثقة في صفوفهم وبين المناضلين والجماهير. ومن كان بطلاً قبيل الاعتقال يكون بطلاً في الاعتقال، والبطل من يكون في اللحظة الحاسمة مستعداً لعمل ما يخدم الثورة والقضية.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.