سوريا ولعبة “التوازنات” في العلاقات الدّولية، الطاهر المعز

برّرت حكومة روسيا الإنخراط العسكري العلني والمباشر في سوريا، في أيلول/سبتمبر 2015، بضرورة “دعم خطوات الدولة السورية لاستعادة أراضيها ووحدتها…”، وصرّح الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”، في أيلول/سبتمبر 2019، خلال اجتماع القمة مع الرئيسيْن التركي والإيراني: “إن محاربتنا للإرهاب تنطلق من احترامنا لسيادة سوريا على أراضيها، وندعو لضرورة استعادة وحدة الأراضي السورية بالكامل،  وانسحاب كل القوات الأجنبية”.

تُمثل هذه التصريحات جانبًا من “الإتجاه العام” للسياسة الروسية في المشرق العربي، وتتناقض مع جوانب أخرى عديدة، يُبرّرُها الدبلوماسيون ب”الواقعية” (أو “البرغماتية”) وبضرورة خلق “توازنات”، ولروسيا علاقات جيدة جدًّا مع الكيان الصهيوني، الذي يحتل جزءًا من أراضي سوريا (الجولان)، وروسيا لا تؤكد على ضرورة استعادة الجولان المُحتل، فيما يفتقر الجيش السوري للتجهيزات ولمنظومات الدفاع القادرة على ردع العربدة الصهيونية، شبه اليومية في أجواء وأراضي سوريا، وتباطأت روسيا كثيرًا في تسليم منظومة الدفاع الجوي “إس 300” (غير كاملة) لسوريا، ولإيران (التي سددت ثمنها مسبقًا)، وشكلت العربدة الصهيونية في سوريا جُزْءًا من التفاهمات الروسية – الصهيونية…

أما بالسبة لتركيا، فقد توترت العلاقات، بعد إسقاط الجيش التركي (الأطلسي) طائرة عسكرية روسية فوق أراضي سوريا، لفترة قصيرة، ثم توطّدت وعززت، وتُشكل سوريا، جزءًا من المباحثات المُستمرة بين حُكُومَتَي روسيا وتركيا، وقبل بضعة أيام، اتهمت وزارة الدفاع الروسية السلطات التركية ب”تَوْطِين التُّرْكمان في مناطق طردت منها الأكراد، في سوريا، ما أدى إلى تغيير التركيبة الديموغرافية لتلك المناطق…”

تُساهم روسيا في دعم الجيش التركي بالسلاح، وفي دعم قطاع الطاقة، بما فيها الطاقة النّوَوية، ويزور تركيا، التي تشكل أول وِجْهَةٍ للسائحين الروس، حوالي ستة ملايين سائح روسي سنويا، كما تحتل تركيا المرتبة الخامسة في قائمة زبائن روسيا، وبلغ حجم المبادلات التجارية بين البلدَيْن، حوالي ثلاثين مليار دولارا، خصوصًا بفضل ارتفاع حجم صادرات الغاز الروسي، بعد الخلافات (التي زادت الولايات المتحدة من حِدّتها) مع أوكرانيا والإتحاد الأوروبي، منذ سنة 2014، ولتفادي أراضي أوكرانيا، لعبور الغاز الروسي نحو جنوب أوروبا، أنشأت روسيا خط أنابيب الغاز “السَّيْل التُّرْكي” (أو تُرْك سْتْرِيمْ)، يمكن من عُبُور حوالي 15 مليار متر مكعب من الغاز، بداية من سنة 2022، وتُرْجِم التعاون الإقتصادي بين الحكومَتَيْن، بارتفاع عدد الشركات التركية في روسيا والروسية في تركيا، وكانت الشركات التركية متواجدة بقوة في دول آسيا الوُسْطى، مثل تركمانستان وكازاخستان وأوزباكستان، دول الإتحاد السوفييتي السابق، وخصوصًا الدول التي تُحيط بروسيا، والناطقة باللغة التركية… من جهة أخرى، تمكنت الولايات المتحدة، عبر حلف شمال الأطلسي، من محاصرة روسيا بالقواعد العسكرية، في دول أوروبا الشرقية، وعلى حدود روسيا، برا وبحرًا، وتُشكل تركيا ممرًّا بحريا للأساطيل التجارية والعسكرية الروسية، نحو البحر الأبيض المتوسط، حيث فقدت روسيا مناطق ارتكازها، خصوصًا بعد انهيار الإتحاد السوفييتي، وبعد الدّعم الذي قدّمته روسيا (والصين) للولايات المتحدة، ولحلف شمال الأطلسي، خلال العدوان على العراق، وعلى ليبيا، ولم يبق من الدول الحليفة، المُطلة على البحر الأبيض المتوسط، سوى سوريا، ولا تستطيع روسيا التفريط في سوريا، والتفريط في نقطة ارتكازها في المشرق العربي، ليس دفاعًا عن سوريا، وإنما دفاعًا عن مصالح روسيا، وتتطلب مصالح روسيا، بحسب استراتيجية حُكُومتها الحالية، المُناورة مع إيران وتركيا والكيان الصهيوني والولايات المتحدة…

هناك حقائق ووقائع لا يمكننا التغافل عنها، بشأن الكيان الصهيوني، وخصوصًا بشأن تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، فتركيا تَشُنُّ هجوما كبيرا وشَرِسًا على الوطن العربي، من العراق، حيث تحتل جزءًا، بدعم من مليشيات عشائر كردستان العراق، وتعتبر بعض المناطق العراقية أراضي تركية، إلى المغرب وتونس، حيث تسود العلاقات الإقتصادية غير المتكافئة لصالح تركيا، وتجتاح السلع التركية أسواق المغرب العربي، في عملية إغراق أَضَرّت بالمُنْتِجِين والتّجّار المَحَلِّيِّين، بتواطؤ من الأنظمة القائمة، ومن حكومات الإخوان المسلمين، منذ 2012، ناهيك عن التدخل العسكري التركي في ليبيا، والإستيلاء على الثروات الطبيعية (الغاز والنفط)، وتحظى الحكومة التركية بدعم الإخوان المسلمين العرب (ودُوَيْلَة “قطر”)، الذين يباركون العدوان التركي، ولم يدعوا المسلمين لدعم الدينار التونسي أو الجنيه المصري، واستنفروا قواهم وأصدروا الفتاوى لدعم الليرة التركية، وساندوا الجيش التركي (الأطلسي) الذي يحتل أراضي عربية، في العراق وسوريا وليبيا…

تعدّدت تصريحات المسؤولين العسكريين والحُكُوميين الأمريكيِّين، الدّاعمة للعدوان التركي على سوريا، باعتبار تركيا دولة حليفة، وعضو في حلف شمال الأطلسي، وثاني أكبر جيش في الحلف، وتُعتَبَرُ قاعدة “إنشرليك” الجوية والبحرية، في تركيا، ذات أهمية استراتيجية لحلف شمال الأطلسي، بين روسيا والمشرق العربي وغرب آسيا، وأوردت الوكالة الرسمية التركية للأنباء (الأناضول – 02 و 03/03/2020) نبأ زيارة “وفد أمريكي رفيع، يضم المندوبة الدائمة للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، كيلي كرافت، والمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا جيمس جيفري” للجبهة، على الحدود بين تركيا وسوريا، ومعْبَر حُدُودي، يقع قبالة معبر “باب الهوى” السوري، في ظل تهويل إعلامي ل”المآسي الإنسانية” التي تنجر عن قيام الجيش السوري بدوره في استعادة أراضي سوريا التي تحتلها تنظيمات إرهابية، مدعومة ومُسلّحة من قِبَل الولايات المتحدة وتركيا وغيرهما، والتقى الوفد الأمريكي عناصر “الخوذات البيضاء” (منظمة تجسس وإرهاب، أنشأها ضابط بريطاني، تتعلل بغطاء “العمل الإنساني”)، وعبّرَ “جيمس جيفري”، أحد قادة الوفد الأمريكي عن استعداد الولايات المتحدة لتزويد الجيش التركي بالعتاد والذخيرة في منطقة إدلب (السورية)، لأن الجيش التركي، شريك مهم في حلف شمالي الأطلسي، ويستخدم العتاد الأمريكي…”.

تُدافع روسيا عن مصالحها كدولة، وكقوة عالمية، وهذا أمر طبيعي، وليس من دَوْرِ روسيا أو إيران، تحرير سوريا من الإحتلال الصهيوني (الجولان)، أو من الإحتلال الأمريكي والأطلسي (الشمال الشرقي، على حدود العراق)، أو من الإحتلال التّركي، في الشمال الغربي وشمال سوريا، بشكل عام، وتعود مهمة تحرير الأراضي المُحتلة إلى أهل البلاد، السوريين، والعرب، ولا يتجاوز دور الحُلفاء، مهام دَعْم خطط الجيش والدّولة في سوريا.

من جهتنا كعرب، وكتقدّميين، وجب دعم أي خطوة تُمكّن الدّولة السورية والجيش السوري من استعادة أراضي سوريا، سواء احتلتها الولايات المتحدة أو تركيا أو الكيان الصهيوني أو مليشيات الأكراد أو الإرهابيين، وغيرها من قوى الإحتلال، ومن واجبنا التّحرّي وعدم الإنسياق وراء الحملات الإعلامية التي تتَذَكّرُ “حقوق الإنسان”، كلما هاجم الجيش السّوري مواقع المنظمات الإرهابية، في ريف دمشق، قبل سنوات، وفي إدلب حاليا، ووجب الرّد على هذه الحَملات، وتفنيدها، وإظْهار حقيقة حقوق البشر في أوروبا وأمريكا، والتفاوت الطبقي الكبير وأعداد الفُقراء وفاقدي المأوى والمحرومين من الرعاية الصّحّية، ومن الخدمات الأساسية، مع الدّفاع عن حق الدّول والشعوب في السيادة على أراضيها وثَرَواتها، وما العدوان على سوريا سوى حلقة من حلقات الهيمنة، في الحقبة الحالية التي بدأت مع تدمير وتفتيت يوغسلافيا ثم العراق…        

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.