النفط “بُراز الشيطان”، أم براز آل سعود؟ (*) الطاهر المعز

تزامن إعلان عدم تجديد اتفاق خفض إنتاج النفط، بين مجموعة “أوبك” وروسيا، مع حملة شنّها محمد بن سلمان، ولي العهد، والحاكم الفعلي للسعودية، على مُعارضيه، من داخل أُسْرة “آل سعود”، وخاصة من فرع “السديري”، أدت إلى اعتقال عدد من الأُمَراء، ومن بينهم عَمُّهُ أحمد، وأبناء عمومته، ولم يكن تزامن الحَدَثَيْن من باب الصُّدْفَة، بل يندرج كلاهما ضمن تثبيت حُكْم محمد بن سَلْمان، قبل رحيل والده، بالوفاة أو الإقالة.

 كتبت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية، يوم الثلاثاء 10 آذار/مارس 2020 أن وزارة المالية السعودية بصدد إعداد ميزانية جديدة تَفْترض انخفاض أسعار النفط الخام إلى أقل من عشرين دولار للبرميل، ما يستوجب خفض مستوى إنفاق جميع الوزارات، وأعلنت شركة “أرامكو” السعودية للنفط زيادة الإنتاج إلى 12,3 مليون برميل يوميا، بداية من شهر نيسان/أبريل 2020، في حين تنتج السعودية حاليا 11 مليون برميل، ولا تتجاوز الطاقة الإنتاجية الحالية 12 مليون برميل يوميا، مع الإشارة إلى انخفاض الطلب الصيني على النفط، بسبب اضطراب الإنتاج الصناعي، والحياة الإقتصادية، بعد تفشِّي وباء “كوفيد 19″، أو “كورونا”، والصين أكبر مستورد عالمي، وأكّدت صحيفة عالم المال والأعمال الأمريكية (وول ستريت جورنال) العلاقة بين قرار زيادة الإنتاج، رغم ما ينتج عنه من انخفاض كبير في الأسعار، ومساعي محمد بن سلمان لتعزيز نُفُوذه الشخصي، وتطلُّعاته على الصعيد الدّولي، انطلاقا من قطاع النفط، الذي يمثل 80% من قيمة صادرات السعودية ونحو 65% من إيرادات الميزانية.

تعلّلت الحكومة السعودية بضرورة زيادة حصتها من الأسواق العالمية، عبر زيادة الإنتاج وخفض الأسعار، وهي نفس الذريعة التي استخدمها “آل سعود”، عندما واصلوا إغراق الأسواق بالنفط، سنة 2014، رغم انهيار الأسعار، وكانت قد فعلَتْ نفس الشيء، منتصف ثمانينيات القرن العشرين، بهدف تَفْلِيس الإتحاد السوفييتي، الغارق في احتلال أفغانستان، حيث أنفقت السعودية على تسليح أمريكا للمجموعات الإرهابية (طالبان والقاعدة وما تولّد عنهما)، وكان انخفاض إيرادات النفط، سببًا من مجموعة أسباب داخلية وخارجية أَطاحت بالإتحاد السوفييتي، وفتّتَتْهُ إلى خمسة عشر دولة، لكن روسيا الحالية أكثر قُدْرَةً على الصمود من السعودية، في حال واصل “آل سعود” حرب الأسعار، وأعلنت وزارة المالية الروسية أن الميزانية كانت متوازنة عندما بلغ سعر النفط خمسة وأربعين دولارا، وأن موارد الحكومة، واحتياطيات صندوق الرفاه الوطني، تتيح لها تحمل انخفاض أسعار النفط النفط الخام إلى ثلاثين دولار للبرميل، أو حتى خمسة وعشرين دولارا، على مدى عشر سنوات، خصوصًا وأن تكاليف إنتاج النفط منخفضة في روسيا، كما في السعودية (معدل 2,8 دولارا للبرميل الواحد من النفط السعودي)، لكن ميزانية السعودية تحتاج إلى أسعار لا تقل عن ستين دولارا للبرميل، أي ضعف ما تحتاجه ميزانية روسيا، من أجل ضمان توازنها. بلغ عجز ميزانية السعودية أكثر من خمسين مليار دولارا، أو ما يعادل 6,4% من الناتج المحلي الإجمالي، عندما كان سعر برميل النفط الخام يتراوح بين ستين وخمس وستين دولار، فكيف تُحقّق التوازن المالي في ظل سعر ثلاثين دولار لبرميل النفط؟ خصوصا وإن الإحتياطي السعودي ينخفض يوميا، منذ سنة 2015…

علقت محطة “روسيا اليوم” على “حرب أسعار النفط”، بأن الأسعار المُنخفضة ربما تخدم، جزئيا وبصورة مُؤقّتة، مصالح السعودية وروسيا معًا، لأنها سوف تَضُرُّ بمصالح شركات إنتاج النفط الصخري الأمريكي، وقد تُقصيها من السوق، لفترة قصيرة، لأن الحكومة الأمريكية تدعم جهود هذه الشركات، لتطوير تقنيات تفتيت الصّخور، وخفض تكاليف إنتاج النفط والغاز الصّخْرِيَّيْن، وصنّفت الولايات المتحدة زيادة إنتاج وتصدير النفط والغاز الصخريَّيْن ضمن أولويات “الأمن القومي” الأمريكي، وضغطت على أوروبا لكي تتخلى عن الغاز الروسي وتشتري الغاز الصخري الأمريكي، الأقل جودة والأعلى ثمنا، وقد تعود الشركات الأمريكية بسرعة إلى إنتاج النفط الصخري، بتكلفة منخفضة، بفضل الدعم الحكومي، وبنَت الولايات المتحدة استراتيجيتها على الضغط المُستمر على مجموعة “أوبك” لخفض الأسعار، بالتزامن مع الحصار والحظر المفروضَيْن ضد نفط فنزويلا وليبيا وإيران، وعلى زيادة إنتاج وتصدير النفط الصخري، فكلما خفضت السعودية وروسيا إنتاجهما، ارتفع مستوى إنتاج الولايات المتحدة من النفط الصخري، وشغل حصتهما من السوق.

للسعودية دور وظيفي يتمثل في خدمة أهداف الإمبريالية الأمريكية، بخلاف روسيا التي لها أهدافها المُستقلة، الخاصة، ويُعتَقَدُ أن السعودية تُنفّذُ أهدافًا أمريكية، في الماضي (سنة 1973 وسنة 1985) والحاضر، ولن يتمكن آل سعود من معارضة الولايات المتحدة، هذا إذا توفّرت نِيّة المُعارضة، ولا يمتلك أي منتج للنفط القُدْرة على تحديد سعر إنتاجه، ولذلك لا يمكن للسعودية تحديد أسعار النفط، ولا تحديد اتجاه مسار سوق الطاقة، لأن ذلك من “اختصاص” المصارف الأمريكية والأوروبية الكُبرى التي تُضارب بأسعار النفط (كما أسعار المعادن والمواد الأولية والحبوب)، عبر العُقُود الآجلة، فتحتكر حوالي 90% من المَعْرُوض، وتبيعه إلى زبائن آخرين، وتحقيق أرباح مرتفعة، عبر المضاربة.

لقد نفذ النظام السعودي، وعلى رأسه “محمد بن سَلْمان” كافة المطالب الأمريكية والصهيونية، بل زاد عليها، عبر التأكيد المستمر على محاربة “التوسع الإيراني”، بالتحالف مع الكيان الصهيوني، حتى أصبح مَقْبُولاً من الولايات المتحدة ومن الكيان الصهيوني، وقد تندرج حرب أسعار النفط الحالية ضمن  المواجهة الأمريكية مع روسيا، وضمن الخلافات بشأن قضايا عديدة مثل إيران وسوريا واليمن وليبيا، وبشأن محاولات روسيا (إلى جانب الصين) بناء نظام عالمي “متعدد الأقطاب” (داخل المنظومة الارأسمالية العالمية نفسها)، مقابل نظام “القطب الواحد”، السائد حاليا، بإدارة وإشراف الولايات المتحدة الأمريكية.

هامش:  

(*) سبق أن أوْرَدْتُ هذه العبارة ضمن مقال بعنوان “دَوْر النفط والغاز في الحُروب الدّائرة في الوطن العربي – لعنة المحروقات”، بتاريخ 28/01/2020، ووردت المقدمة كما يلي:

” كان “خوان بابلو بيريز ألفونسو” (1903 – 1979) وزيرا للنفط في فنزويلا، وهو صاحب فكرة إنشاء منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك) سنة 1961، للدفاع عن مصالح الدّول المنتجة والمُصدّرَة للمحروقات، وساهم في تأسيسها، ونُسِبَتْ له، خلال نفس السنة، مقولة وجّهَها لزملائه وزراء النفط في الدول المشاركة في تأسيس “أوبك”، ومفادها: “النفط هو براز الشيطان… سوف تَرَوْنَ بعد عشر سنوات أو عشرين سنة من الآن، أن النفط سيجلب لنا الخراب”، ولم يكن يدّعي النبوءة، ولكنه كان وطنيًّا، ودافع عن مصالح بلاده وشعبه، أثناء مُشاركته في أول حكومة ديمقراطية، سنتيْ 1947 و 1948، قبل أن يُطيح الجيش بتلك الحكومة، بدعم من الشركات النّفطية (وغير النّفطية) الأمريكية، وسُجِنَ الوزير، ثم نُفِيَ لفترة عشر سنوات، قبل عودة الديمقراطية، حيث أصبح “خوان بابلو بيريز ألفونسو” وزير للمعادن والمحروقات في عهد الحكومة الديمقراطية الثانية، من 1959 إلى 1964، وعمل على إنفاق إيرادات النفط في مشاريع تَنْمِيَة البلاد…

بعد قرابة ستة عُقُود من تاريخ هذا التصريح، أصبح النفط وبالاً على فنزويلا والبرازيل والعراق وليبيا وأنغولا ونيجيريا، وغيرها، وأصبح الخليج العربي قاعدة أمريكية ضخمة، وتجمُّعًا للبوارج الحربية ولحاملات الطائرات ومختلف أنواع أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها حلف شمال الأطلسي…

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.